ما هو الدَليل الكتابي على "الخطيَّة الأصليَّة"؟

هُناك العديد من الأدلَّة الكتابيّة على العقيدة المسيحيّة التاريخيّة القائلة بأننا جميعًا نوُلد إلي العالم بــ"طبيعة خاطئة" بسبب خطيَّة آدم. 

*يُعلن الكتاب المُقدَّس أننا مولودين خطاةً وكذا أننا بالطبيعة خطاةٌ!

يُصرِّح (مزمور5:51) بأننا جميعًا نأتي إلى العالم خطاةً: "هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي". وأيضًا تُقرِّر رسالة (أفسس 2:2) أن كلّ الناس الذين ليسوا في المسيح هم "أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ". من ثم تُبرهِن (أفسس 3:2) على نفس الأمر، بالإقرار إننا جميعًا "بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ". إذّا كنّا جميعًا "بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ"، فلا يمكن أن يكون ذلك إلاّ لأننّا جميعًا بالطبيعة خطاة- لأن الله لا يُعلن غضبه على غير المذنبين. مع العلم أن الله لم يخلق الجنس البشري خاطئًا بل مُستقيمًا. لكننا سقطنا في الخطيّة وأصبحنا خطاة بسبب خطيّة آدم.

*يتحدَّث الكتاب المُقدَّس عن البشر، كونهم آثمون مُنْذ الطفولة!

هُناك أيضًا آيات كتابيّة تُعلن إننا جميعًا غير أبرار مُنذ وقت ميلادنا. فيقول (أمثال 15:22) إن "اَلْجَهَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَلْبِ الْوَلَدِ". وكذا يُعلن (تكوين 21:8) "أَنَّ تَصَوُّرَ [نيّة] قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ". يُعلّق "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards) على هذا النص في كتابه الكلاسيكي: "The Great Christian Doctrine of Original Sin" (العقيدة المسيحيّة الكبرى للخطيّة الأصليّة)، ويقول:

"الكلمة المُترجَمة حَدَاثَة [شباب] تعني الجزء الماضي من عُمر الإنسان، والذي يبدأ من بداية الحياة. الكلمة في أصلها، تشير إلى الولادة أو بداية الوجود ... لذلك الكلمة المُترجَمة هُنا حَدَاثَة، لا تتضمّن فقط ما نسميه في لغتنا بـ فترة الشباب، لكن أيضًا فترة الرضاعة والطفولة".

*عادةً ما تُوصَف "البشريّة" عامةً، بأنها أثيمة غير صالحة!

يتحدَّث الكتاب المُقدَّس كثيرًا عن الإثم كأمر يَسِم الجنس البشريّ بأكمله. وهذا يعني أن الإثم صفة خاصة بجنسنا البشري. بكلمات أخرى، يُعتبر الإثم من طبائع البشريّة بعد السقوط. وبما أن الخطيّة تتعلق بالطبيعة البشريّة، إذًا يجب أن نستنتج أننا جميعًا وُلِدنا خطاة، لأننا جميعًا وُلِدنا بشرًا.

وفي هذا السياق، تأمَّل أفسس 1:2-3 : 

"وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلًا بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا".

في هذا المقطع يُذكِّر بولس المؤمنين، بما كانوا عليه قبل تغيرهم للمسيح ("كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِذّنُوبِكم ... الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا"). وهكذا، فإن كلّ الناس، حتّى يتغيروا (بقبول المسيح)، هم خُطاة. ثم يواصل بولس حديثه ليُوضِّح بشكل قاطع أن جميع المؤمنين نشأوا من هذه الحالة (".... الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلًا بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا") وأن جميع غير المؤمنين لا يزالوا في هذه الحالة ("... وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا"). بالتالي، يرى الكتاب المُقدَّس أن جميع الناس قبل أن يُخلِّصهم المسيح خطاة. ومن ثم يستحقون عقاب الله. وهذا يعني أننا منذ نشأة وجودنا خطاة.

نقرأ في (مزمور 2:14-3) "اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ". مرة أخرى نرى هُنا "الإثم" كصفة للجنس البشري: "الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا ... لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا".

وبالمِثل يُعلن (أيوب 14:15) أن الخطيّة هي صفة للبشريّة: "مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى يَزْكُو، أَوْ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَتَبَرَّرَ؟" من ثم تتحدَّث الأعداد 15 و16 عن الجنس البشري ككلّ بتعابير مُرَوعَة، تُعبِّر عن فسادنا العام: "هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ، فَبِالْحَرِيِّ مَكْرُوهٌ وَفَاسِدٌ الإِنْسَانُ الشَّارِبُ الإِثْمَ كَالْمَاءِ!".

يقول (إرميا 9:17) "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟" هذا العدد يفترض حقيقة الخطيّة الأصليّة، أي أن الشرّ هو فِطرَة قلب الإنسان. كذا يُعلِن سفر (الجامعة 3:9) حقيقة مُشابهة ".... قَلْبُ بَنِي الْبَشَرِ مَلآنُ مِنَ الشَّرِّ، وَالْحَمَاقَةُ فِي قَلْبِهِمْ وَهُمْ أَحْيَاءٌ." مرة أخرى، قلب الإنسان خاطئ، وبالتالي فإن كلّ البشر خطاة.

إذًا، تدلِّل هذه الآيات على أن الطبيعة البشريّة فاسدة. لذلك، حتّى الأطفال الرُضَّع فاسدون لأنهم بشر. وإذّا كان الأطفال فاسدين، فهذا هو نفس القول بأننا وُلِدنا فاسدين، أي أننا وُلِدنا بالخطيّة الأصليّة.

ومع ذلك قد يعترض قائل: "أن هذه الآيات لا تمت بصلة للأطفال، لكن فقط تصف مَن هم ناضجون بما يكفي لاتخاذ قرارات أخلاقية. كلّ هؤلاء خطاة، لكن هذا لا يشمل الأطفال".

*هذا اعتراض بارع، لكنه لن يصمد لعدة أسباب:

أولاً، لا تقتصر الآيات على الأشخاص في مرحلة عمريّة معينة تسمح لهم باتخاذ قرارات مبنية على الإدراك. بل يظهر أن هذه الآيات تتحدَّث عن الطبيعة البشريّة ككلّ، وهو تصنيف يقع تحته لا الكبار فقط، لكن بكل تأكيد الأطفال أيضًا.

ثانيًا، كما أشار (جوناثان إدواردز): "... هذا لن يُغيِّر القضيّة ... لأنه إذا كان كلّ البشر، بمجرد أن يبلغوا إلى قدرة الإدراك ومعرفة حالتهم الأخلاقية الخاصة، يجدون أنفسهم أشرارًا، فهذا يُثبِت أنهُم أشرار بطبيعتهم". أي بعبارة أخرى، حتّى لو كانت هذه الآيات تتحدَّث فقط عن أشخاص كبار بما يكفي لإدراك الخطيّة عقليًا، فإنها تبقى تُعلِّمنا أيضًا عن الخطيّة الأصليّة. من هذا المنطلق، تُعلِن هذه الآيات أن كلّ الناس، بمجرد أن يعرفوا الخير من الشر، يجدون أنفسهم خطاة. وهكذا إذا وجد كلّ الناس أنفسهم خطاة، بمجرد كونهم قادرين على اتخاذ القرارات الأخلاقية، فهذا يثبت أنهم خطاة بطبيعتهم.

ثالثًا، يقول "إدواردز" أيضًا: "لماذا يجب أن يوصَف الإنسان باستمرار [بحسب الكتاب المقدس] باعتباره أثيمًا، وجسدانيًا، ومُنحرفًا، ومخادعًا، وشريرًا بشدة، إذا كان كلّ البشر بطبيعتهم أبرياء تمامًا وبدون أي ميل إلى الشر، كما كان آدم في أول وقت من خلقهِ؟" (العقيدة المسيحيّة الكبرى للخطيّة الأصليّة، ص 188).

*الأطفال الرُضَّع يَموتون، لذلك هم ليسوا أبرياء!

الموت -الجسدي والروحي كلاهما- هو نتيجة الخطيّة (رومية 12:5؛ 23:6). وهكذا، يأتي الموت فقط على الذين أخطأوا. وبما أنَّ الأطفال يموتون، إذًا يجب أن يكونوا خطاة.
بالرغم من ذلك، يُمكن الاعتراض على أن المسيح كان بلا خطيّة ومع ذلك مات. لكنه تخلى عن حياته طوعًا، وقد فعل ذلك ليَغلِب لعنة الموت التي كنّا تحتها. في الواقع، لقد حَسَبَ الله خطايانا على المسيح في الصليب، ومات المسيح تحت العقاب الإلهي بسبب تلك الخطايا. 

*إذا لم يكن كل البشر مولودين تحت الخطيّة، أفلا يجب أن نتوقع وجود بعض الأشخاص الذين "خرجوا عن المألوف" ولم يخطئوا أبدًا؟!

إذّا كنا قد وُلِدنا أبرياء وصالحين، فلماذا لا يوجد على الأقل بعض الأشخاص، الذين أبقوا على هذه الحالة وظلوا بلا خطيّة؟ إنّ حقيقة وقوع الجميع في الخطية تحتاج إلى تفسير. وأفضل تفسير لها هو أننا بالطبيعة خطاة.

قد يجادل البعض قائلًا: "إنّ كلّ الناس تُخطئ، لأنّ المجتمع خاطئ، وبالتالي فإن المجتمع يجعل من الاستحالة بإمكان أي شخص أن يظل طاهرًا بالكامل". لكن هذا يردّنا خطوة إلى الوراء، بمعنى: كيف أصبح المجتمع بأكمله خاطئًا في المقام الأول؟ فإذا كان البشر يولدون صالحين أخلاقيًا، فكيف حدث أنهم اجتمعوا في مجتمعات تدفع الجميع ليخطئوا؟ 

للمزيد من المراجع، يمكنك الرجوع إلى: 

**واين جرودم. بماذا يفكِّر الانجليون في أساسيات الإيمان المسيحي، رؤية معاصرة في ضوء كلمة الله. الفصل 24 عن "الخطية".

Jonathan Edwards, The Great Christian Doctrine of Original Sin Defended in The Works of Jonathan Edwards Volume I, pp. 143–233**


تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع هيئة "الاشتياق إلى الله" desiring God، وضمن سلسلة من المقالات القيّمة التي تقوم خدمة "الصورة" بنشرها باللغة العربية تباعًا في إطار الشراكة مع الهيئة.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من خلال الرابط: What Is the Biblical Evidence for Original Sin?