حكاية الـ٢٧ "عن أسفار العهد الجديد"

كمسيحيين عشنا وكبرنا في كنايسنا – على إختلاف اسماءها وطوايفها – وإحنا بنقرا وبنسمع العهد الجديد اللي بيبني ويكمل على كتابات العهد القديم. إتعلمنا منه عن إيماننا ودرسنا حياة المسيح: وعظه وتعليمه عن مملكته إللي جاي يأسسها، وكلامه عن موته وقيامته، وإزاي كلِّف الرسل بمأمورية هتمتد لنهاية الأيام، وإللي هييجي فيها مرة تانية ويكمل وقتها مملكته إللي حط حجر أساسها قبل كده ويقضي تمامًا على الشر.    

ويكمل العهد الجديد ويحكي إزاي الرسل كانوا حجر الأساس للكنيسة في كل العالم المعروف وقتها من خلال شهادتهم وشرحهم للي آمنوا بيه عن المسيح: هويته وعمله وتعليمه. ولحد النهاردة كتابات العهد الجديد الـ ٢٧ أو أسفار زي ما بنسميهم، هما معيار عقيدتنا والقانون (عشان كده بنسميها أسفار قانونية) اللي بيحدد ملامح إيماننا المسيحي الأساسية.

لكن يا ترى...

  • إزاي المسيحيين زمان آمنوا واقتنعوا إن الـ ٢٧ سفر هما كل الكتب المقدسة، ووحدها مصدر الإيمان، طبعًا مع العهد القديم؟
  • هل المعيار أوالطريقة إللي إستخدموها عشان يوصلوا للقناعة دي متاحة لنا دلوقتي بتفاصيلها بعد ٢٠٠٠ سنة؟
  • ولو التفاصيل الدقيقة إللي وصلتهم للقرار ده مش معروفة لنا، فهل يصح إننا نستنتج بنفسنا معايير هما نفسهم ما تكلموش عنها في كتاباتهم؟
  • وهل معنى إنهم متكلموش عن المعايير دي بالتفصايل إن مفيش دليل قاطع يقنعنا إن الـ ٢٧ سفر هما وحدهم المعيار الوحيد للعقيدة والإيمان؟

نبتدي منين الحكاية؟

في رأيي كواحد من المسيحيين، بيحاول يدرس ويعقلن إيمانه، إن التفاصيل الدقيقة لإختيار الأسفار القانونية مش معروفة لنا. أقصد تحديدًا إن كتابات المسيحيين الأوائل – على حد علمي – مسجلتش تقرير مفصل عن الأسباب إللي أقنعتهم بالـ ٢٧ سفر للعهد الجديد بنفس الطريقة المتبعة في تقارير لجان تقصي الحقائق المعروفة في عصرنا حاليًا. مع ذلك، فمنطقي نفكر إنهم كانوا في وضعية أفضل مننا بكتير عشان يوصلوا للقناعة دي، على الأقل بحكم قرب الفترة الزمنية والتواصل مع إللي سبقهوهم. إللي يدعم المنطق ده، سبع حقايق سجلها علماء درسوا كتابات العهد الجديد والكتابات المسيحية وغير المسيحية في القرون الأربعة الأولى بالذات. وبيقدمولنا فيها شهادة كافية لاقناعنا إن اختيار الـ٢٧ سفر كمعيار إيماننا المسيحي مكانش أبدًا اختيار عشوائي أو من غير سبب. ولا كان نتيجة صراع إنتصر فيه الأقوى بس لإنه الأقوى وإللي بالتبعية كتب التاريخ.  

عشان كده، في باقي المقال هنتكلم عن الحقايق دي وإللي بتدعم صحة موقفنا بخصوص العهد الجديد. طبعًا وللأمانة، مفيش حقيقة أو سبب واحد لوحده هيكون كافي، لإنها – أقصد الحقايق دي – أشبه بشهادات بيقدمها "شهود الاثبات" في قضية معينة، تراكمها واتفاقها مع بعض هو اللي بيقود القاضي للدليل عشان يحكم حكم عادل ومنطقي، خصوصاً لو شهادات "شهود النفي" كانت ضعيفة ومتناقضة. النوع ده من الأدلة بيُسمى "دليل تراكمي" Cumulative Evidence وهو خلاصة تراكم حقايق كتير بتدعم قرار التاريخ حسمه وفصل فيه قبل كده، تمام ذي قرار الكنيسة المسيحية بخصوص أسفار العهد الجديد.

