فَرحُ القداسة

عادت عقيدة التقديس إلى صدارة الحديث في الدوائر المسيحية التي تؤمن بالكتاب المقدس، فنحن نعيش – في ربوعنا اللاهوتية – في زمن تجديد بهيج من التشديد على الإنجيل والتركيز على النعمة ومركزية المسيح التي تستبدل التوجهات العملية السطحية والأخلاقيات العديمة الحياة التي أفسدت صحة المؤمنين والكنائس.

إلا أن هذا التركيز الجديد جلب معه تحدياته الخاصة:-

ماذا نفعل بالتقديس (النمو في النعمة والنضوج والطاعة في الحياة المسيحية)؟ كيف نعظ عن الناموس (فقط من حيث كونه يُبكّت على الخطية ويقودنا للمسيح، وليس كقانون للحياة)؟ كيف نفهم الوصايا الكُبرى في العهد الجديد–ما يجب وما ينبغي وما يلزم؟ إن قلنا أن المسيحية تُعلن أن المسيح - وليس نحن - قد أكمل العمل (وهي في حد ذاتها حقيقة رائعة بخصوص فدائنا وتبريرنا) فكيف نشرح علاقتها بالوصايا الخاصة بتقديسنا؟

** هناك فصلان كتابينا مفيدان جدًا في كيفية شرح وتطبيق التعليم الكتابي الغزير عن التقديس:-

- الأول هو البركة الرسولية التي يكتبها بولس في ١ تسالونيكي ٢٣:٥، ٢٤ ”وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا“.

إن غرض بولس هنا هو تشجيعنا في الحياة المسيحية، ففي هذه البركة الموجزة يصيغ بولس ثلاث حقائق عُظمى:

١. تقديسك ونموك في التقوى هو عمل الله فيك. لاحظ كيف يقول ”وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ...“ بدلاً من أن يقول "ليعينكم الله في سعيكم للقداسة" أو "ليساعدكم الله في أن تقدسوا أنفسكم". كلا بل إن إلهكم هو الذي يعمل فيكم من أجل تقدّمكم في القداسة، وكما أن إلهكم المُنعِم أكثر رغبة في أن يغفر لكم من رغبتكم أنتم في ذلك فهو أيضًا أكثر اهتمامًا بقداستكم منكم. كيف ينبغي أن نتجاوب عندما نعرف هذا؟ بأن نتشجع من جهة تقديسنا التدريجي وبأن نلتزم به بحسب هذا المنطق: إن كان الله ملتزمًا بهذا الأمر هكذا في حياتي فينبغي إذًا أن ألتزم به أنا أيضًا فيها.

٢. الإله الذي يعمل فيك هو إله كل خير وبركة. لاحِظ أن بولس يدعو الله هنا ”وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ...“ ليجذب انتباهنا لحقيقة هامة وهي أن إلهنا هو إله السلام (شالوم) أي إله كل الخير والبركة الشاملة. وهذا أمر شديد الأهمية لأن أقدم أكاذيب الشيطان هي زَعْمه لحواء ولآدم أن الاستمتاع بالبركة والشبع والاكتفاء يوجد فقط في عصيان الله، أي أنه أنكر أن الله هو إله كل بركة وأن الاستمتاع بالبركة هو فيه وحده. ادّعى الشيطان أن الحرية والبركة لا توجد سوى في التمرد، إلا أن آدم وحواء سرعان ما اكتشفا الحقيقة المُرّة، أن الخطية لم تجلب الحرية والبركة بل – على العكس – جلبت العبودية واللعنة. إن المكان الوحيد الذي يمكن فيه الاستمتاع بالحرية والبركة هو في دائرة طاعة الله الذي هو البركة والسلام في ذاته، وهذا تحديدًا هو الهدف من التقديس التدريجي: أن يزداد استمتاعنا في الحاضر بالسلام والبركة الإلهيين، فالتقديس هو من أجل فرحك! وكلُّ خيرِك وسعادتُك وشِبَعُك ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتقديس، ولذلك فإنَّ إلهَ كل الخير مُلتزمٌ التزامًا لا يَكِلُّ ولا رَجْعةَ فيهِ بتقديسك لأنه يريد كل خيرك وسعادتك وشِبَعك.

