التقديس بحسب إقرار وستمنستر (٢)

١٣.٢ مجال التقديس وعدم اكتماله

يؤثر التقديس على كل نواحي حياتنا إلا أنه ليس كاملاً في هذه الحياة، فنختبر الحرب الداخلية العنيدة الدائمة بين ميولنا الخاطئة وبين الروح القدس بسبب الفساد المتبقي فينا.

” يشمل هذا التقديس الإنسان بالكامل إلا أنه ليس كاملاً في هذه الحياة إذ تظل بقايا الفساد في كل شيء، والتي منها تقوم حرب دائمة عنيدة: الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد“إقرار إيمان وستمنستر الفصل ١٣

توجد هنا ثلاث نقاط أساسية:

(١) يعمل الله في عمل التقديس في كل ما في ”الإنسان بالكامل“ بهدف تجديد كل ما نحن عليه،

(٢) إلا أننا نظل في كل شيء غير كاملين، ويظل الفساد باقيًا في كل جزء من كياننا،

(٣) لذلك فإننا نختبر عمل التقديس الإلهي في صورة حرب دائمة مُطّردة لا يمكن إنهاؤها. هذا الأمر في غاية الأهمية لفهم الحياة المسيحية فخلاص المسيح يعني أن ندخل في حرب، وأهم جزء في هذه الحرب هو أن الروح القدس يحارب فينا ضد بقايا فسادنا (وهو ما له بالطبع تأثير على سلوكنا الشخصي وعلاقاتنا بعائلاتنا وبالمؤمنين الآخَرين وبجيراننا وبالمجتمع)، وأحيانًا ما نشعر في هذه الحرب وكأن الرب يقتلنا نحن.

هذا ما كتب عنه جون نيوتن في العدد الشهير من ترنيمة "تلك التجارب في الداخل"

طلبت من الرب أن أنموَ

في الإيمان والمحبة وكل نعمة

وأن أعرف خلاصه أكثر

وأن أطلب وجهه باجتهاد أكثر

هو مَن علَّمني أن أصلي هكذا

وأثق أنه استجاب الصلاة

لكن الاستجابة كانت بطريقة

كادت تدفعني إلى اليأس

رجوت أنه في وقت مُستجاب

يعطيني حالاً ما طلبتُ

وبقوة حبه المسيطرة

يُخضِعُ خطيتي ويريحني

لكنه جعلني أشعر

بالشر الكامن في قلبي

وترك قوى الجحيم الغاضبة

تُغير على كل قطعة من نفسي

والأدهى أن وكأنه بيده ذاتها

عازم على أن يفاقم آلامي

دّمر كل مخططاتي الحسنة

وعصف بيقطينتي وطرحني أرضًا

صرخت في ارتعادٍ: "يا رب، لماذا كل هذا؟"

"أتتبع دودةً حتى الموت؟"

أجابني الرب: "هذه هي الطريقة"

"التي بها أجيب من يطلب النعمة والإيمان"

"أستخدم تلك التجارب في الداخل"

"كي أحررك من الذات والكبرياء"

"وأهدم مشاريع الفرح الأرضي" 

"حتى تجد فيَّ كل شيءٍ لك"

١٣.٣ النصر المحتوم في حرب التقديس

على الرغم من أن الفساد الذي في فينا قد يغلبنا بشدة أحيانًا إلا أن الطبيعة الجديدة تنتصر بإمداد القوة الدائم من الرّوح المُقدِّس، وينمو القديسون في التقوى.

”في هذه الحرب، وعلى الرغم من أن الفساد المتبقي قد يغلب بشدة لبعض الوقت إلا أن الجانب المتجدد يغلب بإمداد القوة الدائم من الروح المُقدِّس، وهكذا فإن القديسون ينمون في النعمة ويُكمّلون القداسة في خوف الله.“

إقرار إيمان وستمنستر الفصل ١٣

يتولى الإقرار هنا مهمة شرح هذه التجربة المتضاربة من حيث كوننا في آن واحد خليقة جديدة بينما لا زلنا نصارع مع الخطايا المرتبطة بطبيعتنا العتيقة والتي أصبحت الآن مائتة. كيف يمكن التعبير عن ذلك؟ بولس نفسه يصارع لكي يشرحها!

يقول لنا بند ١٣.٣ ثلاثة أشياء تساعدنا على فهم هذه الحقيقة والتعبير عنها:

(١) قد تبدو الحياة المسيحية وكأن الفساد المتبقي فينا ينتصر، بل وقد نختبرها بهذه الطريقة فعلاً، على الأقل لبعض الوقت،

(٢) ولكن – شكرًا لله – فما زُرِعَ فينا بعمل المسيح المُخلِّص المُعطى بالروح القدس – وهو ما سمّيناه آنفًا عطايا الخلاص – سوف يغلبُ فسادَنا في النهاية بسبب إمداد القوة الدائم من روح المسيح المُقدِّس (أليست هذه في حد ذاتها عبارة وفكرة جميلة وقوية؟ اقرأ كل كلمة وتأملها وصلِّ بها). هذا ما يعنيه الإقرار ”بالجانب المتجدد“ وليس أن جزءًا منا قد تجدد بينما لم يتجدد الجزء الآخَر، بل أن بعض جوانب شخصيتنا تعكس عمل الروح القدس في التجديد والتقديس انعكاسًا أبهى، ولن تنتصر خطيتنا عليها بل ستنتصر هي على خطيتنا. وبالطبع فهذا ليس كاملاً في الحياة المسيحية كما يُذكّرنا البند ١٣.٢ بالفعل.

(٣) ونتيجة كل هذا أن المؤمن سيختبر النمو في الحياة المسيحية: النمو في النضج والقداسة بنعمة الله، والنمو في مخافة الرب.

كثيرًا ما تُنتَقَدُ عبارة ”الجانب المتجدد“ وتُقابَل بالشك وسوء الفهم، لكنها تعني ”تلك الجوانب في كل جزء من (شخصية) المؤمن التي نتجت بواسطة عمل الروح القدس في تجديدنا وتقديسنا“، وهي الفكرة التي صاغها أوغسطينوس صياغة جميلةَ بقوله ”يا رب، كل شيء صالح فيَّ هو من عندك، أما الباقي فهو خطئي“.

س ٧٧(١) كيف يختلف التبرير والتقديس؟

ج. على الرغم من أن التقديس لا ينفصل عن التبرير، إلا أن الله في التبرير يحسب لنا بر المسيح وفي التقديس يسكب روحُه فينا النعمةَ ويُمَكّننا من ممارسة البر. أي أنه في التبرير تُغفَر الخطية وفي التقديس تُلجَم؛ التبرير يُخلّص كل المؤمنين خلاصًا متساويًا تامًا في هذه الحياة من نقمة غضب الله فلا تأتي عليهم دينونة أبدًا، أما التقديس فليس متساويًا في جميع وليس تامًا في أي منهم لكنهم ينمون إلى الكمال.

س ٧٨ لماذا لا يكون تقديس المؤمنين تامًا؟

ج. يرجع عدم اكتمال تقديس المؤمنين إلى بقايا الخطية الساكنة في كل جزء منهم واشتهاء الجسد الذي لا ينقطع ضد الروح والذي يتسبب مرارًا في هزيمتهم من التجارب وفي سقوطهم في الخطية وفي إعاقتهم في كل خدماتهم الروحية وفي أن تكون أفضل أعمالهم ناقصة ودنسة في نظر الله.


(١) دليل إيمان وستمنستر المُفصَّل Westminster Large Catechism