خلينا نسمع الشهود في قضيتنا، والحقايق اللي هيقولوها؟

الحقيقة الأولى

كتابات العهد الجديد هي أقدم كتابات مسيحية معروفة لنا، وكلها تقريبًا من القرن الأول.

الحقيقة دي بتتكلم عن زمن وتاريخ كتابة الأسفار في المقام الأول. والواضح إن فيه اتفاق كبير على إن تدوين أسفار العهد الجديد عملية تمت في القرن الأول. يمكن نقرا لعدد قليل أوي من العلماء بيجادل بخصوص كتاب اسمه "إنجيل توما"، إنه ممكن يكون اتكتب في القرن الأول. وده إنجيل اتفق أغلب العلماء على إنه "أبوكريفي أومزيف" أو زي ما بيقول عنه علماء العهد الجديد: "إنجيل منحول"، وهنقول ليه اقتنعوا بكده في الحقيقة التانية من نفس المقال. لكن اللي يهمنا دلوقتي إنهم مقدموش أدلة مقنعة على رأيهم بخصوص إنجيل توما حتى لأغلب العلماء المتحررين في فكرهم.

كمان فيه أقلية من علماء العهد الجديد مختلفة على زمن كتابة عدد محدود من رسائل بولس الرسول (رسالتين لتيموثاوس ورسالة لتيطس معاونين بولس في خدمته في أفسس وكريت على التوالي) وبيقترحوا إن تدوينهم حصل في القرن التاني، والكتاب كانوا من تلاميذ بولس. وبرغم إن كاتب المقال ده ضد رأيهم، لكن خلينا نفرض جدلاً صحة فكرتهم دي، ونشوف الفرض ده هيودينا فين.  في النهاية، وفي أسوأ الظروف، عندنا أربع بشاير لرسل المسيح ومعاونيهم: بشارة متى ومرقس ولوقا ويوحنا.  وعالأقل أربع رسائل لبولس الرسول اللي أكثر المدارس المتحررة في فكرها اعترفت إن بولس كاتبهم: غلاطية، ورومية ورسالتين لأهل كورنثوس. العقائد الأساسية للمسيحية موجودة في الرسائل دي اللي في رأيي هي أعمدة الفكر المسيحي في العهد الجديد، وتاريخ الكتابات دي من غير جدل يذكر هو القرن الأول. أرجو إن اللي بيقرا كلامي ميفترضش إني موافق رأيهم إن بولس كتب أربع رسائل بس، أبدًا! لكني بقول إن أكثر رأي متطرف في تحرره ظهر في المدارس النقدية مقدرش يشكك في أصالة أربع رسائل لبولس هنلاقي فيهم مع الأناجيل الأربعة أساسات العقيدة المسيحية (هوية يسوع المسيح كالمسيا ابن الله والمساوي له في الجوهر، موته على الصليب وحقيقة قيامته عشان نتحرر من الخطية والموت... راجع (١كورنثوس ١٥:‏١‑١١)، وبوفرة كمان!

لكن ليه الحقيقة الأولى مهمة؟ وإيه أهمية إن الكتابات دي من القرن الأول؟  وللإجابة أقول إن دي معلومة مهمة تضمن لنا إن كتاب الأسفار دي كانوا شهود عيان (أعمال ١:‏٢١، ٢٢)، أو تعاملوا مع شهود عيان لخدمة المسيح الجهارية وقيامته (غلاطية ٢؛ ١كورنثوس ١٥)، وكانوا لسه أحياء وقت تسجيلهم للي كتبوه... راجع مثلاً اللي قاله لوقا في (لوقا ١:‏١‑٤)، وخصوصاً جملة: "سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ".

