دواء للقلق!

تخيل وجود مغناطيس مُثبَّت في زمن الماضي يريد جذبك للماضي، وآخر مُثبَّت في المستقبل ليجذبك للمستقبل، وكلاهما يريدانك أن تعيش في قلق فاقدًا اتزانك في الحاضر.

في الحقيقة، من أكثر الأمور إيلامًا للإنسان هو العيش في الماضي فيفشل ويحبط بسبب احداث مؤلمة مرَّ بها، أو العيش مفكرًا بشكل مفرط في المستقبل فيضطرب ويقلق بسبب المجهول. فيُمكن للماضي وللمستقبل، مع الاحتياجات اليومية في الحاضر، أن يسلبا الإنسان اتزانه وسلامه، وطمأنينته واجتهاده، تاركينه في حالة إحباط واضطراب دائم. 

في متى ٦: ٢٥-٣٣، نجد المسيح متناولًا هذه الحرب الشرسة التي تفقدنا اتزاننا موجهًا حديثه بالتحديد لاضطرابنا الناشئ عن احتياجاتنا في الحاضر وقلقنا عند التفكير في كيفية تدبير المستقبل. يحكي لنا المسيح عن "مغناطيس سماوي" وحده قادر أن يمنحنا ثباتًا مستمرًا في الحاضر: وهو مغناطيس عناية "أبوكم السماوي" (ع. ٢٦، ٣٢). 

يكرر المسيح في هذا الجزء تعبير "لا تهتموا" ثلاث مرات (ع. ٢٥، ٣١، ٣٤، بالإضافة لمرتين في ع. ٢٧ و٢٨ في صيغة سؤال). والمقصود بهذا التعبير القول "لا تقلقوا ولا تضطربوا بعدم إيمان". ويُدعِّم المسيح قوله "لا تهتموا أو لا تقلقوا" بالكثير من الحجج وسوف نستعرض بعضها هنا. لكن علينا أولاً إيضاح أنه عندما يقول المسيح "لا تهتموا"، هو لا يُشجعنا على الكسل والإهمال واللامبالاة، بل، على العكس، لقد علّمنا المسيح حساب النفقة (لوقا ١٤: ٢٨-٣٢)، ورأينا فيه مثالًا للاجتهاد في كل شيء. كما تعلمنا كلمة الله وتشجعنا على الاهتمام بالعمل باجتهاد كما للرب (كولوسي ٣: ٢٣-٢٤)، وتمتلئ كلمة الرب بتحذيرات ضد الكسل والتراخي في العمل (أم ١٣: ٤؛ ٢ تسالونيكي ٣: ١٠- ١٢). 

والآن دعونا نفكر في ثلاث من الحجج والطرق العملية التي تساعدنا على الثبات وعدم الاضطراب بسبب احتياجاتنا والثقة في عناية الله لنا في الحاضر والمستقبل. 

أولاً، يقول المسيح في عدد ٢٦، "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ: إِنَّهَا لَا تَزْرَعُ وَلَا تَحْصُدُ وَلَا تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِٱلْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟"

يريدنا المسيح أن ننظر لطيور السماء ونتذكر أنها تعمل لتأكل، ولكنها لا تستطيع أن تخزن الطعام للمستقبل، وعلى الرغم من ذلك، فالآب السماوي دائما يعتني بإرسال طعامها كل يوم. فإن كنَّا نحن أعظم من الطيور، فكم بالحري يعطينا الآب ما نحتاجه من مأكل كل يوم. يُمكن تلخيص ما يقوله المسيح في الآتي: "إن كان الله يهتم بالطيور، وانت أهم من الطيور، فبالتأكيد سيهتم بك."

لذلك، عندما ترى طيور السماء في صباح الغد تأملها واسمح لها أن تخدم حياتك وقلبك! تذكر عناية الله بها، ولتكن مغناطيسًا يجذب قلبك للثقة بأن الآب يعتني بكل أمور حياتك.

ثانيًا، نقرأ في عدد ٢٨، "وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِٱللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ ٱلْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لَا تَتْعَبُ وَلَا تَغْزِلُ. ٢٩ وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلَا سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ عُشْبُ ٱلْحَقْلِ ٱلَّذِي يُوجَدُ ٱلْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي ٱلتَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ ٱللهُ هَكَذَا، أَفَلَيْسَ بِٱلْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ ياقَلِيلِي ٱلْإِيمَانِ؟"
هنا بطريقة مماثلة يجذب المسيح انتباهنا للورود والأعشاب. فإذا كانت "الطيور تعمل لكنها لا تقلق، فالورود لا تتعب ولا تقلق" (كما يقول كارسون)، ولكنها تلبس أفضل من الملك سليمان في كل عظمته. ومَن هو الذي يُلبسها أفضل من سليمان؟ "الله نفسه!" فإن كان الله الآب يعمل ذلك مع الورود، فبالتأكيد سوف يعتني بشعبه. 

لكن نجد المسيح هنا يُشجع تلاميذه على أمرين: (١) التأمل، (٢) الإيمان. فلا يكفي فقط أن تعرف هذه الحقائق لكي نتوقف عن القلق، لكن علينا أن نتأمل، نفكّر، نقضي وقتًا في قراءة عناية الله في "كتاب الطبيعة"، وفي التأمل في مدى عناية وسيادته على كل الأحداث كما نفهم من "الكتاب المقدس". ربما تحتاج أن تسمع هذا الحث على التأمل من المسيح اليوم. ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي حيث نقرأ الكثير من الأخبار والمنشورات القصيرة على تطبيقات (فيس بوك) و (تويتر) دون أن نُمعن التفكير والتأمل في أي شيء، يشجعنا المسيح: تأملوا في عناية الله، اقضوا وقتًا للتفكير في أعمال الله (وفي كلمة الله!).

ربما تكون البداية في محاربة الاضطراب الدائم والمستمر في فكرك وقلبك بخصوص المستقبل هو أن تغلق بابك وتفتح كتابك المقدس وتقضي وقت في قراءة هذا المقطع من متى ٦. اطلب فهمًا من الرب لهذا الجزء، ثم اقرأه، ثم أعِد قراءته مرة واثنين، ركز على عدد واحد أو عددين لمدة ١٠ دقائق، واكتب الأفكار الرئيسية التي تراها في النص، وابدأ في الصلاة بما رأيته من أبيك السماوي، واذهب شارك أحد اصدقائك المؤمنين بما رأيته في هذا النص. وما فعلته في الكتاب المقدس كرّره عندما تتأمل الطبيعة لترى عناية الآب. نعم، تأملوا!

الأمر الآخر الهام لكي نستفيد من حديث المسيح عن عناية الله هو الإيمان: "أَفَلَيْسَ بِٱلْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ ياقَلِيلِي ٱلْإِيمَانِ؟"

وكأن المسيح يقول يمكنك أن تسمع عن عناية الله، بل ويمكنك التأمل فيها من خلال كتاب الطبيعة والكتاب المقدس، لكن تظل دون إيمان وثقة أن هذا الإله الذي يعتني بكل خليقته، هو نفسه من يعتني بك كل يوم وكل ساعة وكل ثانية! لذلك، كلما تأملت في عناية الله، اطلب منه:
"هبني أن أؤمن أنك أنت الخالق الذي تحمل كل الأشياء بكلمة قدرتك، وأنت هو من تعتني بكل أموري! هبني إيمانًا أن قلقي في المستقبل لن يزيدني إلا اضطرابًا. هبني إيمانًا لأرى ضعفي وقدرتك، ضآلتي وعظمتك، خطيتي ونعمتك، احتياجي وصلاحك!"

أخيرًا، حتى يساعدنا المسيح لمحاربة القلق، يقدم ما يُمكن اعتباره أهم الحُجَج عندما يقول، "لَكِنِ ٱطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ ٱللهِ وَبِرَّهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ." (ع. ٣٣). وكأنه يقول لك، على الرغم من اعتنائي بكل احتياجاتك، إلا أنك لا يجب أن تدع الطعام والشراب والملبس أهم طلباتك. فالحياة أهم بكثير من هذه الأمور. اجعل ملكوت الله، وحياة البرَّ التي يمنحها الله، وقوة الله لتغيير القلب، هي أهم أهدافك، وباقي هذه الأمور الأرضية ستزاد لك.

بكلمات أخرى، لا تجعل احتياجاتك الأرضية ولا كل عطايا الله تُبعدك عن الله. 

سأختم بفكرة قالها الراعي (جون بايبر) وأخرى كانت صلاة من أحد الرعاة الأمناء لعائلتي في بداية تكوينها. يتساءل (بايبر) لماذا خلقنا الله باحتياج إلى الطعام والماء؟ لماذا لم يخلقنا الله كائنات لا تحتاج لطعام ولا ماء قادرين على الحياة دونهما؟ ويجيب لأن الطعام والماء يساعداننا لفهم من هو المسيح ابن الله! نعم، قال المسيح "أَنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ" (يوحنا ٦: ٣٥)، ودعا الجميع قائلا، "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ" (يوحنا ٧: ٣٧). وقد قصد الله أن تُذكِّرنا احتياجاتنا الجسدية اليومية أننا نحتاج لأمور خارجنا، مثل الماء والخبز، لكي نبقى أحياء. وأرادنا فوق الكل أن نعرف أنه لا يعتني فقط بأن يُشبعنا من خبز وماء لاستمرار حياتنا الجسدية، بل يعطينا المسيح يسوع خبز الحياة وماء الحياة الضروري والمُشبع للحياة الروحية والأبدية.
في كل مرة تأكل وتشرب أنت مدعو لتفكر في المسيح يسوع! هكذا كل مرة نضع الملابس لتغطية عرينا، فلنتذكر أننا نحتاج المسيح البار لكي يغطي خطايانا (رو ١٣: ١٤)! 

صلَّى راعي كنيستي لي وزوجتي قبل حفل زفافنا بأسبوع أن يعطينا الله أن نطلب "أَوَّلًا مَلَكُوتَ ٱللهِ وَبِرَّهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ." وكانت طلبته كالصاعقة بالنسبة لكلينا. فقد كان الكل يهتم بنا في هذا الأسبوع، وكان من السهل أن ننشغل بعشرات الأمور التي نحتاج لإنجازها لأنفسنا ولحفل عرسنا. كان من السهل لهذه الترتيبات أن تُقلقنا، وتجعلنا نتجاهل طلب ملكوت الله، ونهتم بعطايا الله أكثر من الله نفسه. لا أدَّعي أننا عشنا هذه الطلبة في هذا الأسبوع بالكامل، لكن لا شك أنها تحدتنا ولا تزال تتحدانا في كل وقت نظن أن احتياجاتنا الأرضية هي الأهم.

لذلك، إن كان مغناطيس المستقبل واحتياجاته التي لا حصر لها لا تزال تجذبك، من فضلك توقف اليوم وفكَّر في كلمة أولاً في هذه الكلمات: "ٱطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ ٱللهِ وَبِرَّهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ."! فكّر كيف تعطي الأولوية للشركة مع المسيح أكثر حتى من الأكل والشرب، وكيف تُعطي وقت العبادة في يوم الرب الأولوية عندما يتعارض مع عملك، وكيف تهتم بشخص آخر لتشجيعه في مسيرة الإيمان، وكيف تصل برسالة الخلاص لآخر ابتعد عن كنيسة الرب. وبعد أن تفكِّر فيها، اذهب اطلب من الآب قوة لكي تعمل كمن يطلب أَوَّلًا مَلَكُوتَ ٱللهِ وَبِرَّهُ!