خطيتك تسري أعمق بكثير مما تعتقد

تجتاز "الخطيّة" أوقاتًا عصيبة إذ تقل شُهرتها وتتضاءل! وهذا لا يعني بالطبع أننا أقلعنا عنها. لكن، بمعنى أن مُجتمعنا لم يعد يطيق تسميّة مواقف وسلوكيات بعينها "خطيّة". فكلمة "خطيّة" تبدو وكأنها صيحة قديمة للغاية. حيث تتبادر إلى الذهن صُوَر الوُعَّاظ المحمرة وجوههم غضبًا وانفعالًا وهم يلوِّحون بأياديهم محتقرين جمهور فاقد للأمل. ونحن لا نريد أن تكون سيرتنا مربوطة بمثل هذه الصورة! 

عندما نفقد الفهم الصحيح لـ"ماهيّة الخطيّة"، نفقد معها الفهم الكتابي لـمَن هو المسيح وما الذي يعنيه الصليب.  يربُط "د. أ. كارسون" الأمرين معًا -كما يجب على جميع المسيحيين المؤمنين أن يفعلوا- قائلًا: 

لا يمكن التوافق على "ماهيّة الخلاص" ما لم يتم الاتفاق على "ما الذي ينقذنا منه الخلاص". يستحيل إدراك ما يحققَّهُ الصليب إدراكًا عميقًا، دون الغوص في فهم عميق لـ"ماهيّة الخطيّة".

(السقوط: لاهوت الخطيّة، 22)

إذًا، الأفكار السطحية عن الخطيّة تقود لأفكار سطحية عن الله والخلاص. لأن الجهل بعمق خطايانا يقودنا للجهل بعمق جمال يسوع المسيح.

*مُسَحَاء مزيَّفون

الكثير من وجهات النظر والأفكار الرخيصة عن المسيح في كلّ مكان حولنا، مبنية على وجهات نظر وأفكار ناقصة عن الخطيّة، وكلٍ منها تحاول برهنة ادعاءاتها المسيانية.

يسوع "مُدرِّب الحياة" (Life-Coach Jesus).
عندما نرى الخطيّة أمرً تافهًا، والبشر صالحين بطبيعتهم، عندها ننتقل من الوعظ عن الموت والدينونة والجحيم إلى الوعظ عن مسيح يمكنه مساعدتنا في تحقيق أهدافنا الشخصية المُستحيلة وأحلامنا غير المحدودة (المرتبطة بهذه الحياة). عندئذ يصبح يسوع هو مَن يُساعد الأشخاص "الصالحين" أن يصبحوا عُظماء، ويكون يسوع قد مات حتّى نتمكن من بلوغ كامل طموحنا.

يسوع "عامل النَّظَافَة" (Housekeeper Jesus).
عندما نرى الخطيّة شيئًا لا نستطيع تجنبه، ونقول أننا نُخطئ "ببساطة لأننا بشر"، و(الخطية) شيئًا عاديًا وتافهًا، وبدلاً من كونها "أمرًا يدعو للبؤس"، نقول إنها مُجرَّد زلات وسقَّطات بسيطة. نعترف أننا لسنا كاملين، ولكننا أيضًا لسنا "أشرارًا". عندها تكون صورتنا عن يسوع أنه يتبعنا حاملًا ممسحةً ودلوًا، مُنظفًا بعدنا الفوضى الطفيفة التي نُحدثها ويكون يسوع إذًا قد مات لدفع رسوم التنظيف. 

يسوع "المُصلِح الإنساني" (Humanitarian Jesus).
عندما نرى مُشكلة الخطيّة الأساسية كونها بين إنسان وآخر (وليس أنها مُرتكبة من إنسان في وجه الله القدوس)، عندها نحن نجعل من قضيّة هامة (مثل قضايا العدالة، والمساواة، وغيرها) القضية الوحيدة والقُصوى. وهكذا "نُكيّف" يسوع لنجعله مُشاكلًا تمامًا لفكر مُجتمعنا، ونُعرِّف الخطيّة بناءً على ما يراه المُجتمع صحيحًا أو خاطئًا. عندها إذًا يصير يسوع المُصلِح الإنساني الذي جاء ليُصحّح قضايا الظُلم الاجتماعي التي تُحرِّك شغفنا.

يسوع "اللطيف".
عندما نرى الخطيّة أمرًا أقل خطورة من آلامنا ومُعاناتنا، عندها نعرف يسوع الذي يحمل المشاعر الطيّبة فقط. فهو يستمع لمشاكلنا وضيقنا، وكذا يُعلِّمنا عن الطيور والزهور، ويقودنا إلى المراعي الخضر بجانب مياه الراحة. ولأننا جميعًا نُعاني في عالم ساقط، فهو لا يقول أو يفعل أي شيء من شأنه أن يجرح مشاعرنا أو يسبب لنا أية معاناة نفسية. مات يسوع ليساعدنا على تحسُّن مشاعرنا، مهما تكلَّف الأمر.

ولكي نمنع ونُحصِّن أنفسنا ضد الخداع بهذه الصورة المُزيّفة والهشَّة للمسيح، علينا أن نفهم جيدًا "ماهيّة الخطيّة" و"مدى عُمقها". نحن بحاجة إلى إدراك، لا فقط فسادنا وخطايانا -التي ترقى لكومة تتخطى قمة جبل إيفرست- بل نحتاج إلى إعادة تعليم أنفسنا بخصوص الجثة التي اخفيناها: أي خطيتنا الأصليّة في آدم. لذلك دعونا نترُك قمم جبال حياتنا، وتلك التي تُعرِّفها ثقافتنا، ولنرتحل معًا إلى الأسفل، إلى الخطية الضاربة في جذور شجرة عائلتنا.

*خطيَّته وخطيَّتنَا!

كم مِنَّا يتأمل الكيفية التي تُفعِّل بها خطيَّة آدم خطيَّتنا، أو الكيفية التي بها تُجهزنا خطيته لفهم أمجاد المسيح؟ إنّ تاريخنا مع الخطيّة يسبق وجودَنا - قد استُعبِدنا مُنذ زمن طويل، وسقطنا جميعًا بسرعة متهورة في الأصحاحات الأولى من سفر التكوين. ويسوع، المسيح الحقيقي، وُعِدَ به في الأصحاحات ذاتها.  

كيف أصبحت خطيَّة أدم خطيَّتنا؟ كيف "بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ ... وبِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً" [رومية ٥: ١٨-١٩]؟

تأمَّل تلك المعركة الضخمة بين دَاوُد وجُلْيَات، نَبَحَ العملاق الفلسطيني ساخرًا من شعب الله. يختبيء شاول ملك إسرائيل الجبار في خيمته. ويتقدّم دَاوُد، الصبي الراعي المجهول، الغيور على مجد الله، لساحة القتال. لم يكد جُلْيَات يسخَر منه حتّى سَحَقَ دَاوُد رأسَهُ وقطعها (١ صموئيل ١٧: ٥١).

يُمكننا التَعرُّف جيدًا على القِصَّة من خلال هذه الأسئلة التي رُبما لم نطرحها من قبل،: لماذا كان هذان الشخصان فقط هما مَن يتقاتلان؟ لماذا يُحدِّد قِتال "واحد لواحد" نتيجة المعركة؟  

*لقد سقطنا مثل جُلْيَات!

متّى كانت آخر مرة حَسَمَت فيها أي دولة معركةً مع أخرى بإرسال شخصين للقتال؟ هنا مثال على ممارسة قديمة فيها يأتي أفضل محاربي الدولة وهو "البطل (champion)" ليُقاتِل "البطل" الخِصم حتّى الموت وهكذا تتقرَّر نتيجة المعركة. 

لذا ينبَح جُلْيَات، بطل الفلسطينيين، قائلًا: 

"انْتَخِبُوا مِنْ بَيْنِكُمْ رَجُلاً يُبَارِزُنِي. فَإِنِ اسْتَطَاعَ مُحَارَبَتِي وَقَتَلَنِي نُصْبِحُ لَكُمْ عَبِيداً، وَإِنْ قَهَرْتُهُ وَقَتَلْتُهُ تُصْبِحُونَ أَنْتُمْ لَنَا عَبِيداً وَتَخْدُمُونَنَا" (١ صموئيل ١٧: ٨-٩).

التقىَ دَاوُد وجُلْيَات، كنائبين، كبطلين، كأفضل محاربي كلّ جانب، للقتال من أجل مصير شعبهما. ولو ذُبِحَ دَاوُد، لكان إسرائيل خَدَمَ الفلسطينيين.

ماذا حَدَث إذًا عندما سَقَط آدم؟
التقىَ البطل من جانبنا، وزوجته تقف بجانبهِ، بإبليس في ساحة المعركة… وهُزم. كان مُقرَّرًا أن يَسْحَق رَأْس الْحَيَّة، لكنه استسلم، آخِذًا نسله معه. لقد رفض نائبنا ومُحاربنا، أن يُخرِس اللسان الكاذب للأفعى الخبيثة، وسَعَى نحو مجده الشخصي بدلاً من مجد الله. قَبِل الثَمَرَة مع زوجته وأكل.  

*مَسْمُومَة مِن الجِذر

آدم، بصفته "بطل" الجنس البشري و"نائبًا رسميًا للعهد" مع خالقنا، حين تبنَّى جانب العدو، سقط وورَث أبناؤه عنه فساده وذنبه كليهما. في آدم، وُلِدنا عاجزين عن طاعة الله بسرور، وعاجزين عن العيش في المحبة، وعاجزين عن فعل الخير أو الهروب من ذنب آدم. لذلك، جميع أبناء وبنات آدم هم "بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ"، "وأَبْنَاءَ الْمَعْصِيَةِ"، وعبيدًا بحرّيتهم لنفس الشخص الذي سلَّم أمامه أبونا الراية، أي إبليس (أفسس ٢: ١-٣).

في أبينا آدم، "لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رومية ٣: ١٠-١٢). "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ" (إرميا ١٧: ٩). نُحن وُلِدنا بالخطيّة (مزمور ٥١: ٥).

ذنبنا لا يقع فقط في "شهواتنا، وكبريائنا، وألسنتنا الكاذبة، واستبدالنا لمجد الله"، ولكنه يقع أيضًا في شهوة آدم، وكبريائه، واستبداله لمجد الله بمجدهِ هو.
فـ"بطلنا" أَحْنَى رُكبته أمام العدو، دون أن يُكبِّد العدو قطرة دماء واحدة. بسبب تلك القضْمَة اللَذِيذَة، نبقى نحن، أبناؤه، نتذوق اللَّعْنَة. وكذا بحياتنا غير المُتجدِّدة، قد أكّدنا وأثبتنا بأنفسنا ولاءنا للشيطان ساعة بعد ساعة وبطُرق لا حصر لها. شجرة جنسنا "مَسْمُومَة مِن الجِذر".

*قصة معركتين!

كلّ هذا يأتي بنا "إليهِ" -لا إلى ساحر أو جِنيّ طيّب، ولا إلى ناشط سياسي، ولا إلى يسوع خادم المنزل- بل إلى "يسوع المسيح"؛ آدم الثاني.

كان آدم الأول بمثابة إعداد، نموذج ضعيف ومُخفِق، من شأنه أن يعكس البطل الحقيقي الذي سيأتي ويُقاتل نفس العدو الذي سَلَب آدم الأول سُلطته (رومية ٥: ١٤).

بينما "بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ [أَتَتْ] الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ" (رومية ٥: ١٢)، يأتي الغُفْرَان عن طريق إنسان آخر (كولوسي ١: ١٤). جلب تعدّي آدم الموت على كلّ تابعيه (رومية ٥: ١٥)، ويمنح انتصار يسوع الحياة الأبديّة لكلّ تابعيه (رومية ٥: ١٧). بينما مهَّد آدم الطريق لأولاده إلى الدينونة والفساد، وقدَّمهم عبيدًا للشيطان والخطيّة، فإن آدم الثاني يُحرِّر إخوته لأبيه، ويمنحهم كامل نعمته، وعونه الإلهي لكي يعيشوا في قداسة (رومية ٥: ١٦).

في معركة من أجل السيطرة على الجَنَّة، لُعِن العالم. وفي معركة أخرى نشبت في جَثْسَيْمَانِي وانتهت خارج أسوار أورشليم، أصبح المفديون في كلّ العصور مُباركين. بطلنا الأول هَزمه العالم والجسد والشيطان؛ إنمّا بطلنا الحقيقي هَزَم العالم والجسد والشيطان والموت، لصالح شعبه. في آدم جُعلنا جميعًا عبيدًا لإبليس وأعداء لله؛ إنمّا في المسيح جُعلنا أبناء وبنات الله، وفي الدهور الآتية سنكون مُلوكًا ومَلِكات. 

عندما ننسى شجرة عائلتنا، وننسى أننا وُلِدنا بالخطيّة، مذنبين وفاسدين في آدم، أتباع الشيطان، عندها نداوي جراح بعضنا البعض برفق، ونوزع رسوم كرتونيّة ساخرة "كاريكاتورية" عن المسيح. ويتذبذب آنذاك إحساسنا بالحاجة إلى يسوع بناءً على الحالة والأداء، وننجذِب فكريًا أو عمليًا، إلى هذه الفكرة الكريهة القائلة بأنه يمكننا كسب رضا الله وقبوله الكاملين بأعمالنا الصالحة. لكن هذه البئر عميقة القرار؛ فخطايانا عتيقة جدًا، وعبوديتنا قاطعة لا مفر منها. كُنا بحاجة إلى محاربٍ آخر، إلى آدمٍ آخر: يسوع المسيح الذي مات وقام ويملُك، ومَن سيعود ثانيةً عن قريب. 


تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع هيئة "الاشتياق إلى الله" desiring God، وضمن سلسلة من المقالات القيّمة التي ستقوم خدمة "الصورة" بنشرها باللغة العربية تباعًا في إطار الشراكة مع الهيئة.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من خلال الرابط: Your Sin Runs Deeper Than You Think