وفي نهاية كلامنا عن الحقيقة الأولى، ضروري نفهم إن مش المقصود إن أي كتاب يرجع للقرن الأول هو كتاب قانوني، لكن العكس صحيح؛ بمعنى إن كل الكتابات المسيحية القانونية اللي بين إيدينا تاريخها يرجع للقرن الأول.

الحقيقة التانية

كل الكتابات اللي رفضها المسيحيين الأوائل كانت من القرن التاني أو بعده.

في الحقيقة دي هنناقش تاريخ تدوين الكتابات الأبوكريفية أو المنحولة للعهد الجديد، واللي رفضها المسيحيين الأوائل. كمثال:"إنجيل بطرس، إنجيل توما اللي اتكلمنا عنه في النقطة اللي فاتت، وأعمال يوحنا....إلخ". كل الكتابات دي، باتفاق العلماء المتحررين في فكرهم، واللي بعضهم حتى غير مسيحي، من إنتاج القرن التاني، وكثير منها مكتوبة في القرن التالت والرابع. لما نفكر في الحقيقة دي مع الحقيقة الأولى اللي قبلها عن الكتابات المسيحية القانونية هنلاقيهم بيكملوا بعض، وبيساعدونا شوية شوية نجمع خيوط القضية اللي بندرسها مع بعض عشان نقتنع أكتر.

طبعاً هنا ممكن حد يعترض ويقول: "ليه لازم تكون دي نقطة ضعف للكتابات الأبوكريفية؟ ليه مش ممكن تكون هي الأصح بالرغم من إنها مكتوبة في القرن التاني أو بعده؟"

وللإجابة مهم نعرف إن ده احتمال وارد. لكن لوحده مش كافي؛ محتاج شواهد تانية تسنده وتدعمه عشان نقبل إن الكتابات الأبوكريفية أوالمنحولة للعهد الجديد كان محتمل تكون قانونية. فالسؤال هنا: هل الشواهد دي موجودة؟

 بثقة أجاوب وأقول: بالعكس! الحقيقة إن كل الأدلة مش في صف كتابات الأبوكريفا أبداً، لكن ضدها، مثلًا:

  1. انتحال كاتب الإنجيل الأبوكريفي لاسم واحد من رسل المسيح زي بطرس أو يوحنا أو غيرهم بيشككنا بخصوص مصداقيته ومحتوى اللي بيقوله.
  2. ​كثير من الكتب دي فيه طابع أسطوري أو فقرات كإنها مكتوبة بشفرة سرية. مثلًا: في إنجيل بطرس المزيف، يسوع وهو خارج من القبر بعد قيامته قام زي وحش عملاق رأسه بتخبط في السحب، وكان فيه صليب بيمشي وراه، الصليب ده نفسه نطق بعد كده واتكلم! وفي نهاية إنجيل توما، بيقول سمعان بطرس للمسيح:  "دع مريم تتركنا، لإن النساء لسن مستحقات للحياة."  قال يسوع: "أنظر إنني سوف أقودها كي أجعلها ذكرًا من أجل إنها يمكن أن تصبح روحًا حية، تماثلكم أنتم يا رجال. لأن كل امرأة تجعل نفسها رجلاً سوف تدخل ملكوت السموات." والفقرة دي هي اقتباس حرفي للإصحاح الأخير في إنجيل توما اللي في بدايته– قصدي الإنجيل – مكتوب إنه أقوال سرية للمسيح. ده غير إن في كل الإنجيل –ده يعني لو صح نسميه إنجيل بمعنى بشارة – مفيش أي حدث تاريخي مكتوب! كلها أقوال متبعترة من غير أي ربط مع أحداث حياة المسيح المعروفة لنا في الأناجيل الأربعة!  ده مجرد مثال، وممكن اللي بيقرا المقال ده يطّلع بنفسه على الأناجيل اللي ذكرتها وغيرها من الأناجيل المزيفة.
  3. أخيراً اللي بنتأكد منه يوم بعد يوم أن الكتابات وأسلوبها المشفر تعبير واضح عن الهرطقة الغنوسية (هرطقة يعني فكر مرفوض من الكنيسة المسيحية)، واللي انتشرت في القرون من التاني للخامس الميلادي ومش ممكن تكون امتداد لفكر يسوع المسيح وتلاميذه اللي من أصول يهودية. لإنها مثلاً بتعلم إن اللي خلق العالم ده إله شرير، وإن المادة في حد ذاتها شر، وإن الخلاص بالمعرفة (كلمة غنوسية من الكلمة gnosis بمعنى معرفة)! وطبعًا ده ضد كل الفكر الكتابي اليهودي والمسيحي اللي بيقول إن الله الصالح خلق العالم، وقال وقت ما كمل خلقه عنه "حسن جدًا."

