تعلَّم الرثاء

"هل سقطّت من نعمة الله؟" "هل توقّف الله عن محبتي؟"

تخيّل سماع صديقك النائح يشاركك هذه الأسئلة الصادمة والمؤلمة وجدانياً. كيف ستتجاوب مع أسئلته؟ وما هي الاعتبارات والمخاوف التي ستدور بذهنك؟ هل الصراعات التي تعكسها هذه الأسئلة دليل على صحّة روحية أم إيمان يتهاوى؟

قد يبدو غريباً لك أن هذه الأسئلة ليست فقط صادمة لكنها "مُوحَى بها". إن صديقك في الواقع لا يناقض الكتاب المقدس، فهو يقتبس من مزمور 77. وإذا فحصت نص المزمور، ستجد أربع عبارات إضافية تعكس الأسى العميق.

في الواقع، صديقك النائح لم يتخلَّ عن إيمانه. إنه يجتاز مرحلة عصيبة من الألم. وإن لم تتعلم ترنيمة الرثاء الكتابي هذه فلن تكون قادراً على مساعدته، بل أنك قد تعمق جراحه.

حتى تتمكن من مرافقة صديق على درب الحزن الطويل والمُتشعّب، تحتاج أن تكتشف الرثاء الكتابي والنعمة التي يمنحها هذا الرثاء.

ما هي صلوات الرثاء؟ 

صلوات الرثاء هي صلوات تُتلى من عمق الألم وتقود إلى الثقة. هي ألحان الشجن التي رنمها شعب الرب عندما واجهوا انكسار عالم ملعون بالخطية. في بعض الأحيان كان الألم شخصياً. وأحيانًا أخرى عمّ الأسى المجتمع بأكمله. عندما لاح الظلم في الأفق، صرخ المرنم يرثي اشتياقًا للعدل. وحين كانت خطية ما هي علّة الحزن، رفع المرنم صوته بمرثاة التوبة. ولكل حزن مرثاة.

أكثر من ثلث المزامير يعكس هذا اللحن الشجيّ. وقد يفسر هذا سرعة لجوءنا للمزامير حال شعورنا بالألم. ولا يمنحنا كتاب الترانيم الرسمي لشعب الرب كلمات لألمنا فحسب، لكنه يتعاطف معنا أيضًا. إذا يشعر بما نشعر. ويُردِّد ما نود أن نقوله.

مع ذلك، تلمس المراثي ما هو أعمق من المشاعر. فهي تِّوجه آلامنا ومعاناتنا نحو تجديد الثقة. وكأنها إرشاد وتوجيه يمنحه الله لنا أو ربما طريق إلهي للحزن. وتتضمن معظم المراثي قراراً بالعودة إلى الرب بالصلاة والاعتراف الأمين له بالأخطاء طلباً  للمساعدة مع عقد العزم على تجديد الثقة فيه. كل خطوة من هذه الخطوات المترابطة (العودة، الاعتراف، السؤال والثقة) تساعدنا على الحياة بين قطبي الحياة الصعبة والثقة في سيادة الرب وسلطانه.

لغة الرثاء الكتابي هي هدية. إذ تعطي صوتاً للحزن الذي نجتازه فننال نعمة الرب. وتعين هذه اللغة صديقك الحزين كما إنها مصدر معونة لك في مرافقتك له.

تساعد مزامير الرثاء المُعزِّي

عندما تستوعب أبعاد هذه الصلاة الهامة في الكتاب المقدس، فإنها تمكنك من تمد يد المعونة إلى صديقك الحزين بطرق متفردة.

إن معرفة مزامير الرثاء والإلمام بها يعينك على فهم صراعات الأسى. إذ تمكنك من استيعاب مشاعر صديقك في مسيرك جنباً إلى جنب وهو يجتاز حزنه. 

يثير الحزن أسئلة مربكة. وتطفو إلى السطح مشاعر مخيفة. ولهذا السبب يشعرالأصدقاء وأفراد الأسرة بالرغبة في الابتعاد. بينما يقدم الآخرون حلولاً هشة. ولسوء الحظ، حتى ذوي النيات الطيبة في مواجهة تعبيرات الأسى العميقة الخارجة من الشخص المتألم قد يقولون: "ليس من الجيد أن تقول مثل هذا الكلام". لكن صلوات الرثاء الكتابية تقدم توجه مختلف،فهي تؤهلك لحسن الاستماع ولمقاومة الرغبة في تسكيت صديقك المتألم. كما أن الطلاقة في تحدث لغة صلوات الرثاء تمكنك من التعبير عن مشاعر المواجدة. وتتيح لك الجلوس بجانب أولئك الذين يجتازون ألماً. فهي تدعوك للسير في متاهة الألم المتشعبة فيما ترافقهم، بينما تتحدث مع الرب عما يشعر به صديقك. 

تُرسِل صلوات المراثي أهم رسالة في طريق مساعدة صديق: أنا بجانبك.

 وبينما ترافق صديقك في اجتياز ألمه، فإن صلوات المراثي التي ترفعها ستعينه وتشجِّع إيمانه. وتشتمل صلوات المراثي على رحلة من الصلاة: العودة، الاعتراف، السؤال والثقة. حين تتوقف عن محاولة إصلاح المشكلة وتقبل معضلة الألم، فأنت بذلك تغتنم الفرصة لتقود صديقك نحو تجديد ثقته بالرب. تمنحك المواجدة المصداقية المطلوبة لسؤال المعونة من الرب بجرأة. وفيما تصلي الوعود الكتابية مدللًا على ثقتك بالرب، تمنح صلاتك صديقك العون اللازم لاستعادة الرجاء.

صلاة الرثاء هي الصلاة التي تعينك لتوجيه صديقك الحزين نحو الحق الذي يمكن نسيانه بسهولة. يمكنك مساعدة صديقك على تبديد غيوم الأسى بينما تتعلم اللغة الكتابية للتعزية.

صلوات الرثاء تعين الصديق النائح

لا يمكن ترويض الحزن. لكن صلوات الرثاء تدرب النائحين على كيفية التعامل مع ألمهم ومحاولة فهمه. هذه الترانيم الكتابية تمنح تعزية فريدة للمتألمين من حولنا فيما يحاولون استكشاف طريقهم للشفاء. 

فهي تحميهم من تجاهل الرب وتعفيهم من اعتماد الصمت في التعامل معه. سواء أكان الصديق النائح لا يجد ما يقوله أو كان اليأس أقوى من قدرته على التعبير، فإن الألم يجرِّبنا بالتوقف عن الحديث مع الرب. لكن مزامير المراثي تمنحنا نموذجًا لوقفة أمينة متواضعة إذ نصلي فيما نجتاز صراعاتنا، ومخاوفنا، وشكوكنا. 

تُقدّم مزامير الرثاء دعوة للصديق النائح ليستمر بالصلاة حتى مع فوضى الكلمات!

وبدلاً من الانزلاق إلى خندق الإنكار (كل شيء على ما يرام) أو اليأس (لا يوجد رجاء)، فهي تمنح الصديق النائح نموذجًا كتابيًا للتحدث مع الرب من عمق الألم. مزامير الرثاء تعطينا عبارات تعكس الأسى وتعيد تأكيد الرجاء.

بعض الأمثلة:

  • "إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ! ... أَمَّا أَنَا فَعَلَى رَحْمَتِكَ تَوَكَّلْتُ." (سفر المزامير 13 : 1 ، 5)
  • "إِلَهِي! إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ ... لأَنَّهُ لَمْ يَحْتَقِرْ وَلَمْ يَرْذُلْ مَسْكَنَةَ الْمَسْكِينِ ..." (سفر المزامير 22 : 1 ، 24)
  • "أَذْكُرُ اللهَ فَأَئِنُّ. أُنَاجِي نَفْسِي فَيُغْشَى عَلَى رُوحِي ... أَيُّ إِلَهٍ عَظِيمٌ مِثْلُ اللهِ!" (سفر المزامير 77 : 3 ، 13

إذا لم يعرف صديقك النائح كيفية الصلاة، ادعه ليُصلّي الكتاب المقدس. فصلوات الرثاء ليست طرق ألم مسدودة، بل مسالك نحو الرجاء. عندما يتعلم صديق كيف يتحوَّل إلى الرب في ألمه ويطرح أمامه شكواه سائلًا إياه المعونة بجرأة، فعندها يستطيع أن يخطو الخطوة الأخيرة والأهم: قرار الثقة. كل طرق الرثاء مصمَّمة لتأتي بنا إلى هذه الخطوة. ترانيم الرثاء تساعدنا لتذكير صديق باكٍ بما يؤمن به. 

اجتياز الحزن معركة يومية. ومع فجر كل يوم جديد يأتي وعد بمراحم جديدة (مراثي 3 : 23) وتأتي أيضًا صراعات وموجات متجددة من الأسى. وفي وجود أكثر من أربعين صلوات المراثي في الكتاب المقدس هناك بئر غني من المياه الروحية الممكن استقاؤها. إذا تمكِّن صديقك من تعلم مراثيه الخاصة به، فسيكتشف ترسانة جديدة لمواجهة الصراع اليومي من أجل الرجاء والاحتمال. 

لا تقدِّم المراثي حلولًا لجميع المشكلات، لكن بإمكانها منح صديقًأ لغةً للرحلة الطويلة نحو الشفاء والتعافي.

الرثاء يقدِّم نعمة

مرافقة صديق مرَّره الألم يتطلب مهارة وتحننّا. لن تتمكن من حل المعضلة. لكن بإمكانك التواجد وإيجاد طرقًا لمشاركته في فوضى الأسى. الرثاء هو اللغة الكتابية التي لا تتعامل مع ألم صديقك فحسب، بل أيضًا تمنحك الأدوات التي تحتاجها لتعينك.

يثير الألم كثير من الأسئلة العسرة. الرب لا يُفاجَأ بوجودها، في الحقيقة، هو مَن ألهم تلك الأسئلة العَسِرة في مزامير الرثاء. 

وإحدى أفضل الطرق لمساعدة صديق متألم هي تعلم لغة ألامه. والأكثر من ذلك، يمكنك أن تُعلِّم صديقك كيفية الحديث مع الرب فيما يسير في وادٍ مظلم.

حين تتعلم الرثاء، فأنت تفتح بابًا لنعمة الله فيما تحاول تقديم العون وفيما يتماثل هو للشفاء يدعو الرثاء المُعزِّي والصديق النائح للتحدث إلى الرب عن الألم. حين يعتصر الألم صديقك، تذكَّر الرثاء، فهو اللغة الكتابية للأسى التي تقود إلى نعمة الله.

تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع Gospel-Centered Discipleship وضمن سلسلة من المقالات القيّمة التي ستقوم خدمة "الصورة" بنشرها باللغة العربية تباعًا في إطار الشراكة مع خدمة "تلمذة مركزها الإنجيل".

يمكنكم قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من خلال الرابط:  Learn Lament