هل الله يخاطر؟

لماذا يوجد ألم في هذه الحياة؟ أين الله من الألم الذي يحدث؟

يحاول الكثيرون الإجابة عن هذا السؤال، وهم يحاولون حماية الله من أن يكون مسئولاً عن هذا الألم أو المعاناة، فتكون إجابتهم مُمثّلة فيما يلي:

"خَلَق الله الإنسان حرًّا مسئولًا عن قراراته، يختار ما يريد. لا يمكن أن يتدخل الله في قراراتنا وإلا أصبحنا مثل العرائس في يده يفعل بها ما يشاء. نحن ما نقرر أن نتبعه أو لا، أو أن نكون صالحين أو أشرار. إرادتنا الحرة هي ما تُحدّد ما سوف يحدث. والله يحترم إرادتنا الحرة ولا يتدخل في قرارتنا. للأسف نحن قد أسأنا استخدام هذه الإرادة الحرة والنتيجة هي الآلام التي نراها من حولنا. لقد قَبِل الله هذه المخاطرة؛ أي إمكانية إساءة استخدام حريتنا والنتيجة هي ما نرى الآن."

والآن دعونا نفكر في هذه المقولة السابقة والتي يمكن أن نكون كثيرًا ما سمعناها. بحسب هذه المقولة يمكن أن نَصِف الحياة والخليقة على أنها مخاطرة إلهيّة! والمقصود بكلمة المخاطرة هنا هو الآتي: مع أن الله له قصد أزلي من الخليقة ومشهد نهائي يريد أن يراه إلا أن هذا القصد لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الإرادة الحرة للبشر والملائكة، أي كل الكائنات الأخلاقية. لمزيد من التوضيح، بدون أن تقوم هذه المخلوقات العاقلة بأدوارها فلن ينتهي المشهد كما يريده الله.

بناء على هذه الطريقة في التفكير، تصير الخليقة مخاطرة إلهية متوقفة على قرارات المخلوقات. بسبب حرية المخلوقات يمكن أن تتغير أحداث التاريخ، بل وتخرج عن المسار الذي أراده الله وبالتالي تتغيّر النهايات. يمكن تلخيص هذا الرأي على أنه يؤكّد على حرية إرادة الإنسان، وأن الإنسان هو صانع التاريخ والأحداث، وبهذا تُصبح الخليقة برمّتها "مخاطرة إلهية"!

ما هي تداعيات فكرة المخاطرة الإلهية؟
يحاول أصحاب هذا الرأي شرح أسباب وجود الألم في العالم بما يبدو أنه يدافع عن حرية الإنسان، بل يُجمِّل ويعظِّم الله أيضًا. ولكن هل ما يقولونه حق؟ هل ما يصفون به الله يتفق مع وصف الله لنفسه بحسب الكتاب المقدس؟ تُشوِّه فكرة "المخاطرة الإلهية" فهمنا لصفات كثيرة من صفات الله، ولكنني سأكتفي بالتعليق على كيفية تأثير هذه النظرة على صفتين فقط وهما؛ صلاح الله، ومعرفة الله.

 

أولا: صلاح الله

بحسب هذه الفكرة، يعرف الله ما سوف ينتهي به حال الجنس البشري بسبب حرية إرادتهم، ومع ذلك، واحترامًا منهُ لهذه الحرية تركهم يسيرون في هذا المسار قائلاً: هذا هو ما يريدونه، فليكن! لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يعرف الله ما سيحدث للأطفال وعديمي القوة بأن الأشرار سوف يستغلونهم ويقهرونهم ويسلبونهم كل غالي وثمين، ومع ذلك يقف متفرجًا لا يتحرك لأنه ملتزم بقانون حرية الإرادة. دعونا نفكر قليلًا في هذه الفكرة. يعني هذا أنَّ الله ملتزمٌ بهذا القانون ويحترمه أكثر من احترامه لكل الضحايا عبر التاريخ. فهو يمكنه أن يُضحّي بهم ولكنه لا يمكن أن يضحي "بحرية الإرادة"!!

والسؤال هو: هل يتفق هذا الرأي مع ما نراه عن صلاح الله ونعمته في الكتاب المقدس؟ فكمّ من مرّةٍ صنع الله إحسانًا لأناس يرفضون هذا الإحسان؟ ألم يفعل ذلك مع بولس والسامرية والمولود أعمى؟ هل طلب منه لعازر أن يقيمه من الموت؟

إنَّ نعمة الله لا تتوقّف عند حدّ عَرض الخلاص والخير، ولكنها فعّالة وتنجح في تحقيق الخير والخلاص لمن يريد الله أن ينقذه ويباركه.

