لنحيا حياة القيامة

ما إن نجتاز مراحل الشك وصولًا ليقينيّة الإيمان بالقيامة، حتى نقف على فهم أبعاد قصة الإنجيل والإيمان المُخلِّص بالمسيح المُقام، فإن ثمة أسئلة عملية تفرض نفسها وقتئذٍ:
كيف يمكننا أن نعيش معنى القيامة في حياتنا؟ ما الفرق الذي تصنعه القيامة في حياتي وحياتك؟ 

تعود بنا الأعداد الأخيرة من الإنجيل بحسب البشير متى إلى ما قاله الرب يسوع المسيح شخصيًا. والمؤمنون بالقيامة يتهللون بقراءة هذه الكلمات كونها الأخيرة لمخلّصهم في هذا الإنجيل، والتي بدورها تشرح كيف يجب أن نعيش حياة القيامة. يتحدث يسوع المقام من الأموات في هذه الآيات في الفترة بين يوم قيامته ويوم صعوده للآب، قائلًا لتلاميذه كيف يثمرون ويتضاعفون بالحياة الأفضل التي جاء لنحياها فيه (يو١٠:١٠). فهو يصف حياة القيامة من خلال ثلاثة أبعاد: سُلطان جديد، وهُويَّة جديدة، وإرساليّة جديدة.

"وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا. فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ." (متى 28: 16- 20)

1. سلطان جديد: اتبعني

دُفع ليسوع كُل سلطان في السماء وعلى الأرض. وسلطته تتسامى فوق سلطة ملوك إسرائيل ورؤساء الأمم. كل الملوك الآخرين ماتوا. ويسوع وحده هزم الموت. كل الحكام مخلوقون، ولكن الكلمة المتأنس، يسوع المسيح، هو البِكر الذي خُلقت به وله كُل الأشياء. مُلكَهُ يعلوا فوق الأرض، إلى السموات عينها، حيث يخلع الرياسات والسلاطين، وسوف يأتي اليوم الذي يجعل كل مقاوميه يستسلمون، مؤسساً سلامًا لا ينتهي. يَصِف بولس سيادة المسيح يسوع بطريقة شعرية فيقول: 

" الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ." (كولوسي 1: 15- 20)

باختصار، يسوع المُقام له كل السلطان في الكون وعلي الخليقة. المسيح عظيم وصالح بشكل يعلو أفكارنا. هو يستحق عبادتنا وطاعتنا. من يمتلكون حياة القيامة يعترفون بفرح أن يسوع هو المتحكم في كل الأمور ويتبعونه. نحن نسمع ما يقول، عن طريق قراءة تعاليمه، ونتبع ما يقوله عندما تتوافق حياتنا مع هذه التعاليم. يتعلم التلميذ الخضوع ليسوع في كل أوجه الحياة. منذ استيقاظه وحتى خلوده للنوم، يقع الكل تحت سلطة المسيح. الخطط القصيرة الأمد والاستثمارات بعيدة المدى تتقرر بموجب إرشاده. أن تحيا حياة القيامة يعني أن تضع ذاتك تحت حُكم المسيح. هو المسؤول وهو يعرف جيدًا كيف يعتني بشعبه. لذا، فلتعلم هذا- إن يسوع ليس بطاغية. هو لا يسيء استغلال سلطته. بل بالأحرى هو سيد محب وخدوم. هو السيد الذي يغسل أرجل تلاميذه. هو الملك الذي يضع حياته من أجل أحبائه، بل حتى من أجل من يشكّون به. لست مخدوعًا، إذ يمكنك بنفسك أن تقيم تكلفة تبعية المسيح في مقابل بركات التلمذة مليون مرة، ستكون النتيجة هي ذاتها دائمًا: إن تكلفة الخضوع ليسوع لا تقارن بالعلاقة المشبعة والمستقبل الغني والمجد العتيد الذي لك في المسيح.

أربعة طرق لاتباع يسوع

  • في الجماعة. إن تبعية الرب يسوع أمر نختبره في شركة جسد المسيح. أنت تحتاج إلى الآخرين، وهم يحتاجون إليك. تشاركون صراعاتكم وتُذكرون بعضكم البعض يوميًا بالحياة الوفيرة وبالمُخلص الغالي، أي الإيمان المشترك بينكم. يجتمع المسيحيون يوم الأحد للترنيم لا لله فقط، بل ليذكر كل منهم الآخر قائلًا: "قام يسوع من الأموات!"
  • في الصلاة. هل تساءلت من قبل لماذا يُصلّي المسيحيون؟ هم يُصلّون لأنهم يعلمون مدى اعتمادهم على الله. الصلاة هي دعوة لمعرفة الله وللإنضمام إلى أجندة نعمته لحياتنا.
  • بالتوبة والإيمان. للتوبة والإيمان دور محوري في الحياة المسيحية. ليست التوبة هي مجرد الشعور بالأسى من أجل العودة لنوال نِعَم لله والتمتع بهباته. بل هي التحول من وعود الخطية الزائلة إلى وعود المخلص السامية. هي أن ترى أنه، بالنعمة، قد برَّرَنا الله بالفعل ولا يوجد من يُشبعنا مثل الله.
  • في قصة الكتاب المقدس التي نقرأها ونتعلمها. بالرغم من قِدَمِها وغموضها في الظاهر، إلا أن الكتاب المقدس هو قصة الله مع شعبه وكلامه الموحى به. والذي يعلمنا كيف نتبع يسوع. نحن نقرأه لا لنتعلم عن ثقافات مندثرة، بل لنعرف مُخلِّصنا المُقام ونتبعه.

2. هُويَّة جديدة: في المسيح

حياة القيامة ليست أقل من هُويَّة جديدة بالكامل. تتشكل الهُويَّة بما تُعرَف به. مثال ذلك، في الثقافة الأمريكية، قد يحدد هُويتك ميلك الجنسي أو حزبك السياسي أو عرقك أو ديانتك أو المقاطعة التي ولِدَت بها. يمكنك كذلك أن تجد هويتك في عملك أو في علمك ودراستك أو في هواياتك وحتى في ملابسك. وبإيجاز، يمكنك أن تكتشف ما يحدد هويتك عن طريق ملء الفراغ في جمل تبدأ بكلمة "أنا"، كالتالي:

  • أنا أعمل محاسبًا
  • أنا أعتنق البوذية
  • أنا مدمن كحوليات
  • أنا نباتي
  • أنا من ولاية تكساس
  • أنا أحب رياضة التزلق
  • أنا أبيض البشرة
  • أنا أومِن بالديموقراطية
  • أنا مثليّ الجنس
  • أنا شخص حسن المنظر
  • أنا من عشاق موسيقى الچاز
  • أنا تلميذ
  • أنا مسيحي.

وفي بعض الأحيان تكون هُويتنا هُويَّة مُركَّبة. لكن بعض الجوانب تطغي أكثر وتحدد هويتنا من غيرها. وإذا أردت معرفة كيف يمكنك أن تحدد أيهما له التأثير الأقوى على تحديد هويتك؟ فما عليك إلا أن تفكر في الأمور التي لا يمكنك أن تحيا بدونها. فإن لم تقدر على تخيُّل الحياة بدون أمر ما، فهو يلعب بكل تأكيد دور أكبر من سواه في تحديد هويتك. كل هُويَّة لها شعار خفي يبدأ بكلمة "أنا"، قد يكون: "أنا ما آكله."، "أنا من أمارس الجنس معه"، "أنا عبارة عن طريقة كسبي للمال"، "أنا ما ألبس"، "أنا ما يبدو عليه مظهري"، أو "أنا المكان الذي أتيت منه". وآخرون تُعرِّفهم إدماناتهم وفشلهم.

الأمر اللافت للنظر في تحديد هذه الهُويَّات هي أنها تنبُع مما نفعله. لكن انتبه! حياة القيامة مختلفة. فبدلاً من أن تتحدد هُويتنا بالأمور التي فعلناها قبلًا، فإن هويتنا تُعرف "باسم الآب، والابن، والروح القدس". لم يعد يجب علينا أن نُعرف أو تتشكل هُويتنا حسب صعودنا وهبوطنا في منحنى النجاح والفشل. إذ أن هُويتنا تتحدد بنجاح الله المطلق والفائق على فشلنا وخطيتنا، ويظهر في عطيته لنا هبة الحياة الجديدة. لدينا هُويَّة جديدة. يصف العهد الجديد هُويَّتنا التي اكتسبناها حديثًا بطرق مختلفة، فيُطلق على كلِّ منّا:

  • ابنًا لله
  • خليل الله
  • الخادم
  • المُرسَل
  • التلميذ
  • المُبارَك
  • الخليقة الجديدة
  • القديس (المُقدس)

إن هذه القائمة ما هي إلا ملامح بسيطة تظهر على سطح هُويتنا الجديدة في المسيح. هي أنعكاس لعمل نعمة الله في الحياة المُقامَة. ونحن لا نستحقها. ومع ذلك، فإن عمل المسيح هو أن يهبنا إياها بحسب غنى نعمته. كلها تنبع من النعمة؛ أي ما فعله لأجلنا، وليس ما فعلناه نحن لأجله. يعاملنا كأب لابنه، كصديق مع صديقه، كالسيد للخادم، كالمُرسل العظيم للمرسلين، كمخلص التلميذ، وهو القيامة التي وهبت لنا الخليقة الجديدة، وهو القدوس للقديسين.

3. حضور الله يمكننا من أن نعيش حياة القيامة

إن كلمات يسوع الختامية توضح أننا لن نكون متروكين: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". إنَّ يسوع المُقَام لا يحيا في كون بعيد ولا ينظر إلينا من سماه إلى الأسفل من السحاب ليرى كيف حالنا. هو معنا وسيظل معنا للأبد. الحياة المُقَامة هي علاقة تسترد بشكل مستمر مع الله. لن نذهب للسبي كشعب الله في القديم. لن نكون وحيدين. هذه هي الميزة العظمى لاتباع يسوع: أي يسوع شخصيًا. يمكننا أن نتمتع به يوميًا. مثلما كان حال آدم وحواء قبل تمردهم، يمكننا أن نسير في الجنة مع الله دائمًا.

إن الوعد بحضور الله ليس معايدة عابرة بداخل كارت من شركة تروج لمنتجاتها. بل هو تعزية وقوة حقيقية. بينما كان يسوع يُعد تلاميذه، قال لهم أنه سيرسل لهم الروح القدس. في الكتاب المقدس، يحكي لنا سفر الاعمال كيف أن الروح القدس مكن التلاميذ العاديين من أن يتبعوا يسوع. نرى الروح القدس في سفر أعمال الكنيسة الأولى وهو يُمكن أشخاصًا عاديين مثلي ومثلك ليعلنوا حق الانجيل بجراءة، وليطيعوا وصايا يسوع، ويشفوا المرضى، ويتلمذوا آخرين، وليعطوا بسخاء، وليهتموا بالفقراء. إن الروح القدس هو الذي يهبنا قوة قيامة يسوع: " وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ." (رومية 8: 11). إن قوة القيامة مُذخَّرة في داخلنا بالروح القدس!

يمكننا أن نقرأ هذه الآية ونفكر ببساطة قائلين: "حسنًا، لنبدأ العمل... قد يمكنني أن أحقق هذا الأمر أو ذاك." ولكن انتبه! إن انطلقت بقوتك الذاتية، فإنك حتمًا ستفشل.
لقد أختبرت ذلك بالفعل. فعندما لا أحيا بمنطلق قوة القيامة (معتمدًا على الروح القدس بالصلاة)، ينتهي بي الأمر معتمدًا على قوة العاطفة. وحينها، أتأرجح في حياتي الروحية. فإن شعرت بشعور جيد في ذلك اليوم، فسأحاول أن أعيش بموجب هويتي الجديدة وأتبع يسوع. وإن لم أشعر بشعور جيد في اليوم التالي، فإني سأعاني في اتباعه. وفي كلا الحالتين، أفتقد لحيوية الروح القدس. غالبًا ما يعتريني الإرهاق سريعًا ، وأثور على الآخرين، أو أنسب الفضل لنفسي بداخلي عما أنجزته من أمور جيدة. فيزداد إحساسي بالبر الذاتي وأتبنى توجه الاعتماد على الذات. بينما عندما أبدأ اليوم باعتماد كلي على الروح القدس، مقتربًا لله بالصلاة، طالبًا قوته وارشاده، فإن هذا يغير الأمور بشكل كامل. فبدلاً من أن أتعب وأخور، أنا أمتلئ بالروح القدس. بدلاً من الثورة على الآخرين أجد دافع خافت من الروح القدس يحثني لأحب الآخرين وأحتمل ضعفهم. بدلاً من أن أنسب الفضل لذاتي، أسرع في إعطاء المجد لله. إن الروح القدس يمكنك أن تعيش حياة القيامة. هو يثمر فيك محبةً، وفرحًا، وسلامًا، وصبرًا، ولطفًا، ورقة، وضبط للنفس، حتى في الظروف الصعبة. ليس عليك أن تبحث عن القوة في داخلك لتتبع يسوع. بدلاً من ذلك، يمكنك أن تعتمد على قوة الروح القدس.

4. إرساليّة جديدة: أصنعوا تلاميذ (تلمذوا..)

النص في (متى 28: 18-20) معروف لنا كمسيحيين باسم "الإرسالية العظمى"، الأمر الكبير بالانطلاق لكل من لديهم الإيمان بالمسيح. ويمكن أن يكون وقعه على القاريء كأمر عسكري نوعًا ما: "خذوا سلطان الله وتلمذوا". ولكن تذكر أن هذه الوصايا هي من الشخص الذي بذل حياته لأجل شعبه. من المفارقات أن الأمر المُعطى لنا يقتضي أن نحيا التعليم الذي نُعلمه للآخرين، فلكي تتحقق الإرسالية العظمى ونصنع تلاميذ للمسيح من خلال عمل الله المرسله، فإن هذا يتحقق من خلال كلماتنا وأعمالنا. أو كما قال يسوع، أن نعلم ونطيع. في الحقيقة، عندما نختبر غنى التجديد من خلال المسيح، نصبح، كما قال يوجين بيترسون: "الدعاية عن الله للعالم". نحن نتلمذ ونحن نحيا حياة القيامة ومشاركة الآخرين تعاليم المسيح المقام.

لا يوجد حتى مقدار ضئيل من الإكراه هنا. حياة الإرسالية هي هي حياة التلمذة والتبعية بدافع المحبة للرب. يريد منا يسوع أن ننشر الإنجيل عبر العالم من خلال مشاركة نعطي فيها ذواتنا لا فقط كلماتنا. حياة القيامة لا تتوقف علينا، لكنها تتمثل فينا، وتنتقل منا لآخرين. والإرسالية هي أن ندعو. يمكننا أن ندعو آخرين لينضموا كشعب الرب المفدي من أجل أن يختبر العالم الحياة الأفضل ودعوة العالم لانتظار استعلان الخليقة الجدية في المسيح. نحن نُرسل للمشاركة بالأخبار السارة أن يسوع قد هزم الخطية، والموت، والشر من خلال موته وقيامته شخصيًا وهو يعمل ليجعل كل شيء جديدًا، بما في ذلك عمله فينا نحن. يدعو يسوع أتباعه أن يشتركوا في عمله لتجديد العالم، وهو يعمل فيهم في نفس الوقت الذي يعمل فيه بهم.

5. التلمذة المُميّزة

جزء مما يجعل هذه الوصية عظيمة هو نِطَاقها ومداها- كل الأمم. عندما قال الرب يسوع هذه الكلمات، كان يوجه حديثه إلى مستمعيه من اليهود بالدرجة الأولى، يدعوهم فيها إلى إرسالية تتخطى كل الحدود العرقية بشكل واضح. كلمة "عرقي" باللغة الإنجليزية تأتي من الكلمة اليونانية التي تعني "الأمم"، وهي لا تشير إلى المقاطعات الجغرافية السياسية الحديثة، بل إلى المجموعات العرقية غير يهودية (الأمم). الإرسالية لا تدعو الرسل أن يصنعوا يجعلوا الأمم أممًا فيها نظام الحكم مسيحي، بل أن يشاركوا بالأخبار السارة لما فعله يسوع مع كل المجموعات العرقية. لا يدعم المسيح فكرة الدولة المسيحية، أي المسيحية السياسية ذات القيادة الهرمية من الأعلى للأسفل. ولكنه يدعو أتباعه أن يوصلوا لكل الناس في كل الثقافات، مسيحية محلية بقيادة من الأسفل للأعلى. الوصية هي أن نصنع تلاميذًا من بين كل الأمم وليس من كل الأمم. فليس الهدف أن نبدل ثقافتنا الغنية بثقافة مسيحية استهلاكية مبتذلة ورخيصة. يصيغ أندرو والز الأمر جيدًا فيقول:

إن التحوّل للمسيح لا يُنتِج مواطَنَة عالمية لطيفة: لكنه يثمر تلمذة مميزة متنوعة من كل الأطياف بقدر التنوع والتلون في الحياة البشرية ذاتها. إن المسيح، في فدائه للبشرية، يُحضر – عن طريق عملية التلمذة – كل غنى الثقافات البشرية غير متناهية مع الثقافات الفرعية إلى عظمة متنوعة للبشرية البالغة التي يشير إليها الرسول في رسالته في أفسس 4: 8-13.

الأمر الذي يجب علينا أن نسعي له هو التلمذة المُميّزة، وهي التلمذة التي تعبر عن الإيمان الشخصي بشكل فريد في سياق ثقافتنا. التلاميذ في مدينة مانهاتن الحضرية سيبدون مختلفين حضاريًا عن التلاميذ من أرياف ميهونجسون. هذه الاختلافات تسمح بازدهار الإنجيل مما يساهم في امتداد الملكوت عبر كل الثقافات المتعدد للبشرية الجديدة في المسيح. ببساطة، أن رسالة يسوع المسيح موجهة لتجديد كل البشرية في كل الثقافات.

6. دعوة القيامة

يدعو يسوع من يتبعوه أن يتركوا كل ما لديهم خلفهم، وأن يعطوا حياتهم للفقراء، وأن يحبوا أعدائهم، وأن يكونوا بركة للعالم. تُمكّننا القيامة من اتّباع يسوع. بهذا، فإننا نخاطر من أجل البشرية وبدافع إيماننا بالإنجيل. نحن لا نتراجع عن هذه الدعوة، دعوة الإنجيل، لأننا نحيا بيقين أن الموت والخطية قد هُزموا. موته وقيامته أصبحا موتنا وقيامتنا. لدينا سلطة جديدة، وهوية جديدة، وإرساليّة جديدة.


تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع Gospel-Centered Discipleship وضمن سلسلة من المقالات القيّمة التي ستقوم خدمة "الصورة" بنشرها باللغة العربية تباعًا في إطار الشراكة مع خدمة "تلمذة مركزها الإنجيل".

يمكنكم قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من خلال الرابط: Living the Resurrection