المجد لله وحده

     نأتي كل أسبوع إلى الكنيسة صباحًا ومساءً لنُمجّد ونُسبّح الله. نشكره ونُعلّي اسمه ونقول إنه مستحق وحده العبادة والسجود، وفي نهاية اجتماعنا نُصلّي أشهر صلاة يُصليها المسيحيون في العالم كله وهي الصلاة الربانية ونختمها بالآتي: لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. والسؤال هو لماذا نفعل ذلك؟

والإجابة السريعة هي: لأن الله يستحق ذلك بسبب أفعال قام بها مثل الخلق والرعاية والفداء، وهي إجابة صحيحة تمامًا.

      ولكن بالإضافة إلى ذلك، نجد الله يقول إن كل هذه الأمور التي قام بها، قد قام بها وهدفه النهائي هو مجده. فالأمر ليس مجرد نتيجة طبيعية، بل قد صمَّم  الله كل شيء بهدف تمجيد اسمه،
والكتاب المقدس يشهد بوضوح لهذه الحقيقة:

كو ١: ١٥-١٦ "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ.  16فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ."

إش ٤٣: ٥-٧ "لاَ تَخَفْ فَإِنِّي مَعَكَ. مِنَ الْمَشْرِقِ آتِي بِنَسْلِكَ، وَمِنَ الْمَغْرِبِ أَجْمَعُكَ.  6أَقُولُ لِلشَّمَالِ: أَعْطِ، وَلِلْجَنُوبِ: لاَ تَمْنَعْ. اِيتِ بِبَنِيَّ مِنْ بَعِيدٍ، وَبِبَنَاتِي مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ.  7بِكُلِّ مَنْ دُعِيَ بِاسْمِي وَلِمَجْدِي خَلَقْتُهُ وَجَبَلْتُهُ وَصَنَعْتُهُ."

رؤ ٤: ١١ "أَنْتَ مُسْتَحِق أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ."

ولهذا فتمجيد الله ليس فقط نتيجة لما فَعَله (ويفعله) الله، ولكنه -بالأحرى- الهدف النهائي لكل ما يفعل. مع أن هناك أهداف أخرى كثيرة لكل ما يفعله الله لكن دائما وأبدًا سيظل الهدف النهائي هو مجده.

 

     ولكن لماذا يطلب الله أن يُمجَّد بل ويكون مجده هو الهدف النهائي لكل شيء؟  إذ أن هناك عدة مشاكل تبرز في هذا الأمر. فمثلًا، هل يحتاج الله إلى مجد؟ هل قام بالخلق والفداء لكي ينال مجد لم يَكُن له قبلًا؟ أليس هذا الطلب وهذا التصميم نوعًا من النرجسيّة (الإعجاب الشديد بالنفس)؟ ألا يُعدَّ الله بهذا الشكل شخصًا يدور حول نفسه وينتظر المدح؟ كيف يطلب مننا الله ألا نعيش لأنفسنا ثم يأتي هو ليفعل العكس؟ كيف يمكن لله أن يُعرّف المحبة على أنها لا تطلب ما لنفسها ثم يطالبنا هو بنفسه بأن نحيا لمجده؟ ألا يعد هذا تناقضًا؟

 

ولكي نجيب على هذه الأسئلة يجب أولًا أن نؤكّد على بعض الأمور:

1.    لا يحتاج الله لمجدٍ من أحد، بل هو مكتفي بذاته. فالله لم يخلِق لكي ينال المجد مِنَّا وكأنه محتاج إلى شيء، بل هو من يعطي الجميع كل شيء. أع ١٧: ٢٦ " لاَ يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاسِ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْسًا وَكُلَّ شَيْءٍ."

2.    الله هو المستحق وحده أن ينال كل المجد، وإن وافق على أن ينسب المجد لشخص أو لشيء غيره يكون غير عادل. فكيف يمكن لله العادل أن يعطى مجد يليق به وحده إلى أي شيء آخر. كما هو مكتوب في إشعياء ٤٢: ٨ " أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ." فأن يطلب الله المجد له وحده هو منتهى العدل.

3.    الحب هو عطاء وبذل. أن يحبنا الله يعني أن يعطينا، وعندما أعطانا الله، هو لم يعطينا مجرد أشياء، لكنه أعطانا عطيّة العطايا: شخص ابنهِ، يسوع المسيح. نعم، أحبنا الله للدرجة التي فيها أعطانا ابنه. فأعظم ما يُشبعنا هو الله نفسه. وماذا يحدث عندما ننال شيء نُحبه ونُقدره؟ نقوم بتسبيحه وتمجيده. بل إن اكتمال تمتعنا بالشيء لا يكتمل إلا بتمجيده وإظهار جماله. مثل من يحب امرأة، نجد أن ذروة متعته تظهر في إعلان حبه لها وفي الحديث عنها.

 

     هكذا هو الأمر أيضًا في علاقتنا بالله، فتمجيد الله هو منتهى خيرنا وشبعنا. ولهذا فأن يطلب الله مِنَّا أن نمجده، هو ببساطة منتهى الحب. ولا يوجد أحدًا غيره يمكنه أن يطلب هذا الطلب أو يستحقّه على الإطلاق. ونحن عندما نحاول أن نكتفي بأي شيء أو شخص غيره لا نشبع، لأنه خلقنا بتصميم لا يشبع إلا به، كما يقول المزمور (مز ١٦: ١١) "أمامك شبع سرور، في يمينك نعم إلى الأبد."

ولذلك نجد المؤمنون يستمتعون حقًا بتمجيد الله. فأروع ما في الحياة الأبدية هو الله نفسه. كما يقول الكتاب وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو١٧: ٣).  فالله يفدينا لكيّ نكون له (نصيبه) وهذا هو قمة الحب.

 

     ولذلك، إن تمجيد الله ومحبته لنا ليسا أمرين متناقضين يجب أن نختار  أحدهما بل هما وجهان لعملة واحدة، حيث أن قمة محبة الله لنا هي أن يطالبنا بأن نحيا لمجده. وهو ما يُعبّر عنه دليل وستمنستر المُصغَّر Westminster Shorter Catechism  في سؤاله الأول:

س1: ما هي غاية الإنسان العظمى؟

ج1: غاية الإنسان العظمى هي أن يُمجِّد الله ويستمتع به إلى الأبد.

**الأفكار الرئيسيّة في هذا المقال مأخوذة من كتاب "الاشتياق إلى الله Desiring God" للقس جون بايبر John Piper!