والنقطة الأخيرة دي عن تناقض فكر الكتابات الأبوكريفية مع فكر رسل المسيح ومعاونيهم هتقودنا للحقيقة اللي جاية، الحقيقة التالتة.

الحقيقة التالتة

كتابات العهد الجديد هي– عموماً – كتابات رسولية.

الحقيقة دي بتتكلم عن شخصية الكُتَّاًب نفسهم. بشكل عام، كل كتاب الـ ٢٧ سفر من رسل المسيح بالمعنى الأوسع للكلمة. المقصود بالمعنى العام لإننا نقول عن سفر أو إنجيل إنه رسولي، إن رسول يكون هو اللي كتب بنفسه أو أشرف على عملية الكتابة، وصدق عليها. المفيد في الحقيقة دي إنها بتساعدنا نفهم ليه الهراطقة في القرون من التاني للرابع نسبوا كتاباتهم لرسل المسيح عشان يدّوها وزن، زي "إنجيل توما"، و"إنجيل بطرس"، و"أعمال يوحنا"، وحتى "إنجيل الاثنى عشر." وبالتالي، فبدلًا من تشكيكنا في الطابع الرسولي للعهد الجديد، ساعدونا من غير ما يقصدوا في التأكيد على أهميته!

الشهادة الداخلية كلها للعهد الجديد بتأكد الحقيقة دي. مثلاً: اعتبر بولس رسول المسيح إن إنجيل لوقا بنفس قوة أسفار العهد القديم، لإنه استخدم تعبير اصطلاحي بيستخدم في العهد الجديد حوالي ٥١ لوصف الكتابات الموحى بها من الله في العهد القديم. وبيوصف بيه إنجيل لوقا وسفر التثنية بالتساوي (١تيموثاوس ٥:‏١٨ مع تثنية ٢٥:‏٤ ولوقا ١٠:‏٧). وده يقولنا إن بولس مكانش شايف إن فيه مشكلة في إنه يوصف إنجيل لوقا ككتاب موحى به من الله. كمان بطرس بيعترف بكتابات بولس في نَصّ تاني (٢بطرس ٣:‏١٥، ١٦). ده غير إن كتابات العهد الجديد من الرسايل اتوزعت على الكنايس عشان تتقري كجزء أساسي من العبادة المسيحية (كولوسي ٤:‏١٦ و١تسالونيكي ٥:‏٢٧).

الحقيقة الرابعة

بنهاية القرن التاني، كان الاقتناع بالأناجيل الأربعة قضية محسومة.

بيكتب واحد من قيادات الكنيسة في نهاية القرن التاني اسمه الأسقف إيريناوس، وتحديداً سنة ١٨٠ م ويقول في كلامه ضد الهراطقة الغنوسيين اللي اتكلمنا عن فكرهم في الحقيقة التانية إن المسيحيين عندهم أربع بشاير ذي اتجاهات العالم الأربعة. الملفت للنظر في التشبيه ده، إن إيريناوس مش بيشرح ليه الأربع أناجيل هما بس القانونيين، لإن في الوقت ده كانت الأناجيل الأربعة فرضت نفسها تلقائياً على المشهد. وبالتالي إيريناوس اللي بيكتب في وقته وبيقول إنه عارف أسماء الأساقفة اللي الرسل عينوهم بالاسم في كل العالم، ميعرفش أناجيل قانونية غير الأربعة: متى ومرقس ولوقا ويوحنا. وده زى معرفته بالاتجاهات الرئيسية الأربعة للرياح في الخليقة المعروفة لنا.

