الصوم لا يعيقنا

"وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً." (متى 6: 16 - 18)

يتجنّب الكثير من البروتستانت الصوم ظانين أنه من بقايا زُهد القرون الوسطى ويتناقض مع تقوى الإصلاح بشكل ما. يتعلَّق النموذج الثالث في هذا السياق [لنص العظة على الجبل] بالصوم غير الطنّان [أي الذي يُحب الظهور ولفت انتباه الناس].

يبدأ يسوع للمرة الثالثة باستنكار الروحانيّة المزيّفة. لا يقول في عدد 16 أن الصوم خطأ، بل نجده يشجّع على ممارسته في عدد 17. الخطأ هو في ارتداء لافتة مكتوب عليها: "أنا متواضع، أصوم وأتألم من أجل الله."

هذا ما فعله المراؤون، فعندما كان يصوم الفريسيون في زمن المسيح، كانوا يظهرون في السوق شعث الشعر، مُتَّسِخي الملابس وبلا هندام. كان هذا المظهر يذيع بشكل صارخ صومهم، وكان المقصود من هذا الصوم البرهنة على تقواهم الفائقة. فقد أرادوا أن يلاحظ الجميع ذلك.

"ما بدأ بغرض تهذيب النفس بالروحانية، استُغل ليكون مناسبة لإظهار البِرّ الذاتي. كان البعض يتظاهرون بالكآبة ويتصنَّعون ملامحَ على وجوههم، أو يذهبون لأداء أعمالهم من دون اغتسال … كانوا يهيلون الرماد على رؤوسهم،
وكل ذلك كان للإعلان لأقرانهم أنهم صائمون. ما كان في السابق علامة للتواضع، أصبح علامة… لاستعراض البِرّ الذاتي." (كارسون)

لكن يسوع يعلِّم: متى صُمْتَ، لا تَظهَر كأنك عابس أو حزين أو محروم، لأنك إن صُمْتَ لنوال إعجاب الناس، فبلا شك ستناله، لكن لن يكون لك أجر آخر، إذ قد استوفيت أجرك.

على النقيض، كان يعلِّم في عدد 17، أنك متى صُمْتَ، فعليك أن تدهن رأسك بالزيت علامةً على الفرح، كما أن عليك أن تغسل وجهك وتعيش حياتك بشكل طبيعي، من دون محاولة جذب الاهتمام لنفسك. يبدأ عدد 18 بالحكم المعلَّق بالغرض: "لِكَيْ لاَ". فبدلًا من أن يكون الغرض "لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ"، يصوم التلميذ الحقيقي لِكَيْ لاَ يظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بل لأبيه الذي في الخفاء. أُكرِّر، الآب كليّ العلم وسيكافئ هذه العبادة الصادقة.

إذًا لدينا ثلاثة أمثلة على النقطة الرئيسية التي يُعلِّم يسوع بشأنها، هل امتحنتم دوافعكم فيما قرأتم المقال؟ يجدر بنا ذلك، هل سبق وأن صلّيتَ بشكل مُعيَّن لجذب الانتباه إلى تقواك الفائقة أو روحانيتك أو تفوّقك؟ أو هل تصلّي بتكرار عبثيّ؟
"الآن أستلقي للنوم [يا رب!]" ربما هي صلاة تناسب طفلًا، لكن إن صلّاها شخص بالغ في كل مرة، هل ستكون علامة على النمو أم عدم النضوج؟ يُفضَّل أن تكون الصلاة صادقة ومختصرة على أن تكون بليغة وروتينية. هل سبق أن أعطيت ثم تكلمت عن عطائك السخي لجذب الانتباه إلى نفسك؟

فلنكن حذرين وصادقين. إن صُمْتَ، فهل تريد أن يعرف الجميع مدى إخلاصك لله؟

 

كان بإمكان يسوع أن يعطي أمثلة أخرى كهذه:

  • هل تستعرض حفظك لأجزاء كتابية كيما تدلل على تفوّقك؟

  • هل سبق وأن تباهيت بأنك تعاني من أجل المسيح؟

  • هل سبق وأن سمعت مدحًا بخصوص ارتيادك الكنيسة أو طول مدة عضويتك؟ أو على الجانب الآخر، هل تعلن بشكل صارخ كم تعاني تحطُّمًا لجذب الانتباه؟

  • هل سبق وأن استعرضت مواهبك الروحية لتبرهن على فعاليتك في الشهادة لله؟

  • هل أعظ كي أقدّم نفسي بصفتي أحد رجال الله العظماء؟

كما ترى، يخبرنا يسوع أن ثمة مخاطر كثيرة، هو لا يسردها كلّها لكنه يعطينا ثلاثة أمثلة [الصدقة، الصلاة، الصوم] مع إيضاح المبدأ الرئيسي. لذلك يبدأ العدد الأول بتحذير: احترزوا!
وكما أشار جون ستوت (John Stott) "يركّز ربّنا في هذه الموعظة على دوافعنا وعلى أفكار القلب الخفيّة." فالرب يسوع يريد أن تُقدَّم أنماط عبادتنا المختلفة لله وحده وألا نسعى لجذب الانتباه إلى أنفسنا.

يصوغ دي إيه كارسون (D.A. Carson) الأمر ببراعة في قوله:

"يدفعنا التعليم المُقدَّم في متى 6: 1-18 دفعًا إلى التواضع، إذ أن مطلب البِر الذي يستند عليه متى 5 يتكمَّل في تعاليم يسوع للعهد الجديد بالإصرار على عدم الخلط بين هذا البِر وبين مفاخرة الزهد أو اصطناع التقوى. ونرى السؤال يُطرَح في أكثر أشكاله عمليّةً: مَن أحاول أن أُرضي من خلال ممارساتي الدينية؟ الإجابة الصادقة على هذا السؤال قد تسفر عن نتائج مزعجة مما يعني أن جزءًا كبيرًا من الحل سيكمن في ممارسة التقوى في إطار العلاقة الحميميّة السرّية في حضور الرب. لو لم تكن "أعمالنا الصالحة" مُقدَّمة في السِرّ له، فربما تُقدَّم سرًا لإرضاء الناس. الأوجه السلبية لهذه الأعداد هي في الواقع ما يُمهِّد طريق الوصول إلى الإيجابية الأسمى. ونعني بهذا البِرّ الصادق، والتقوى الحقيقيّة، والقداسة التي لا تتأثر بالأجواء المحيطة، والقداسة الصحيحة. يجب ألا يُلطَّخ جمال البر الحقيقي بالزيف."
[دي. إيه. كارسون، الموعظة على الجبل (غراند رابيدز: بيكر، 1978). 73.]

يجب أن نكون كنيسة مصليّة معطيّة صائمة… ولكن ينبغي أن يكون سخاءنا الروحي هذا سرّيًا وبدافع الحب لله والرغبة في إرضائه وحده! فالمؤمن يسعى ليكون بمفرده مع الله في صلاة! ويسعى ليُعطي أمام أعين الله وحده! ونعلم أنه، سواء في الصلاة أو العطاء أو أي فعل، نقف أمام إله مختبر القلوب وكلّي المعرفة. إنه يعلم دوافعنا وأفعالنا، ونحن نرغب في إرضائه هو، وليس الناس.

عريضة إدانة الفريسيين الواردة في يوحنا 43:12، أساسها أنهم أحبّوا مجد الناس أكثر من مجد الله.

والآن، استحسان مَن تبغي اليوم؟ فلتكن ممارساتنا التعبديّة لنوال استحسان الله وحده… وليس الآخرين وإلا سنشهد صحوة جديدة للفريسية.

"اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ." ... "أَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً."


تمت الترجمة والنشر بالاتفاق مع موقع "Place of truth" ،

ويمكنكم قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية بالضغط على العنوان  Fasting Does Not Slow Us Down