لا يعني صلاح الله أنّه يعرض الخير منتظرًا ومتوقّفًا على استجابة الناس، بإرادتهم الحرّة، كي ما ينعموا بهِ، بل يتعدّى الصلاح هذا، حيث يحول فيه الله الجافي لحلاوة ويُخرج من الآكِلِ أُكلًا.

 

ثانيًا: معرفة الله

لا يجدُ الاتساق مع هذه النظرة عن الله مفرًّا من إنكار حقيقة أنَّ الله كُليّ المعرفة. فالله قد خلق الخليقة وأعطى "الإنسان" حريته، ولكن مع كل البشر الموجودين الآن يصير الأمر مُعقدًا للغاية! فنتائج الأمور متوقّفة على احتمالات لا نهائية جرَّاء القرارات التي يتخذها البشر كل يوم. "مخاطرة الله" تعني أنه لا يعرف ما ستؤول إليه الأمور، ولكنه يلعب دور المتفرّج، وفي أحسن الأحوال يمكنه توقُّع ما يمكن أن يحدث ولكنه لا يمكن أن يجزم كيف ستنتهي الأحداث يقينًا.

ولو كان الله -كما رأينا في معرض الحديث عن صلاحه- يبدو غير مُكترثًا بالنتائج، إلّا أننا نراه هنا "أعمى"، لا أقلّ!!

السؤال هنا: كيف يمكن أن يكون الله كاملًا ومعرفته ليست كاملة؟ بحسب هذه النظرة الله ليس كاملاً ولكنه في نمو. في هذا المشهد خلق الله العالم وهو لا يعرف إلى أين سيذهب! قد لا يؤول الأمر للخير في النهاية. في الواقع من يقود التاريخ هنا هم البشر بإرادتهم الحرّة. هذه هي المخاطرة، الله قرَّر أن يَحِدّ قدرته، ومعرفته، بل ويَحِدّ حرّيته. أقصى ما يمكن أن يفعله مع خلائقهِ هو أن يتوقع ردود أفعالهم بسبب معرفته بالظروف المحيطة بهم، ولكن هذا أيضًا لا يعني الجزم بما سيحدث لأن في النهاية الإنسان قد يقوم بأمر غير متوقَّع بإرادته الحرة، بالإضافة إلى أنّ الظروف المحيطة بكل إنسان [واحد] تحتوي على بشر آخرين بإرادات حرة أخرى، وهو ما يزيد الأمر تعقيدًا.

للأسف الشديد، الكثيرون ممن ينادون بهذا الرأي يتشدقون بفكرة معرفة الله السابقة بالأحداث دون أن يكون هو مُتحكِّم فيها. وفي الحقيقة لا يمكن الفصل بين سبق معرفة الله وتحكمه في كل شيء.
فلو كان الله يعرف [حقًّا] كل ما سيحدث بالتفصيل في المستقبل، فهذا يعني أنه لا يمكن أن يتغير. فمثلا لو أنّ الله يعرف أني سألعن أحدهم غدًا فهذا يعني أني لا أملك تغيير هذا الأمر فعليًا. فكيف يمكن أن يكون الله عالمًا بما سيحدث غدًا بالتحديد، في نفس الوقت الذي فيه تبقى احتمالية ألّا أفعلُ أنا ذلك؟ إن كان الله يعلم يقينًا ما سوف يحدث فهذا يعني أنه لا توجد احتمالات أن يتغير هذا، حتى وإن كان البشر أحرارًا.

مرة أخرى؛ هل يتفق هذا الرأي مع ما نراه في وصف الله لعلمه ومعرفته؟ ألا يُقدِّم الكتاب المقدس الله بوصفه كُليّ المعرفة؟ كيف يمكن أن نقرأ مزمور ١٣٩ إذن؟ أو كيف نفهم إشعياء ٤٦: ٩-١٠ "اُذْكُرُوا الأَوَّلِيَّاتِ مُنْذُ الْقَدِيمِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ. الإِلهُ وَلَيْسَ مِثْلِي.  مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِالأَخِيرِ، وَمُنْذُ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ، قَائِلاً: رَأْيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي." إن فكرة النبوات كلها [على سبيل المثال] تتعارض مع كون الله محدود المعرفة ولا يعلم المستقبل!
ماذا عن العهد الجديد؟ كيف يمكن للمسيح أن يعرف أن بطرس سوف ينكره ٣ مرات؟ كيف يمكن أن نرى كل النبوات عن المجيء الثاني والسماء الجديدة والأرض الجديدة؟ كيف يمكن أن نعرف أن النهاية ستؤول للخير؟ كيف يمكن أن ننطق بأشهر وعدٍ:

"كل الأشياء تَعمَلَ معًا للخير للذين يُحِبُّون الله" (رومية ٨: ٢٨).