٣. إن قصد الله هو تكميلك بالتمام في النهاية وأن يبدأ هذا العمل الآن. يقولها بولس هكذا: ”... وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً (أي بأكملها) بِلاَ لَوْمٍ...“. إنه يصلي من أجل تقديس المؤمنين تقديسًا شاملاً بداية من الآن، ويتوق أن يُكمَل المؤمنون كمالاً نهائيًا تامًا (ليس في هذه الحياة طبعًا، إذ يقول ”... عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ...“)، لكنه يتطلّع إلى أن يبدأ هذا العمل في هذه الحياة وإلى الاستمتاع في هذه الحياة بعربون ذاك الواقع الأبدي. قال جون نيوتن ما معناه

”أننا لسنا ما ينبغي أو ما يُمكِن أو ما نرجو أن نكونه، ولسنا ما سنكونه يومًا ما، إلا أننا بنعمة الله لسنا ما كُنا وأصبحنا ما أصبحنا (١)“.

- وفي فصل عظيم آخَر يُؤكد بولس على سلطان الله وعلى مسؤوليتنا في عملية التقديس، فيقول في فيلبي ٢: ١٢، ١٣ ”إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ“. 

هذا الفصل من أهم الفصول في كل الكتاب عن التقديس. يُسلّط بولس الضوء أولاً على مسؤوليتنا بالقول ”...، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ،...“، فما الذي يعنيه بولس؟ هل يعني أننا ينبغي أن نُخلِّص أنفسنا بصورة ما بأعمالنا أو بمجهوداتنا أو بصلاحنا؟ كلا البتة! انظر إلى السياق: ما الذي يدور حوله؟ إنه يدور حول اتباعنا مثال المسيح، ليس لكي نتوب أو نتبرر، بل لكي نزداد شبهًا به! إن منطق بولس هنا هو أن علينا أن نسعى للتقوى لأن الله يعمل فينا للتقوى، وقصده أن يقدّم لك تشجيعًا إلهيًا أنك تستطيع أن تطرد الخطية من حياتك، وستُحقق نجاحًا في ذلك، وهو لا يعني بهذا التعليم أنه بما أن الله قد قبلك فالتغيير غير ضروري، لكن لأن الله قد قبلك فالتغيير الآن ممكن.

انتبه إلى الترتيب في منطق بولس: (١) استمروا في الطاعة، ”... كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ،...“. لاحِظ أنه يقرر هنا أن الطاعة جزء ضروري وطبيعي وأساسي في الحياة المسيحية. (٢) لِيَظْهَر خلاصكم في الكيفية التي تسلكون بها، ”...، تَمِّمُوا (أي نفّذوا) خَلاَصَكُمْ...“ وبغض النظر عن الأشياء الأخرى التي يقصدها بولس هنا، فمن الواضح أنه يتوقع منا أن نكون إيجابيين، لا سلبيين فقط، في الإثمار العملي في الحية المسيحية. (٣) لأن الله يعمل فيكم، ”...، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ“. يؤكد بولس هنا على سلطان الله في تقديسنا! وما يقصده هو تشجيعنا تحديدًا بسبب أن الله يعمل فينا، وبحسب بولس فإن عمل الله فينا لا يقودنا إلى الكسل أو البَطَالة بل إلى الاجتهاد.

وإن كان لي أن أنقل بتصرف عن جون بايبر فما قصده بولس هو أن سلطان الله في خلاصنا وتقديسنا ليس رُخصةً للسلبية بل سببًا للرجاء – فسلطان الله يجعلنا نرجو أن التغيير ممكن، ولا يجعلنا سلبيين وكأن التغيير غير ضروري.

لذلك فإن التقديس أخبار سارة: هناك رجاء في تقديسنا، وحيث يوجد الرجاء يوجد الفرح.


(١) يبدو أن الكاتب ينسج على منوال ما قاله بولس "ولكن بنعمة الله أنا ما أنا (أي أصبحتُ ما أصبحتُ عليه)" [المترجم].

الأقسام: