ترنيمة الإخلاء (2)

هناك الكثير من الآراء حول معنى «الإخلاء» وما قصده بولس عندما قال أن الابن «أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ» (فيلبي ٢: ٧-٨).
في هذا المقال سنستعرض بعض الآراء ونحن نجيب على السؤال الثالث والرابع من الأسئلة التي طُرحت في المقال الماضي.
**تم الإجابة على السؤال الأول والثاني في المقال الأول بعنوان "ترنيمة الإخلاء (١)"

السؤال الثالث: ما المقصود بأن الابن "أَخْلَى نَفْسَهُ"؟ 

الرأي الأول: يقول البعض أن معنى "أَخْلَى نَفْسَهُ" هو أن المسيح ترك بعض صفاته الإلهية في التأنس!!.
فلكي يكون الابن الأزلي انسانًا حقيقيًا هناك صفات إلهية (مثل، كلي القوة، كلي الحضور، كلي العلم) يجب التخلي عنها.
يؤكد اتباع هذا الرأي أن المسيح كان يجب أن يخوض التجربة والألم كباقي البشر لكي يخلصنا،
وهذا يعُد مستحيلًا إذ كان وقت تأنسه وحياته على الأرض كلي القدرة، وله كل العلم بالمستقبل، أو يسمو فوق حدود الزمن والمكان.

لكن يوضح دوج كيلي Douglas Kelley ثلاث مشاكل على الأقل في هذا الفكر: [1]

  1. هذا الفهم للإخلاء يلغي عمل الابن في حكم العالم. إذا أخلى الابن صفاته (هذه الصفات الثلاثة مثلاً) في تجسده، سوف يتخلى عن حُكم العَالم،
    وهذا يُعد خللًا في عمل الله الثالوث الذي يقوم بكل أعماله في وحدة كاملة بين أقانيمه الثلاث.
    يقول وليم تيمبل، «إن القول بأن الكلمة الخالق قد أخلى نفسه بذاته لدرجة أنه صار لا وجود له إلا في الطفل يسوع، هو التأكيد على أنه لفترة معينة تُرِكَ تاريخ العالم دون سيطرة الكلمة الخالق».
  2. هذا الفهم للإخلاء يُشير لتغير في الله. تشير هذه النظرية إلى أن الله لم يعد صادقًا وأمينًا لنفسه (٢ تيموثاوس ٢: ١٣)، لأن جوانب معينة من شخصيته يمكن تعليقها، أو تقليصها، أو التخلي عنها، سواء لفترة محددة، أو بشكل دائم.
    إذا كان الأمر كذلك، فلن ينقل لنا المسيح معرفة أصيلة وحقيقية عن الله، ولما استطاع يسوع أن يقول لفيلبس، «... اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى آلْآبَ، ...» (يوحنا ١٤: ٩).
  3. هذا الفهم للإخلاء يُشير لكون التأنس تحولاً. تقوم هذه النظرية على افتراض أن الألوهية والإنسانية لا يمكن أن يتواجدا معًا في شخص المسيح.
    على هذا النحو، كان الابن الأبدي موجودًا كإله كامل قبل التجسُّد، وكإنسان كامل خلال حياته وخدمته على الأرض، مع وجود عناصر رئيسية في ألوهيته قد تنازل عنها.
    في اتخاذه للطبيعة البشرية في التأنس، يتقلص الابن الأبدي إلى أقل مما هو عليه أزلًا.
    ستكون الصور آنذاك أشبه بتحول الدودة إلى فراشة، لا باتحاد ابن الله الإلهي بطبيعة بشرية (كما اعترف المسيحين عبر العصور).

أذًا ما معنى "أَخْلَى نَفْسَهُ" إذا كانت لا تعني أن المسيح جرد نفسه من صفاته الإلهية أو من مساواته للآب؟ 

الرأي الثاني: لقد شرح بولس معنى الإخلاء بنفسه بإضافة وصفين (participle) لهذا الإخلاء «آخِذًا» و«صَائِرًا».
لذلك، فالكيفية التي أخلى بها الابن نفسه هي عن طريق أخذه لطبيعة بشرية، وبهذا صار في هيئة اتضاعه مُعرَّضًا لكل صنوف الضعف البشري.
لذلك، فتأنس المسيح لا يعني «طرح أو اقتطاع» أي شيء في ألوهيته، بل يعني «إضافة» طبيعة بشرية له.
فقد أخذ «صورة/هيئة عبد doulos»، أي جوهر الشخص الذي يعيش تحت سيادة آخر.
«فما يقصده بولس ليس أن المسيح استبدل «صورة/هيئة الله» بـ «صورة/هيئة العبد» ولكنه الآن يُظهر «صورة/هيئة الله» في «صورة/هيئة العبد»» (جوردون فيَّ).

يُمكن تصور الأمر مثل نور قوي للغاية (يُمثل طبيعته الإلهية) يُغطيه ستار سميك (تُمثل طبيعته البشرية). فالستار لم يُلغ النور ولم يُلاشْ وجوده وقوته، لكنه -فقط- أخفاه ورائه.
والحقيقة أن المسيح في بعض الأحيان -إن جاز التعبير- أزاح ذلك الستار بعض الشيء. ففي التجلي، كما في معجزات كثيرة إذ يقول يوحنا «...، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ،...» (يوحنا ٢: ١٠-١١)، ما نراه هو كإزاحة ذلك الستار لكي يرى البعض المجد.
في الحقيقة، كما قال أحد رجال الله، أن الستار أو البرقع الحقيقي كان على عيون الناس، والروح القدس كان يعمل لإزاحة البرقع قليلًا ليروا مجد الله في المسيح أثناء خدمته عل الأرض.

هذا وقد كان «الصليب» نفسه قمة الإخلاء! فالرسول بولس يستكمل شرحه لقمة اتضاع المسيح بقوله، «...، وَضَعَ نَفْسَهُ، وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ، مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ.».
وهذا يذكرنا أننا كلمَّا احتفلنا بميلاد المسيح، لا يجب أن ننسى أنه ولد ليموت عنَّا!
في هذا الصدد يقول، Philip Hughes: «بيت لحم ليس هو القصة الكاملة. فالولادة التي حدثت لم تكن الهدف في حد ذاتها، بل كانت وسيلة لتحقيق الهدف. الهدف النهائي الذي كان بيت لحم وسيلة لتحقيقه: هو الجلجثة.
وإن لم يُنظر إلى بيت لحم في ضوء علاقته المباشرة بالجلجثة، فسنفقد هدف القصة وأهميتها الحقيقية. كان المذود هو بداية الطريق المؤدي إلى الصليب. والغرض من مجيء المسيح لم يتحقق في المذود بل على الصليب...
هكذا أعلن يسوع عن نفسه أن ابن الإنسان أتى «... وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.» (مرقس ١٠: ٤٥)، وأعلن القديس بولس أن «... آلْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى آلْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ آلْخُطَاةَ...» (١ تيموثاوس ١: ١٥).

السؤال الرابع: لماذا قال بولس أن المسيح صار في «صَائِرًا فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ» بدلاً من أن يقول أنه صار  «إنسانًا»؟

لا ينبغي فهم تعبير كلمة «شِبْهِ ٱلنَّاسِ» (homoima) على أنها تقليل من طبيعة المسيح البشرية. فبولس لا يُعلِّم أن المسيح ظهر فقط، بل أنه أخذ طبيعةً بشريةً كاملةً.
وإنَّما «تسمح هذه الكلمة بالغموض، مؤكدة أنه [المسيح] يشبه إنسانيتنا في بعض النواحي، ويختلف عنها في نواحٍ أخرى. الشبه يكمن في إنسانيته الكاملة. في تجسده كان «مثلنا» ...
لكننا نختلف عنه في كونه لم يتوقف أبدًا عن كونه «مساوٍ لله»؛ فبينما هو «مثلنا» في كل شيء، لم يكن «إنسانًا» فقط، كان هو الله الذي يعيش حياة بشرية حقًا، وقد صان [بولس] هذه الحقيقة بهذا التعبير»، أي: فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ. [2]

تطبيق في اللاهوت المعاصر

هل يُعتبر هذا الأمر اليوم تحديًا في عالمنا المسيحي؟ نعم، يقول بيل جونسون Bill Johnson، أحد المعلمين الكارزماتيين وصاحب كتاب «عندما تغزو السماء الأرض» المترجم للعربية: «فعل يسوع ما كان يفعله الآب فقط، وقال فقط ما كان يقوله الآب (انظر يوحنا 5: 17-18؛ 8 :26). هذا يضع معيارًا عاليًا جدًا للكيفية التي يجب أن نعيش بها. بينما يسوع هو الله الأزلي، فقد أفرغ نفسه من الألوهية وأصبح إنسانًا (انظر فيلبي 2: 7). من الضروري أن نلاحظ أنه فعل كل معجزاته كإنسان وليس كإله. إذا كان فعلهم كإله، لا زلت معجبًا. ولكن لأنه فعلها كإنسان خاضع لله، فأنا الآن غير راضٍ عن حياتي، وأنا مضطر إلى اتباع المثال الذي أعطانا إياه. يسوع هو النموذج الوحيد الذي يجب أن نتبعه.» [3]
هنا نجد التعليم الخاطئ عن الإخلاء، وهدفه إقناع المستمع أنه قادر أن يعمل معجزات كما المسيح الإنسان. بالطبع لا يوجد مساحة للتفاعل مع كل الادعاءات التي يقدمها بيل جونسون، لكن كما رأينا، هذه الطريقة في فهم الإخلاء تُقلل من مجد المسيح الوسيط: الله الإنسان، بل وتهدد خلاصنا.
فإن كان المسيح أقل من الله بكل مجده للحظة واحدة، لما استطاع أن يعلن لنا عن محبة الله الكاملة، ولما استطاع أن يخلصنا من دينونة الله الأبدية بموته على الصليب. [4] «إِنَّمَا ٱللهُ يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ ٱلْهَاوِيَةِ لِأَنَّهُ يَأْخُذُنِي. سِلَاهْ» (مزمور ٤٩: ١٥).
نعم، كما قُلنا في بداية المقال السابق، إن الفهم السليم لحقيقة التجسّد هام لخلاصنا، ولاتضاعنا، ولتقوانا. وليملأ إلهنا قلوبنا بشغف مستمر للتعمق في أمجاد هذا الذي تجسّد لأجلنا!

__________________________________________________________

[1] Douglas F. Kelley, Systematic Theology Vol. 2, 163-166.

[2] G. D. Fee, Philippians, 96.

[3] Bill Johnson, ‘The Essential Guide to Healing: Equipping All Christians to Pray for the Sick’, pg. 132.

[4] أنا مدين لكوستي هنَّ للإشارة لهذا المقطع من كتابات بيل جونسون.