سلطان الله في الصليب

المعاني المختلفة لسلطان الله

قبل التكلم عن حادثة الصليب وسلطان الله فيها دعونا أولا نفهم ماذا نعني بكلمة سلطان الله.  قد تختلف الأراء حول سلطان الله أو بالأحرى حول معنى سلطان الله.

  1. فقد نجد البعض يقول أن الله متسلط على كل الأمور لأنه كلي العلم، فلأنه يعلم كل شيء فهو يعرف النهاية من البداية لهذا فهو متسلط أي أنه لن يتفاجئ.
  2. الله متسلط لأنه هو الخالق بل وهو واضع قوانين الحياة والخليقة كلها، نظرية صانع الساعات  (Watchmaker)
  3. يوافق على ماسبق لكنه يضيف عليه بأن الله يتدخل أيضا ويتحكم في الخليقة وخاصة الغير عاقلة منها فهو في سلطته يمكن أن يكسر القوانين الطبيعية التي وضعها ولكن ليست القوانين الأدبية (أو فيما يختص بإرادة الإنسان)

مع أن كل ما سبق من آراء يحتوي على أفكار صحيحة عن الله وعن سلطانه إلا أن جميعها لا يصف سلطان الله كما نراه في الكتاب المقدس.  سلطان الله بحسب الكتاب المقدس أعظم وأسمى من كل ما سبق من آراء تحد من هذا السلطان.  فسلطان الله بحسب الكتاب المقدس يجعل الله إلهًا حقيقيًا وحيدا فريدًا لا مثيل أو شريك له.  فلكي نقول أن الله له كلي السلطان، الله متسلط على كل شيء نعني أن الله هو الله.  فلو لم يكن الله هكذا إذا فهو ليس الله.  فسلطان الله في الكتاب المقدس مطلق، لا يقاوم، لا نهائي.  فلا شيء أو شخص أو خليقة أو قانون ما أو أي ما يمكن تخيله خارج سلطان الله.  وإن وجد أي شيء خارج دائرة هذا السلطان فهو شريك الله في الألوهية إن لم يكن هذا الشيء هو الإله الحقيقي وحاشا أن يكون هذا صحيحا.

الصليب

والآن لنذهب لحادثة الصليب.  فالصليب يمثل الشر الإنساني في أبشع صوره وهو يعد أشر حدث في تاريخ البشرية وفيه إعلان عن قمة تمرد البشر ضد الله.  فقد أظهر البشر وإبليس أسوأ ما لديهم في الرفض والعنف والخيانة والافتراء والتعذيب والقتل لرب الخليقة والحياة وأطهر من سار على الأرض.  ويتفق الجميع على ذلك ولكن يتجنب البعض  فكرة أن المسيح كان يتحمل غضب الله ضدنا.  فالصليب لا علاقة له بدينونة الله لخطايانا وإنما هو تعبير عن محبة الله لنا وتحمله لشر البشرية في الصليب فقط.  وبهذا التحمل وعدم الرد بالانتقام هزم المسيح هذا الشر.

وإن احتوت هذه الفكرة على العديد من الأمور الصحيحة إلا أنها لا تعبر عن الحقيقة بالكامل.  فهي ركزت على جانب واحد فقط من القصة ألا وهو جرم البشر في حادثة الصلب.  فنرى خيانة يهوذا للمسيح (لو ٢٢: ٣) واحتقار واستهزاء هيرودس له (لو ٢٣: ١١) وتخاذل بيلاطس في إبراءه خوفا على موقعه وتفاديا للمشاكل بل والأمر بجلده (لو ٢٣:  ٢٤ و يو ١٩: ١) وصرخات اليهود "اصلبه، اصلبه" (لو ٢٣: ٢١) واستهزاء الجنود الرومان له (لو ٢٣: ٣٦ ويو ١٩: ٢) وظلم وافتراء رؤساء الكهنة عليه (يو ١٩: ٧ و لو ٢٢: ٦٣-٦٦).  وكل ماسبق كان حقا شرير بل ويعبر عن الشر في أبشع صوره وكل من مرتكبه مسئول تماما عما فعله ولذلك سيحاسب عليه.  ولكن هذه النظرة لا تعبر عن الصورة بأكملها.

فخلف كل ما يحدث في العالم هناك سيادة الله المطلقة.  فلا يوجد أي أمر مما حدث أو سيحدث خارج سيادة الله.  فالله سيظل مسئولاً ومتسيدًا بالكامل على مجريات التاريخ وهدفه النهائي السماء الجديدة والأرض الجديدة.  ومحور هذا التاريخ هو شخص يسوع المسيح وعمله الفدائي.  فالله قاد التاريخ كله وأعد التاريخ لمجيء المسيح مستخدما الجميع حتى الأشرار والوثنيين مثل فرعون ونبوخذنصر وكورش والإسكندر بل وكل البشر.  وحينما نأتي إلى ذروة الأحداث وإلى الصليب نرى الله أيضا متحكم تماما في الأمور والأحداث والتوقيت.  فالصليب هو خطة الله للقضاء على الشر والخطية والشيطان ولخلاص الإنسان واسترداد الخليقة.  ففي الصليب كان المسيح مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل أثامنا (إش ٥٣: ٤) فالرب وضع عليه إثم جميعنا (أش ٥٣: ٦) وجعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه (٢كو ٥: ٢١) فالمسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا (غل ٣: ١٣) وهو فصحنا الذي ذبح لأجلنا (١كو ٥: ٧) إذ قدمه الله كفارة لإظهار بره (رومية ٣: ٢٥) ولذلك لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع (رومية ٨: ١).

لذلك نجد الرسول بطرس يلخص ما حدث في الصليب بأن يرى الأفعال الشريرة التي ذكرناها قبلا والتي صدرت عن أناس مسئولة أخلاقيا تماما ولكنه في نفس الوقت أيضا هو خطة الله المحتومة لفداء المؤمنين.

أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ.  هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ.   أع ٢: ٢٢-٢٣.

وهنا نرى سلطان الله ومسئولية الإنسان جنبًا إلى جنب.  فالصليب هو أشر فعل من أفعال الشر البشري الذي وقع على المسيح ولكنه في نفس الوقت كان يمثل الدينونة الإلهية التي تحمل فيها المسيح ثقل غضب الله ضد خطايانا.  ولكي نكون أكثر دقة للطريقة التي يعلن بها الكتاب المقدس هذا الأمر، فعلينا أن نقول أن الله في سلطانه استخدم بيلاطس واليهود والرومان وهيرودس لينفذ مشيئته:

لأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ.   أع ٤: ٢٧ – ٢٨

حقا نحن أمام سر عظيم.  فكيف يكون كل من تآمر واشترك في قتل المسيح بكامل حريته وبمنتهى الشر يكون في نفس الوقت ينفذ ما عينت مشيئة الله وخطته أن يكون.  نحن أمام سلطان مذهل لله.  فكيف يتحكم الله في كائنات عاقلة تتخذ قراراتها بكامل حريتها للدرجة التي تكون هي مسئولة عنها مسئولية كاملة فتحاسب عليها؟ كيف يمكن أن يتحكم الله في الأمور للدرجة التي يقتل فيها المسيح وقت عيد الفصح وهو العيد الذي يشير إشارة واضحة للخلاص حيث ذكرى خروج شعب إسرائيل من مصر، علما بأن بشر مسئولين هم من قاموا بهذا الأمر.  وليس هذا فقط بل وكل الأحداث المحيطة والتي أدت للصليب.  يجب أن نكون حريصين بشدة ألا نضحي بأي حقيقة من هاتين الحقيقتين، الجرم الكامل للشر وسلطان الله وصلاحه المطلق. (قصة السبي نموذج واضح – دينونة الله على إسرائيل مستخدما نبوخذنصر (إر ٣٢: ٢٦ - ٣٥)

تطبيق

يو ١٩: ١٥ – ١٦: فَصَرَخُوا: «خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟» أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ:«لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ!».  فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ.  فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ

كان لبيلاطس سلطان لصلب المسيح واليهود ذهبوا بالمسيح إليه لأنهم كانوا يعلمون أن لبيلاطس هذا السلطان.  ولكن هذا السلطان لم يخيف المسيح، فكلمات بيلاطس لم ترعب المسيح وذلك ليس لأن ليس لديه سلطان أو لأنه كان يكذب فبيلاطس لم يكن يكذب وكان حقا لديه هذا السلطان.  انظر معي هذا الحوار بين بيلاطس والمسيح:

يو ١٩: ١٠ – ١١: فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟»  11أَجَابَ يَسُوعُ: « لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ ... ».  

نرى في رد المسيح حقيقتين هامتين.  أن لبيلاطس سلطان حقا.  فهو قد أُعطي سلطان ولكن هناك سلطة أعلى فوق هذا السلطان.  فبيلاطس ليس لديه فقط سلطان ولكن هذا السلطان من الله.  فالمسيح لم يخف من كلام بيلاطس لأن سلطة بيلاطس لم تكن إلا مجرد سلطة تحت سلطة الله.  فالمسيح لم يخف ليس لأن بيلاطس بلا سلطة ولكن لأن سلطته تحت سلطان الله فالمسيح لم يكن في يد بيلاطس ولكن بيلاطس كان في يد الله.

هذا يعني أن سلامنا وطمأنينتنا تأتي ليس بسبب ضعف وعجز أعدائنا ولكن بسبب سلطان الله على قوتهم وسلطانهم.   لذا يمكننا أن نقول مع الرسول بولس: فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟  إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟  رومية ٨: ٣١ و مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟  أَشِدَّةٌ أَمْ ضَِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ.  قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ».  وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا.  فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا  (رومية ٨: ٣٥ – ٣٧).

فبيلاطس واليهود والجميع قصدوا بالمسيح شرًا والرب قصد به خيرًا (تك ٥٠: ٢٠) فجميعهم أخطأوا ولكن من خلال خطاياهم الله خلص.  لذلك لا نخاف مما يضطهدوننا ويكرهوننا لأن مهما فعلوا فهم يفعلون تحت سلطان الله الكامل وإن كان العصفور الخامس (فوق البيعة) ليس منسيًا أمام الله فنحن أفضل من عصافير كثيرة (لو ١٢: ٦-٧).  سلطان الله يزيد سلامنا ويروي رجاءنا.

الأقسام: