نَراه مُكَلّلًا بالمجدِ!

«لا يوجد إصحاح في الكتاب المقدّس يُعلِّم عن التأنس بطريقة أكثر وضوحًا من عبرانيين ٢.» هكذا يصف روبرت بيترسون.[1]

يُقدم هذا الإصحاح ثلاث صور رئيسية عن عمل المسيح الخلاصي في موته وقيامته، كل واحدة منها مرتبطة ومؤسَسَة على حقيقة التأنس/التجسّد.

1. كان التجسّد ضروريًا لنرى آدم الثاني مُكللًا بالمجدِ والكرامةِ (ع. ٦-٩).

2. كان التجسّد ضروريًا لنرى الابن مُنتصرًا على إبليس (ع. ١٤-١٥).

3. تجسّد الابن ليكون ذبيحةً، ورئيس كهنةٍ (ع. ١٦-١٧).

 

كان التجسّد ضروريًا لنرى آدم الثاني مُكلَّلًا بالمجدِ والكرامةِ (ع. ٦-٩):

عبرانيين ٢: ٩: «وَلَكِنَّ ٱلَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ ٱلْمَلَائِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِٱلْمَجْدِ وَٱلْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ ٱلْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ ٱللهِ ٱلْمَوْتَ لِأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ.»

نقرأ في عبرانيين ٢: ٦-٨ اقتباسًا من مزمور ٨: ٤-٦ الذي نجد فيه احتفالًا ببركات الله الخالق لآدم وحواء، في سياق حمد وتسبيح لله على هذه البركات. يُحدد المزمور (واقتباس العبرانيين) بركتين من البركات الإلهية لآدم وحواء في الخلق: الأولى، هي تكليل الإنسان بالمجد والكرامة، والثانية، هي مَنْحِهِ سُلطانًا على مملكة الحيوانات وكل ما في الأرض.

بالرغم من أن هذا المزمور قد كُتب للإشارة إلى حدث الخليقة في الأساس، إلا أننا نرى كاتب العبرانيين يُطبِّق هذه الكلمات على المسيح يسوع نفسه. فهو قد: «وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ ٱلْمَلَائِكَةِ،...» في التجسّدِ لفترةٍ مُحدَّدةٍ، أي في زمن اتضاعه. لكنه الآن: «نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِٱلْمَجْدِ وَٱلْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ ٱلْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ ٱللهِ ٱلْمَوْتَ لِأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ.» (عب ٢: ٩). بطريقةٍ أُخرى، نجد هنا يسوع مُصَّورًا كآدم الثاني والأخير (مثلما نقرأ في ١ كورنثوس ١٥: ٤٥). فالمسيح وحده هو آدم الثاني، مُمَثِلُ البَشَريّةِ، والذي عاش بالطريقة التي قصدها الله: في شركة مع اللهِ، وبلا خطية؛ ووحده أيضًا هو آدم الأخير، إذ لا يوجد بعده (ولا قبله) مَنْ يستطيع أن يحقق الفداء بموته وقيامته: «يَذُوقَ بِنِعْمَةِ ٱللهِ ٱلْمَوْتَ لِأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ.» ولكن، كيف صار مُمكنًا لابن اللهِ الأزلي أن يكون آدم الثاني والأخير، وأن يذوق بنعمة اللهِ الموتَ؟ كل هذا صار مُمكنًا فقط بسبب التجسُّد.

يظهر مجد الابن المتأنسِ عند مقارنته بآدم المخلوق الأول، فإن كان آدم الأول (مع حواء) قد أعُطيا مجدًا وكرامةً كنعمةٍ بالخلق، فالابن المتأنس قد أخذ المجدَ والكرامةَ عن جدارةٍ واستحقاقٍ. وإن كُنَّا نُعطي كرامةً لمن يَهَبُ حياته لخدمة الآخرين هنا على الأرض، فكم بالحري نهب المجد والكرامة لمن ذاق الموت لأجلنا! وإن كان الله سيُكلِّلُ بإكليل البَّر مَنْ ساروا في المسيح مسيرة الإيمان، فكم بالحري يَنبغي أن يُتوجَ المسيح الوسيط بتيجان المجد والكرامة الإلهية إلى أبد الآبدين!

 

كان التجسُّد ضروريًا لنرى الابن مُنتصرًا على إبليس (ع. ١٤-١٥):

عبرانيين ٢: ١٤: «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ ٱلْأَوْلَادُ فِي ٱللَّحْمِ وَٱلدَّمِ ٱشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِٱلْمَوْتِ ذَاكَ ٱلَّذِي لَهُ سُلْطَانُ ٱلْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، ١٥ وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ ٱلَّذِينَ- خَوْفًا مِنَ ٱلْمَوْتِ- كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ ٱلْعُبُودِيَّةِ.»

سمَّى اللاهوتيون إحدى نظريات الكفارةِ التي فيها إشارة لنُصرة المسيح على إبليس في الصليب، والتي نقرأ عنها في أكثر من مكان، منها عبرانيين ٢: ١٤-١٥، «انتصار المسيح Christus Victor». لقد أتى الله الابن لكي يحارب أعداء شعبه: إبليس، الشياطين، الخطية، القبر، الموت، الجحيم، والعالم أيضًا في نظامه الشرير المعارض لله (١ يوحنا ٢: ١٥).  وقد حقق هذه النُصرة من خلال حياته المكرَّسة، وبشكل رئيسي على الصليب، «لِكَيْ يُبِيدَ بِٱلْمَوْتِ ذَاكَ ٱلَّذِي لَهُ سُلْطَانُ ٱلْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ» (ع. ١٤ب) والقيامة والصعود إلى السماء.

لكن ما هو الأمر الرئيسي المُفترض حدوثه بحسب هذا النصّ لكي يحقق المسيح هذا الخلاص؟ الإجابة هي: التجسّد، ولذلك نقرأ: «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ ٱلْأَوْلَادُ فِي ٱللَّحْمِ وَٱلدَّمِ ٱشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمَا» (ع. ١٤أ). نعم، كان ينبغي أن ابن الله الأزلي يأخذ لحمًا ودمًا في تأنسه، لكي يُنقذ أخوته من أعدائه وأعدائهم.

لقد كان إبليس يستخدم «الموت» ليخيف الإنسان، وهذا الخوف من الموت يجعل الإنسان تحت عبودية: «...-خَوْفًا مِنَ ٱلْمَوْتِ- كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ ٱلْعُبُودِيَّةِ» (ع. ١٥). ربما تقرأ هذا المقال وأنت شخصيًا -أو شخص تعرفه عن قرب- يشعر بالخوف الشديد من الموت. في المسيح وحده رُوَّضَ هذا العدو، وصَارَ الموت بدلًا من كونه «رعب وهول»، «بوابة للمجد». لقد تجسَّد المسيح وعاش حياةً كاملةً، ومات على الصليبِ، لكي يرفع خطية كل من يؤمن به، ويهبه برَّه الكامل كعطيةٍ مجانيّةٍ. عند الإيمان بالمسيح كالله المتجسِّد، نحن نثق في الذي كسر شوكة الموت «الخطية» بحَمْلِهِ دينونتها، وفتح لنا أبواب الحياة.

قال أحد الرُعاة في نهاية عظة عن الموت: «تخيل شخصًا أخبره طبيبه أنه مريض سرطانٍ، وسيموت خلال يومين أو ثلاثة على الأكثر، وتخيل أن صديق هذا الشخص قد زاره ليعطيه صَكًّا بمئة مليون جنيه لينفقه على نفسه فقط، فما قيمة هذا الصَكّ لذاك الشخص الذي على وشك الموت؟ لا شيء، بل ربما يُعتبر هذا الصكُّ إهانة!» حقًا، أمام الموت إن كان لك المسيح، فلك كل ما تحتاجه، وإن لم يكن لك المسيح، فلا شيء آخر على وجه الأرض يُمكن أن يَهِبَكَ سَلامًا ورجَاءً.

 

تجسد الابن ليكون ذبيحةً، ورئيس كهنةٍ (ع. ١٦-١٧):

عبرانيين ٢: ١٦: «لِأَنَّهُ حَقًّا لَيْسَ يُمْسِكُ ٱلْمَلَائِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ. ١٧ مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا لِلهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا ٱلشَّعْبِ. ١٨ لِأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ ٱلْمُجَرَّبِينَ.»

إنَّ الصورة المهيمنة في العبرانيين ليست صورة المسيح كآدم الثاني ولا كالمنتصر، لكن كالذبيحةِ، ورئيس الكهنةِ (عبرانيين ٧-١٠). وربما ختم كاتب العبرانيين هذا المقطع عن التجسُّدِ بهذه الصورة لأنه أرادنا أن نقرأ باقي السفر في ضوئِها. لكن لاحظ الرّبط هنا مرة أخرى بين تجسد الابن وبين وظيفته «كرئيس كهنة». أتى الابن ليُخلص شعبه، «نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ »، لا الملائكة (ع. ١٦)، وأتى «رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا» (ع. ١٧ب)، ولكي يفعل هذا «كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» (ع. ١٧أ). لذلك، نحن نتعلم في عبرانيين ١ أن المسيح كان ينبغي أن يكون إلهًا ليكون رئيس كهنتنا العظيم، القادر على إنجاز خلاصنا. وفي عبرانيين ٢ نتعلم أن المسيح كان ينبغي أن يكون إنسانًا ليكون رئيس كهنتنا العظيم. فإن لم يكن المسيح إلهًا لما استطاع تقديم ذبيحة كافية لإرضاء مطالب العدل الإلهي ضد خطايانا، وإن لم يكن إنسانًا لما استطاع تقديم ذبيحة نيابة عن الإنسان الذي أخطأ، ولما استطاع أن يتعاطف مع شعبه في ضعفهم. فالمسيح الله المتجسد هو وحده القادر أن يخلص، وهو وحده القادر أن يُعين المجربين.

 

فرسالة عبرانيين ٢ لنا، ليست فقط هل قبلت تجسُّدَ المسيح؟

لكن أيضًا، هل قبلت أن يكون الابن المجيد كنزك ومجدك، نُصرتك وقوتك، فدائك ومعونتك؟

________________________________________________________________

[1] هذه المقالة هي أعادة صياغة لأجزاء من الفصل الأول من كتاب:
Robert A. Peterson, Salvation Accomplished by the Son (Crossway, 2012).