الميلاد العذراوي عقيدة مجيدة 1

أنكر الكثيرون عبر العصور حقيقةَ الميلاد أو الحبَل[1] العذراوي للمسيح يسوع. فمنذ القرون المسيحية الأولى أنكر الكثير من جماعات الأبيونيّين أنّ المسيح حُبِل به بمعجزةٍ دون زواج بشري طبيعي، وقاومهم الكثير من آباء الكنيسة مثل جيروم (٣٤٢- ٤٢٠م). ازداد هذا الاعتراض ازديادًا ملحوظًا منذ بداية القرن التاسع عشر وإلى يومنا هذا. فما هي بعض الحُجج التي يستخدمها مُعارِضو الميلاد العذراوي وكيف نردّ عليها (الجزء الأول)؟ وما أهمية الإيمان بعقيدة الميلاد العذراوي (الجزء الثاني)؟

الاعتراضات والردّ عليها:[2]

هناك عِدَّة اعتراضات يقدِّمها مَن يُشكِّكون في صحة رواية الحبَل العذراوي في الإنجيل كما رواه متَّى ولوقا:

الاعتراض الأول: يشكُّ البعض في تاريخية القصة قائلين إنّها مجرد قصة لاهوتية غنية باقتباسات كثيرة من العهد القديم، وليست قصة تاريخية!

للردِّ على هذا الاعتراض نؤكِّد أنّه ليس علينا الاختيار بين كونها قصة لاهوتية أو قصة تاريخية. فالتلاميذ كتبوا التاريخَ من منظور لاهوتي إلهي: لقد تركوا الله يفسِّر لهم التاريخ.

الاعتراض الثاني: اختلاف سلسلة نسب المسيح يسوع بين متَّى (١: ١-١٧) ولوقا (٣: ٢٣-٣٨) يُشير إلى عدم تاريخية رواية الميلاد بأكملها.

هناك الكثير ممَّا كُتِب للردِّ على هذا الاعتراض، نكتفي بذكر ثلاثة أمورٍ. أولًا، كَتب متَّى اليهودي أحداثًا تاريخية وبدأها بسلسة نسبٍ بنفس الطريقة التي كتب بها كُتَّاب العهد القديم (مثل: سفر الخروج وأخبار الأيام حيث نجد رواية تدخُّل الله لخلاص شعبه مسبوقة بسلسلة نسبٍ). على الصعيد الآخر، أكَّد الكثير من علماء العهد الجديد دقة لوقا التاريخية والجغرافية. ثانيًا، يُمكن تفسير الاختلاف بين سلسلتي النسب بأنّ متَّى تتبَّع سلسلة النسب الملوكية (الانتقال من داود إلى سليمان، متَّى ١: ٣)، بينما تتبَّع لوقا سلسلة النسب الجسدية الفعلية ليوسف (الانتقال من داود إلى ناثان، هو ابن غير مشهور مذكور في ٢ صموئيل ٥ :١٤؛ لوقا ٣: ٣١). كذلك، يخاطب متَّى اليهود ولذا اهتمَّ بإظهار أنّ المسيح هو الملك الداودي وهو نفسه "النسل" الذي وعد به الله إبراهيم أن يكون بركةً لكل الأمم (متَّى ١: ١)، أمَّا لوقا فأراد أن يُظهِر المسيح "آدم الثاني" الذي انتصر في التجربة التي أخفق فيها آدم الأول (لوقا ٣: ٣٧-٤: ١٣). ثالثًا، يُمكن تفسير اختلاف بعض الأسماء (مثل أَبَوَي يوسف) بشريعة زواج الإخوة (أو الأقارب) من أرامل إخوتهم (بهذا يكون يعقوب وهالي المذكوران كأبوين ليوسف إخوةً أو أقارب قد تزوَّج أحدُهم أُمَّ يوسف بعد موت الآخر). وكذلك، يُمكننا تفسير اختلاف بعض الآباء لأنّ لفظ "كل سلاسل الأنساب" لا يعني بالضرورة ذِكر كل الأجيال (مثال: بين فارص وعميناداب هناك على الأقل أربع مِئَة سنةٍ (تكوين ١٥: ١٣؛ خروج ١٢: ٤٠)).

الاعتراض الثالث: يُشكِّك البعض في رواية الميلاد قائلين إنّ الرواية هي تخيُّلات مأخوذة من أساطير يونانية. في الأساطير اليونانية نجد أنّ زيوس ولَدَ هرقل، وبيرسيوس، وألكساندر، وأبولو ولَدَ أيون، وأسكليبيوس، وفيثاغورس. لذلك، يقول البعض أنّ هناك تشابهات كثيرة بين هذه الروايات ورواية الميلاد، ويستنتجون أنه ينبغي لنا ألّا نؤمنَ بالميلاد العذراوي.

للردِّ على هذا الاعتراض نؤكِّد، أولًا، إنّ قراءة الأناجيل بحرص تجعلنا نستنتج بسهولة أنّ مصدرَ روايتهم لم يكن خلفيةً يونانية، بل خلفية عبرية (مثال: فهناك تشابُه بين قصة ظهور الملاك للعذراء وقصص عبرية مثل قصة امرأة منوح، قضاة ١٣؛ وقصة هاجر، تكوين ١٦). ثانيًا، لا يُوجَد توازٍ بين هذه الروايات اليونانية ورواية العهد الجديد. على سبيل المثال، عكس كل الروايات اليونانية، لا يُوجَد في العهد الجديد أيُّ إشارة للتزاوج بين الله ومريم (حاشا!). الأمر الذي قاد ميلارد إريكسون إلى القول أنّ أساطير العالم القديم هذه "ليست أكثر من قصص عن زنا بين الآلهة والبشر، وهو أمر يختلف اختلافًا جذريًّا عن الروايات الكتابية عن الولادة من عذراء".[3]

الاعتراض الرابع: رواية الميلاد العذراوي موجودة فقط في لوقا ومتَّى، ولم يعترف بها باقي كُتَّاب العهد الجديد.

للردِّ على هذا الاعتراض نؤكِّد أولًا، أنّ الرب لا يحتاج إلى أن يقول الأمر أكثر من مرَّة لكي نؤمن بأقواله، والرب قال لنا بوضوح عن الميلاد العذراوي مرَّتين، فهذا أكثر من كافٍ. ثانيًا، قصة الميلاد موجودة مرَّتين، ونجد في كلتيهما الحبَل العذراوي. ثالثًا، لا يُوجَد مكان في الكتاب المقدس يعارض حقيقة الحبَل العذراوي. رابعًا، لو كان يوحنا مُعترِضًا على الميلاد العذراوي، لصحَّحه في إنجيله الذي كُتِب أخيرًا. لكن على العكس، نجد في (يوحنا ٨: ١٩، ٤١) إشارةً إلى الميلاد غير الطبيعي في اتِّهامات الفريسيّين ليسوع "أَيْنَ هُوَ أَبُوكَ؟". خامسًا، يُشير مرقس إلى المسيح يسوع على أنّه "ابن مريم" (مرقس ٦: ٣)، وفي يهودية القرن الأول لم تكن العادة قطُّ أن يُشار إلى شخص باسم أُمِّه. لذا استنتج البعض (مثل توماس ف. تورانس) أنّ هذه هي طريقة مرقس للإشارة إلى الميلاد العذراوي. سادسًا، كلام بولس في (غلاطية ٤: ٤) يتوافق مع حقيقة الميلاد العذراوي: "وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ ٱلزَّمَانِ، أَرْسَلَ ٱللهُ ٱبْنَهُ مَوْلُودًا (γίνομαι/ genomenos) مِنِ ٱمْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ ٱلنَّامُوس..."
هنا يستخدم بولس الفعل γίνομαι الذي يعني "أصبح/صار" [ترجمة أدقّ من العربية] بدلًا من gennetos الذي يعني "ولد/مولود". هذا على الرغم من استخدام بولس للفعل gennetos "مولود" ثلاث مرَّاتٍ في نفس الإصحاح عند الحديث عن ميلاد بشرٍ عاديّين. قد يكون استخدام "صار/أصبح" لا يُشير إلى الميلاد العذراوي إشارةً مباشرة، لكنَّه أحد الأمثلة التي تُشير إلى عادة عند بولس، وهي أنّه عند ذِكر حادثة دخول الابن لعالمنا، دائما ما يستخدم ألفاظًا غير الألفاظ المعتادة عن الميلاد، ويتَّسق هذا مع حقيقة الميلاد العذراوي (نفس اللفظ المستخدَم في رومية ١: ٣). هذا اللفظ نفسه استخدمه يوحنا في "الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" (يو ١: ١٤). أخيرًا، يؤكِّد هذا الاستنتاج حقيقةَ أنّ لوقا الذي كتب عن الميلاد العذراوي كان رفيقًا لبولس الرسول، وأيّ دارس لكتاباتهما كليهما يستطيع أن يرى التوافق اللاهوتي.

الاعتراض الخامس: يرفض المُتشكِّكون الحبَلَ العذراوي، لرفضهم كل ما هو خارق للطبيعة.

للردِّ على هذا الاعتراض نذكر قَول مَتشِن Gresham Machen (١٨٨١-١٩٣٧)، الذي عارض الليبرالية قائلًا، "الغالبية العُظمى من الذين يرفضون الميلادَ العذراوي يرفضون أيضًا المحتوى الخارق للطبيعة للعهد الجديد. إنّ الأمر يتعلّق في الحقيقة بكل المعجزات. والقضية المتعلِّقة بجميع المعجزات ما هي إلّا مسألة قبول أو رفض المُخلِّص الذي يقدِّمه العهدُ الجديد". ما يريد قوله مَتشِن هو أنّ رفض الميلاد العذراوي هو رفض المُخلِّص يسوع المسيح ورفض المسيحية. ورفض الميلاد العذراوي هو رفض حقيقة أنّ كل شيء مُستطاع لدى الله (لوقا ١: ٣٧، العدد الموجود في قلب الحدث للتأكيد على تدخُّل الله فيه تدخُّلًا فوق طبيعيّ). الإله الذي خلق من العدم، هو نفسه الذي تدخَّل ليحدث الحبَل/الميلاد العذراوي، وهو نفسه إله القيامة من الأموات.

اعتراض أخير: يعترض البعض قائلا إنْ كان المسيح لم يأتِ من تزاوج أبٍ وأُمٍّ، إذن فهو ليس إنسانًا كاملًا!

للردِّ على هذا الاعتراض نؤكِّد أنّ آدم لم يأتِ من تزاوج أبٍ وأُمٍّ وهو إنسانٌ كامل.

 

أوردنا في هذا المقال بعض الاعتراضات على عقيدة "الحبَل العذراوي" والردّ عليها، لكن لماذا جاء الله الابن إلى عالمنا من عذراء؟
هذا هو موضوع المقال القادم بنعمة الله.


[1] سيستخدم كاتب المقال كلمتي الحبَل (الأدقّ) والميلاد (الأشهر) العذراوي بالتبادل.

[2] أنا مدين لــ
Stephen J. Wellum, God the Son Incarnate: The Doctrine of Christ, 2016.

Joel Beeke and Paul Smalley, Reformed Systematic Theology: vol. 2 Man and Christ, 2020.

[3] Millard Erickson, Christian Theology [Grand Rapids, MI: Baker, 1986], 752