لماذا الصليب؟

ما الذي يجعل جماعة ما تحتفل بأداة قتل عنيفة؟

مشهد مليء بالعنف والدماء والسخرية والقسوة والخيانة وغيرها من أمور تقشعرّ لها الأبدان، ومع ذلك نجد نفس هذا المشهد موضع اهتمام بل فخر للمسيحيين! هنا يجب أن نسأل: لماذا هذا التركيز على الصليب؟ لماذا كان محور اهتمام المسيح وهدفه المنشود؟ لماذا ركَّز عليه الرسل وأصرّوا على الكرازة به بالرغم من الصعوبات التي يسبِّبها لهم، والسخرية التي يُلاقونها نتيجة مناداتهم به؟ لماذا ظلّ الصليب شعارَ المسيحيين على مر العصور؟ لماذا يتّخذونه رمزًا لهم طالما حَيوا في عبادتهم، في مبانيهم، وحتى في قبورهم؟ ولماذا وهو علامة ألم وموت؟ هل يستمتع المسيحيون بالألم؟ هل يفرحون برثاء الذات؟ كيف يمكن أن تكون هذه العلامة موضع فخر لهم؟

يُجيب العهد الجديد على هذه الأسئلة بتوضيح ما أنجزه الصليب، ليجعله مصدرَ فخر ورجاء وفرح وامتنان. فخطة الله لخلاص البشر واسترداد الخليقة تبلغ ذروتها في الصليب. عبَّر الكتابُ المقدس عن كفارة المسيح في صور كثيرة ليوضِّح حجم الإنجاز الذي تمَّ في الصليب. في رسالة رومية، وبعد أن برهن بولس ذنب الجنس البشري كله وخطيته، أوضح أن طريقة الله العادلة لتبرير الخطاة هي صليب يسوع المسيح (رومية 3: 21–26) وهو التبرير الذي شهِد له الناموس والأنبياء. بسبب هذا الصليب قد صولحنا مع الله بعدَما كُنّا أعداءً (رومية 5: 10).

ولم يكن الصليب فقط مزيلًا للعداوة التي بيننا وبين الله بل أيضًا لتلك التي بيننا وبين الآخرين ولعلّ أبرز عداوة كانت تلك التي بين اليهود والأمم. وهنا نرى الصليبَ يحطِّم الحاجز الموجود ويحطِّم العداوة ويُصالح الاثنين (أف 2: 16). أيضًا في الصليب قد حرَّرنا الله وفدانا من عبودية الخطية (مر 10: 45؛ 1بط 1: 18–19) ومن عبودية الخوف من الموت (عب 2: 14–15). في الصليب أُزِيلَت النجاسة التي تسبِّبها الخطية فصار لنا ثقة بالدخول إلى الأقداس (1يوحنا 1: 7–9 و عب 10: 19). في الصليب ضمن المسيح العهد الجديد الذي فيه يعطينا قلبًا جديدًا فنصير خليقة جديدة، فدمه المسفوك عنّا هو دم العهد الجديد (متى 26: 28 وإر 31: 31-33). في الصليب هزم الله ألدَّ أعدائنا، أي الشيطان، حيث محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًّا لنا مُسمِّرًا إياه في الصليب فجرَّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه (كو 2: 14–15). فما كان يشتكي به إبليس علينا لم يعُد موجودًا؛ لذلك طُرِح المشتكي الذي غُلِب بدم الخروف (رؤ 12: 10–11). المسيح أباد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس (عب 2: 14).

إنّ إنجاز الصليب يشفي ويصالح كل الخليقة، فالخطية لم تؤثر فقط على الإنسان ولكن على الخليقة كلها (تك 3: 17 ورومية 8: 20). وهدف الله هو استرداد كل الخليقة (رومية 8: 21) ليُحضِرها بشكل كامل مستردّ في المسيح (أف 1: 9–10) ومع أن هذه الحقيقة لم تكتمل بعد، إلّا أن بولس يربط بين الصليب وبين هذا الهدف النهائي في (كو 1: 20): "وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ."

بالإضافة لكل هذا، كان الصليب ذروة إعلان الله عن نفسه. فمع أن الله تكلّم قديمًا بأنواعٍ وطرقٍ كثيرةٍ (عب 1: 1) إلا أن أروع وأوضح إعلان لله عن نفسه كان في شخص يسوع المسيح. فالابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر (يو 1: 18). وكانت ذروة هذا الإعلان في صليب الجلجثة.

إن أروع ما يُبيّن محبة الله هو الصليب، كما قال البشير يوحنا "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يوحنا 3: 16). والرسول بولس يؤكِّد نفس الفكرة بأكثر وضوح في (رومية 5: 8)، فالله بيّن محبته لنا، إذ ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. ومن ناحية أخرى لم يكن الصليب مجرد إعلان عن محبة الله ولكنّه أيضًا إعلان عن عدالة الله وبرِّه (رومية 3: 25–26). فالله بارٌّ للدرجة التي جعلته يرسل شخص ابن الله المتأنِّس يسوع المسيح ليكون كفارة لخطايانا. فالصليب هو منتهى إعلان الله عن محبته وعن عدالته بل وعن حكمته التي جعلتنا نرى الاثنين معًا (1كو 2: 6–7).