البعض حاول يشكك في إن شهادة إيريناوس كافية لاقناعنا. عشان كده مهم نعرف إن إيريناوس مش بيعبر عن رأي شخصي بينفرد بيه، لكن ده كان إجماع المسيحيين الحقيقيين في وقته. مثلاً:  المعاصرين لإيريناوس زي كلمندس السكندري وثيؤفيلوس الأنطاكي أمثلة تانية على انتشار القناعة دي على وجود أربع أناجيل، وأربعة بس. وده اللي خلى كاتب مسيحي اسمه "تاتيان" كتب سنة ١٧٠ م كتاب اسمه "الدياطسرون"، وده واحد من الكتابات المسيحية الكلاسيكية، اللي كان أول شرح مسيحي مفصل لتوافق الأناجيل الأربعة مع بعضها برغم إنها مختلفة في تفاصيل سردها لحياة وتعليم المسيح. فكر معايا لو سمحت، إيه اللي يخلي كاتب يقضي كل الوقت والمجهود ده في عصره واللي قطعاً واضح لأي دارس لكتاب "الدياطسرون"، إلا لو كان مقتنع إن الأناجيل دي هي بس اللي ليها مصداقية وسلطة، واللي مستحيل تكون متناقضة، وبالتالي يجتهد لإظهار توافقها مع بعض. الجميل إن تاتيان، تمام زي إيريناوس مش مفترض وجود إنجيل خامس أو سادس محتاج يظهر توافقه أو اختلافه مع باقي الأناجيل الأربعة: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وده متماشي مع تلقائية قبول المسيحيين الأوائل لشهادة الأربع أناجيل بس. دليل أخير على صحة الفكرة دي، هو اكتشاف لايحة اسمها "لائحة موراتوري" تاريخها بيرجع لنهاية القرن التاني، تقريباً سنة ١٧٠م.  اللائحة دي ماتكلمتش عن أي إنجيل غير الأناجيل الأربعة.

الحقيقة الخامسة

اختلاف المسيحيين الأوائل على قانونية عدد محدود جداً من كتب العهد الجديد حقيقة محاولوش يخفوها، ولها مبرر، وعمرها ما هتوصلنا لمسيحية مختلفة غير المسيحية التاريخية.

في الحقيقة دي ضروري نفهم إن عدد الأسفار اللي أخدت وقت طويل من التفكير والمناقشة في الكنيسة الأولى كان عدد محدود جداً. مثلاً: العلامة المسيحي أوريجانوس من القرن التاني بيقول إن رسائل بطرس التانية، ويوحنا التانية والتالتة، ويعقوب كان فيه اختلاف بين المسيحيين في عصره على قانونيتهم. كمان بنقرا عن ديونيسيوس الكبير من القرن التالت إن البعض قبله شكك في إن يوحنا هو كاتب سفر الرؤيا وعشان كده مش المفروض يكون سفر قانوني (مع ذلك ديونيسويس الكبير نفسه اقتنع إن الشكوك دي ضعيفة، لدرجة إنه كتب تفسير لسفر الرؤيا!).  وحتى لائحة موراتوري اللي اتكملنا عنها في الحقيقة الرابعة ذكرت ٢٢ سفر من أصل الـ ٢٧ المعروفين لنا حالياً لإن كان النقاش حوالين باقي الأسفار غير منتهي. ولينا هنا شوية تعليقات:

أولًا: حقيقة إن الخلاف كان مُعلن بتوضح إن محدش في الكنيسة كان شايف إن ده أمر غريب أو شاذ، ولا حتى تهديد لمضمون البشارة المسيحية (هوية يسوع المسيح باعتباره المسيا ابن الله، معنى صلبه وحقيقة قيامته من الموت عشان يحررنا من الخطية والموت...إلخ) (راجع ١كورنثوس ١٥:‏١‑١١).

ثانيًا: من المبالغة في رأيي إننا نضخم من حجم الاختلاف على عدد محدود من أسفار العهد الجديد، واللي على أكتر تقدير ٥ رسائل، وننسى الاجماع المسيحي المبكر على ٢٢ سفر.

ثالثًا: الافتراض اللي كتير بيتصوره البعض هو إن الإيمان بصحة العهد الجديد مش ممكن إلا لو كل المسيحيين في كل وقت اتفقوا على الـ ٢٧ سفر من البداية للنهاية! ومحدش بيحط في اعتباره وهو بيفترض ده إن بعض الرسائل دي أخدت وقتها عشان تنتشر وتتقري كويس جداً ويتأكد الباقي من إن اللي كاتبها واحد من الرسل أو معاونيهم. وطبعاً كل ده في القرن الأول؛ قبل وسائل الاتصال الحديثة، يعني محتاج وقت مش قليل! بس يا ترى الافتراض ده جاي منين؟ هل دي طريقة الله في الكتاب المقدس وخصوصاً العهد الجديد؟ الإجابة: طبعاً لا!  بحسب إيماننا كمسيحيين، الله الظاهر في الجسد، قدم نفسه لشعبه ولتلاميذه وكشف عن هويته لتلاميذه ورسله بطريقة متدرجة. على مدار ثلاث سنين كانوا بيكتشفوا هويته ويتقدموا أكتر في معرفتهم بيه. وفي يوم من الأيام سألهم يسوع: الناس بتقول عليا مين؟ وردهم كان: ناس بتقول إنك إيليا، وناس بتقول يوحنا المعمدان، أو أرميا أو واحد من أنبياء في العهد القديم. وفي الآخر سأل: وإنتم بتقولوا عليا إيه؟ ولما رد عليه بطرس قائد الرسل، وقاله "إنت المسيح ابن الله الحي" أكد على كلامه وأيد إيمانه. (راجع متى ١٦:‏١٦‑١٩). ومع ذلك، فوقت الصلب كلهم هربوا وبطرس أنكره! وبعد القيامة، رجع يأكد لهم هو مين ويشرحلهم من العهد القديم ليه كان لازم يتألم ويموت ويقوم من الموت ويفكرهم بكل اللي قاله قبل صليبه (راجع لوقا ٢٤:‏١٣‑٤٧).  وأنا هنا بسأل: "ليه بنفترض إن اكتشاف الأسفار القانونية يكون بشكل آلي أوتوماتيكي من غير نقاش ولا تفكير ولا حيرة؟" إزاي الله اللي صار إنسان وسمح للبشر يتعرفوا عليه ويآمنوا بيه من خلال كل الآلام والمعاناة لحد الموت يكون بيغير أسلوبه فجأة ويقرر مثلاً ينزل كلامه مكتوب على لوح ذهب كل اللي يقرب منه بأذى تجيله بلعنة؟!

مع ذلك بأكد إن مجمل الرسائل المختلف عليها مش هتغير أي عقيدة مسيحية واحدة.

الحقيقة السادسة

كتابات المسيحيين الأوائل تقتبس من كل كتابات العهد الجديد تقريباً.

الحقيقة دي بتقول إن الكتاب المسيحيين الأوائل كانوا دائماً بيتعاموا مع الأسفار الـ ٢٧ باعتبارها مرجع لإيمانهم، مش مجرد كتابات مفيدة ممكن تصيب وممكن تخطيء زي ما أي كاتب بيقتبس من كتاب مؤثرين في عصره.  لدرجة إن إيريناوس اقتبس حوالي ٩٤٦ مرة من كل العهد الجديد، ٧١٣ مرة من رسائل بولس، و٥٣٢ من الأناجيل الأربعة، و١١٢ مرة من باقي العهد الجديد. وكمان كلمندس السكندري، اللي مشهور بكونه فيلسوف مسيحي، بيقتبس من إنجيل متى لوحده ٧٥٧ مرة!

الملاحظة دي مش بس بنستنتجها من كتابات المسيحيين اللي إيمانهم حقيقي. لكن كمان في الجدل اللي كان بيحصل بخصوص عقيدة معينة. على سبيل المثال، في الجدل حوالين طبيعة المسيح، كان القديس الشهير أثناسيوس السكندري، هو والهرطوقي آريوس بيرجعوا لمناقشة نفس النصوص! مفيش غيرها هي المعيار الآخير والنهائي واللي مصداقيتها أعلى من أي تفاسير وشروحات للعقيدة، وده اعتراف ضمني بقانونيتها.

الحقيقة السابعة والأخيرة

قانونية أسفار العهد الجديد مكانتش أبداً من اختصاص مجمع نيقية أو غيره من مجامع الكنيسة.

الحقيقة إن فكرة إن المسيحيين اتجمعوا في مجمع كنسي زي نيقية مثلاً أو أي مجمع تاني عشان يقرروا أي كُتِب هي القانونية وأيها غير كده فكرة منتشرة بس على صفحات الانترنت و في الكتابات الشعبية اللي بتهاجم المسيحية تحت تأثير ما يعرف بنظرية المؤامرة. الفكرة دي كان "دان براون" في روايته "شفرة دافنشي" سبب من أسباب انتشارها، ودي فكرة استخدمها ماخترعهاش لإنه ببساطة مكانش بيكتب تاريخ موثق، لكن رواية.   والحقيقة إن القانونية عمرها ما كانت اختصاص أي مجمع مسيحي.  لكن كانت قائمة أسفار الكتاب المقدس بتذكر فيها كأمر واقع.  "بارت إيرمان" نفسه كواحد من أشرس المهاجمين للمسيحية، أقر الحقيقة دي في كتابه Lost Christianities، وفي صفحة ٢٣١ قال تحديداً إن الاقرار بقانونية الأسفار اللي بين أيدينا كمسيحيين مش بيرجع لقرارات مجمعية أو اعترافات سلطة مؤسسة مسيحية فرضته على الشعب المسيحي كفرض، لكن من خلال اجماع تلقائي فرض نفسه على المشهد، وكان متوافق مع الإيمان المسيحي المسلم مرة (يهوذا ٣).

القصة وما فيها

خلاصة الكلام إن الدليل التراكمي في صالح تأييد تاريخية وقانونية أسفار العهد الجديد الـ ٢٧  كأصدق تعبيرعن الإيمان المسيحي أقوى بكتير من أي رأي تاني معارض. القضية مش قضية احتمالات وافتراضات ممكن أي شخص يفكر فيها، وهو بيتصور إن المسيحيين اللي انتشروا في كل قارات العالم القديم وقتها على مدارعشرات السنين، وانتشرت معاهم كتاباتهم المقدسة وعلى رأسها الـ ٢٧ سفر كانوا مجموعة من السذج ممكن يُخدعوا. أو حتى هما نفسهم يخططوا لمؤامرة كونية مش معروف إمتي ولا ليه ولا إزاي خططولها، وقدروا ينفذوها ببراعة وسط صمت تام من كل اللي بيكتبوا التاريخ. حقيقي مفيش حد يقدر يمنع حد من إنه يحط احتمالات.  لكنها بتفضل احتمالات نظرية تفتقر لشواهد...وذي ما بيقولوا: "البينة على من ادعى."

طب ولو اكتشفوا سفر أو إنجيل ممكن يكون اتكتب في القرن الأول هيكون موقفنا إيه كمسيحيين؟

الحقيقة إن ده سؤال مشروع وخلال العشر سنين اللي فاتوا كان فيه اكتشاف لإنجيل اسمه "إنجيل يهوذا" قرب نجع حمادي في صعيد مصر. واللي حصل إن الدارسين المتخصصين قدروا يقروه ويقدروا زمن كتابته ويفهموا محتواه.  والاكتشاف ده كان معلن، مكانش سر ولا حاجة. كل الناس عرفت بيه، وعرفت معاه من خلال دراسات علماء زي Simon Gathercole أستاذ العهد الجديد في جامعة كامبردج إنه "إنجيل غنوسي" زي الأناجيل اللي اتكلمنا عليها في الحقيقة التانية؛ إنجيل بطرس وغيره.

بصراحة إنت محتاج إيمان ملهوش أي مبرر مقنع عشان تصدق إن كانت فيه مسيحية تانية غير المسيحية اللي اتعلمنا عنها من الـ ٢٧ سفر في العهد الجديد، وأنا حقيقة معنديش الإيمان الكافي ده اللي يخليني أصدق افتراض أصعب بكتير من الإيمان المعقول بتاريخية العهد الجديد، إيماني وإيمان الكنيسة من ٢٠٠٠ سنة.

الأقسام: