صلب الرب الإله

ماذا نتذكر اليوم؟ هل نتذكر موت مُعلِّم أخلاقي عظيم؟ هل نتذكر موت نبي عظيم؟ لا. إذ زَعَم يسوع معادلته لله وبنويته له.

وإذ زعم يسوع أنه الله في الجسد، فلا يمكننا ببساطة القول أنه مجرد مًعلِّم أخلاقي عظيم أو مجرد نبي. وإن لم يكن يسوع هو الله، لكن مدعِّى الإلوهية، فنحن إذاً نتذكر موت مخادع حاذق.

إن لم يكن يسوع هو الله، لكنه ادّعى أنه الله، فنحن إذاً نتذكر موت رجل لا يفرق شيئًا عن رجلاً [مُختلاً] قد ظن نفسه بيضة مسلوقة، كما يقول سي إس لويس (C. S. Lewis).

أمَّا إن كان يسوع ادعى أنه الله، وإن كان الأمر حق – كما نؤمن فعلًا – فنحن نتذكّر اليوم أهم أحداث التاريخ وأعمقهم مغزىً: صلب الله.

٣٣ وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ» صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ وَاحِداً عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ.

أُخِذَ يسوع لمكان يُدعى جمجمة. نشير نحن للمكان باسم "جلجثة" ووقعها أرق من "الجمجمة"، لكن هذا بالضبط ما تعنيه "جلجثة". أُخِذَ ابن الله لمكان يُدعى الجمجمة وصُلب بين مجرمَين.

الموت بالصلب كان عذابًا بطيئًا سببه الاختناق. يصف أحد خبراء الطب المتخصصين في الصلب التأثيرات الجسدية التي لابد وأن يسوع تحمَّلها فيما سُمِّر على صليب:

"فيما تكِلُّ الأذرع، تتعرض العضلات لأمواج متراكبة من التقلص ... مع تلك التقلصات يعجز جسد يسوع عن دفع نفسه لأعلى. ولأن جسده مُعلَّق من الأذرع، يعتري عضلات الصدر الشلل ... بإمكان يسوع المصلوب جذب الهواء إلى الرئتين لكن لا يمكنه إخراجه بالزفير. يجاهد يسوع ليرفع نفسه حتى يتمكن من الحصول حتى على نَفَس واحد قصير. بمرور الوقت يتراكم ثاني أكسيد الكربون في الرئتين وفي الدم وتتناقص التقلصات جزئيًا. وبألم شديد يتمكن من دفع نفسه للأعلى حتى يُخرِج زفيرًا ويُدخِل الأكسجين المانح للحياة." (صلب يسوع: آلام المسيح من منظور طبي، المجلد 22، رقم 3 [مارس 1965]، 183-187).

تستمر العملية لساعات حتى تنفذ كل قوة الساقين، ولا تبقى ليسوع أي قدرة على رفع نفسه لأعلى من أجل التنفس. 

وإضافة إلى الألم الجسدي للصلب، هناك أيضًا وصمة العار والمهانة المرتبطتان به. يتعرّض المحكوم عليهم للضرب والجلد والاستهزاء حتى قبل الوصول للصليب. وعادة ما كان المدانون يُعلَّقون عرايا ليكونوا عبرة ومنظرًا لجميع المارة.

وما كانت ردة فعل ربنا لتلك المعاملة؟ فعندئذ كان قد ضُرب وجُلد وبُصق عليه وسُخر منه وعُرِّي وهو الآن مُسمَّر على صليب بين مجرمَين، وماذا كانت أولى كلماته المسجلة على الصليب؟

"يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (ع 34)

وكما قال سي إتش سبرجن (C.H. Spurgeon): "لا الضعف السابق (أي الضرب)، ولا الألم الحاضر منعا (يسوع) من مواصلة الصلاة. بقي حمل الله صامتًا أمام الناس لكنه لم يكن صامتًا أمام الرب. ما فتح فمه مثل شاة أمام جازِّيها، وما نطق كلمة دفاع عن نفسه أمام إنسان، لكن قلبه واصل الصراخ أمام الآب، وما استطاع ألم أو ضعف إسكات تضرعاته المقدسة. أحبائي، ما أعظمها قدوةً تلك التي يقدمها ربنا لنا في هكذا موقف! لنواصل الصلاة طالما خفقت قلوبنا، ليت طوفان المعاناة يقودنا للاقتراب من عرش النعمة لا بعيدًا منه."

الأجدر بالملاحظة هو حقيقة أن صلاة الرب يسوع لأبيه، كانت لا لأجل نفسه، بل لأجل منفذي حُكم موته: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ."

لا تتوقع العبارة: "لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" أنهم بالفعل لا يدرون خطأهم، بل تفترض عدم وعيهم بجسامة جرمهم. فقد عميت عيونهم عن حقيقة صلبهم الله الابن.

يسوع – بعلمه هذه الحقيقة – يصلي أن يغفر الآب السماوي لهم. لا تنسَ الحقيقة المثبتة أنه حين يصلي الله الابن يستجيب الله الآب. كيف ومتى اُستجيبت صلاة يسوع؟

لم تُستجاب لحظيًا بدليل استمرار صالبيه بجرمهم. وفورًا بعد صلاة يسوع لأجل غفرانهم نقرأ وَإِذِ (الجنود) اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ (أي ثياب يسوع) اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا" (عدد 34).

الآية التالية تصف زاوية أخرى من الموقف ٣٥ وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ وَالرُّؤَسَاءُ أَيْضاً مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: «خَلَّصَ آخَرِينَ فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ اللهِ». ٣٦ وَالْجُنْدُ أَيْضاً اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلاًّ ٣٧ قَائِلِينَ: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ مَلِكَ الْيَهُودِ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ». ٣٨ وَكَانَ عُنْوَانٌ مَكْتُوبٌ فَوْقَهُ بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ: «هَذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ».

ويضيف إنجيل متى كيف "الْمُجْتَازُونَ" (متى 27: 39) سخروا أيضًا منه. كما يكتب متى أنه في بعض اللحظات اشترك المجرمان في تعيير يسوع (متى 27: 44).

لكن عندها نرى أمرًا آخذًا في الحدوث، ونستطيع رؤية صلاة يسوع " يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ" تُستجاب. يسجل لوقا أن: "وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!» فَانْتَهَرَهُ الآخَرُ قَائِلاً: «أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ». ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: «اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ». (لوقا 23: 39 - 42)

لقد تحوّلت سخرية أحد المجرمَين إلى توسل: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ!" ويرد يسوع: "٤٣ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ»."

وليكن هذا درسًا عن "كيف يُمنَح الخلاص".

كان هذا الرجل مجرمًا ولم يأتِ فعلًا واحدًا يستحق بسببه الخلاص، بل إمعانًا في سوء وضعه، اشترك في السخرية من يسوع أول ما عُلقا على الصليب. كان هذا الرجل على وشك الموت أيضًا وانتفت جميع فرصه في القيام بعمل صالح واحد. ضاعت فرصته في المعمودية أو في لقاء مؤمنين آخرين. لكن لم يحصل خاطئ غيره على تأكيد واضح للخلاص مثلما حصل عليه هو "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ." 

لم يستحق اللص على الصليب خلاصه ولم يدفع ثمن الحصول عليه، لكن وُهِبَ له. صلّى يسوع إن كان ممكنًا أن يغفر أبوه لمعيِّريه وضاربيه وصالبيه. وأول ثمار استجابة هذه الصلاة نراها مع اللص على الصليب، الذي أفضى تعييره إلى "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ!"

يواصل لوقا تسجيل الأحداث ..

"٤٤ وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. ٤٥ وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسَطِهِ. ٤٦ وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا أَبَتَاهُ فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي». وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ. ٤٧ فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ مَجَّدَ اللهَ قَائِلاً: «بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هَذَا الإِنْسَانُ بَارّاً!»

يليق بيسوع أن تكون رحلته الأخيرة نحو الموت بنفس الإصرار الذي ظهرت عليه رحلة خدمته. تذكّر أن يسوع ليس ضحية عاجزة هنا. إذ قال عند القبض عليه أن له "اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ" المؤتمِرين بأمرهِ مُتاحين ليخلِّصونه. لكن تخليص نفسه لم يكن ضمن الخطة الأزلية. كانت المهمة مهمة ألم ومعاناة.

الحقيقة أن يسوع سمح بإلقاء القبض عليه وصلبه على يد أناس خطاة. وكما تنبأ إشعياء عن المسيح مئات السنين قبل ذلك "أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ" (إشعياء 53 :12). إن كان يسوع قد تعرض لهجوم من عصابة أشرار وقُتل على أيديهم ما استطعنا القول بالحق أنه مات لأجلنا. أمّا أنَّ يسوع سلَّم نفسه طوعًا للموت بكونه الوحيد البريء من الخطية، فنحن نؤمن أن موته كفَّر عن خطايانا دافعًا أجرتها.
نؤمن أن كل مَن يؤمن بموته الباذل، كل مَن يصرخ "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ!" سيكون يومًا في الفردوس الأبدي مع ربِّنا.

قَبِل اللص على الصليب وعد الفردوس الأبدي في ذلك اليوم عينه. وكانت هذه أول استجابات صلاة يسوع " يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ". الاستجابة الثانية لتلك الصلاة نراها في تحول قائد المئة.
قائد المئة ذلك – كما يتفق معظم المفسرين – كان مسئولًا على الإشراف على عملية الصلب كلها. وتقتضي مهمته على الإشراف على كامل عملية الصلب. وكان حاضرًا محاكمة يسوع أمام بيلاطس وكان شاهدًا على الضرب والتعيير اللذين تعرض لهما يسوع في طريقه للصليب وكان على أغلب الظن سامعًا لصلاة يسوع: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ". ولكن لما انتهى كل شيء، يتضح أن قائد المئة أصبح أيضًا جزءًا من استجابة الصلاة، إذ يكتب لوقا: "فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ مَجَّدَ اللهَ قَائِلاً: «بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هَذَا الإِنْسَانُ بَارّاً!»". كما يسجل متى تعجب قائد المئة بقوله: "حَقّاً كَانَ هَذَا ابْنَ اللَّهِ!" (متى 27: 54).

الأول كان اللص المصلوب والثاني قائد المئة وفي الأسابيع التي تلت الصلب، نرى صلاة يسوع: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ" تُستجاب في تحول الآلاف من يوم الخمسين فصاعدًا.

وليس مستغربًا تأكيد بولس على (عقيدة) موت المسيح في كتاباته، لأن موت المسيح هو ما ينقذنا. وأنا هنا أحث القارئ ألا يستعجل مجيء عيد القيامة

لأن العيد يستقي معناه من الجمعة العظيمة.

كيف، إذًا، ينبغي أن تكون ردة فعلنا؟ هل نواصل "حياتنا المعتادة" أم هل يطالبنا موت المسيح بتغيير أسلوب حياتنا؟ منطقي أنه إذا كان المسيح قد مات لأجلك، فينبغي عليك الحياة لأجله.

لا أرى تعبيرًا أوقع مما تقدمه كلمات هذه ترنيمة "O Sacred Head Now Wounded" (إكليله مضفور بالشوك من أجلي) في جزئها الأخير:

لا كلمات توفي شكري أيا أعظم صديق

أمام ألمك وعنائك السحيق

املكنَّ قلبي للأبد حتى نهاية أيامي يا حبيب

ولا تتركني أحيا أبدًا دون حبك السكيب