
ما هي العبادة التي تحيد عن مركزية الله؟ العبادة الدائرة حول آخر غير الله ليست عبادة! هذه الإجابة ببساطة. فقد تكون تجمُّعًا دينيًّا، أو قد يصفها البعض مثيرة، أو حتى مُشبَّعة بالمعلومات، لكنها بحسب التعريف ليست عبادة. من بين الفضائل الأولية للعبادة المُصلَحة الكتابية تمركزها حول الله، فهيكلها ومحتواها لا يشوبهما أي لَبْس حول ما اجتمع شعب الله ليفعلوه. يجتمع الشعب لكي يقدِّموا علنًا لله ذبيحة التسبيح (عبرانيين ١٣: ١٥). إن تجمُّع الكنيسة لتقديم عبادة مُصلَحة كتابية هو اجتماع للقاء، ومعرفة، وتمجيد الله الثالوث، الآب والابن والروح القدس. وهذه هي العبادة كما يجب أن تكون. يقول روبرت جي. رايبورن Robert G. Rayburn: "من الضروري أن ندرك أن كل عبادة مسيحية حقيقية يجب أن يكون مركزها الله، فحركة العبادة الأساسية وتركيزها يوجَّهان نحو الله."
بالكاد يقف أي قائد لخدمة العبادة على منبر الكنيسة إلا ويدَّعي أنها عبادة محورها الله. لكن ماذا نقصد نحن المدافعين عن العبادة المُصلَحة الكتابية بالضبط عندما نزعم تمركز عبادتنا حول الله؟ نحن نعني أن عبادتنا موَّجهة نحو الله. فالتسبيح يُقدَّم له، والاعتراف يُرفَع إليه، والطلبات تُقدَّم له، وهو يوجِّه كلمته إلينا، ويلتقينا على مائدته. أليست هذه هي لغة العبادة في الكتاب المقدس؟ نحن "نقترب" إلى الله في العبادة (يعقوب ٤: ٨- ١٠؛ عبرانيين ٤: ١٥، ١٦؛ ١٠: ١٩- ٢٣). ونحن نَهِب مجدًا لاسمه (١أخبار الأيام ١١: ٢٩؛ مزمور ٢٩: ٢؛ ٩٦: ٧). وأمامه نسجد ونركع (مزمور ٩٥: ٦، ٧) إذ ندخل أبوابه بـ"الحمد والتسبيح" (مزمور ١٠٠: ٢). الشواهد المؤكِّدة لهذا الحق لا نهائية. كل ما في العبادة يتمركز حول الله ويُوجَّه إليه. حتى عند قراءة الكتاب المقدس والوعظ به، فإننا نعبد الله بقبول كلمته والخضوع لها (٢تيموثاوس ٣: ١٦). قال الرب يسوع: "لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (متّى ٤: ١٠).
أخيرًا هناك خياران فقط في العبادة، إما أن تتمركز حول الإنسان أو حول الله. كلمة العبادة (Worship) في أصلها باللغة الإنجليزية تعني "مُستحِق القيمة" (worth-ship)، أي الاعتراف بإجلال الله. تلتقي الجماعة للقيام بأمور أخرى، مثل ترتيب الخدمة في الكنيسة، أو ممارسة التأديب الكَنَسي، أو التمتع بالشركة، كما أنها في أوقات أخرى أيضًا تجتمع لتكريس الوقت للموسيقى، أو دراسة الكتاب المقدس، أو الكرازة. لا ينبغي أبدًا الخلط بين العبادة وهذه الأنشطة الأخرى، على الرغم من احتمالية كونها عناصر أو نتائج ثانوية للعبادة. الوقت المُكرَّس للعبادة الصحيحة يجب أن يتكوَّن، في المقام الأول، من ممارسات تعبُّدية جماعية، والتي تهدف، في المقام الثاني، إلى تمجيد الله. يجب أن يُسأل عن أي نشاط مقترح إدراجه في خدمة العبادة: هل هو تعبُّدي بطبيعته؟ وهل هدفه الأول والأهم هو إرضاء الله وإكرامه وتمجيده؟
يعني هذا أنه لكي تتمحور الخدمة حول الله، لا يمكن أن يكون تركيزها على الهالكين، ولا القديسين، ولا الخبرات الشخصية. خدمة العبادة الصحيحة لديها الكثير بالفعل لتقوله للهالكين، والكثير لبناء القديسين، والكثير مما هو غني اختباريًّا. في حقيقة الأمر، نحن نزعم أن العبادة المُصلَحة الكتابية هي على الأرجح الأغنى اختباريًّا بين جميع أنواع العبادة، حيث تُبهِج النفس بتسبيح غني لله، واعتراف عميق بالخطية، وتقدير متجدد لوعود الغفران من خلال صليب المسيح، ومن ثَمَّ يتدفق السلام والفرح والاكتفاء. العبادة المُصلَحة الكتابية تتخلَّلُها الصلاة الشفاعية التي تُجسِّد اعتمادنا على الروح القدس من أجل القداسة والتشبُّه بالمسيح. كما أنها تؤكِّد أيضًا على قراءة كلمة الله ووعظها تفسيريًا، وهما أمران يغذيان النفس ويشبعانها. تُثمِر كل هذه الصلوات والعظات تأثيرًا على الهالكين وبناءً في القديسين. وهكذا لا تهدف العبادة الصحيحة إلى تحقيق "خبرتي الشخصية". فتحقيق اختبار شخصي مُشبع هو نتيجة ثانوية لمركزية الله في عبادتنا.
ومن المفارقات غير المتوقَعة أنه نظرًا لأن العبادة المُصلَحة الكتابية هدفها ومركزها الله، فإنها تُمهِّد الطريق لاختبار أصدق وأعمق لحضور الله مما هو مُحتمَل في خدمة تهدف إلى الاختبار (أو البنيان أو الكرازة) في حد ذاتهم. الخدمة تتمحور حول الله، وهذا أمر ضروري. وعلى الرغم من ذلك، لا تدور الخدمة حول الله كفكرة مجردة، بل كشخصٍ. تهتم العبادة بكل من تسبيحِه وحضورِه. نحن نقترب إليه لا فقط لكي نُمجِّده، بل أيضًا لنتمتع به. العابدون والساجدون الحقيقيون يشتاقون أن "يَنْظُرُوا إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ" (مزمور ٢٧: ٤، ٥). إنهم يطلبون حضوره حيث يجدون "شِبَعُ سُرُورٍ" (مزمور ١٦: ١١). هم كما الإيل الذي يشتاق إلى جداول المياه (مزمور ٤٢: ١)، يصرخون إلى الله: "أَشْبِعْنَا بِالْغَدَاةِ مِنْ رَحْمَتِكَ" (مزمور ٩٠: ١٤). ربما نحاول هنا توضيح التمييز شديد الدقة، ولكنه تمييز يجب إجراؤه: الله الذي نطلبه هو شخص. وفيما نطلبه هو (وليس مجرد اختبار معه)، فإننا نُمجِّده ونتمتع به بالفعل.
تبدأ الحياة المسيحية عندما تحدث ثورة مثل التي أدخلها "كوبرنيكوس" [مؤسس عِلم الفَلَك الحديث ١٤٧٣ - ١٥٤٣] على منظور الكَوْن، بعبارة أخرى حين أزيح نفسي عن مركز الكون وأدرك أن الله وحده يَملُك هناك (متّى ١٦: ٢٤؛ رومية ١٢: ١، ٢). ولا يوجد موقع آخر فيه يسطع لمعان هذه الثورة كما في عبادة الكنيسة. فإن حتى منتقدي العبادة المُصلَحة الكتابية سيضطرون إلى الاعتراف بأن التمركز حول الله هو نقطة قوة الليتورجيات التقليدية.
من ناحية أخرى، فإن مسار العبادة المعاصرة ليس مشجِّعًا لأولئك الذين يرغبون في البقاء متمركزين حول الله. يستنكر آر. كينت هيوز R. Kent Hughes التحول المعاصر من التمركز حول الله إلى التمركز حول الإنسان. ويُلاحِظ أن العبادة الجماعية "قد اتخذت شكل تجربة أداء تُنفَّذ لإسعاد جمهور خلافًا للهدف الأساسي منها بكونها فعل تقوم الجماعة به." إن خشبات المسرح ومقاعده وبرامجه و"موسيقاه الخاصة" وتبني قادة العبادة وقفات المؤدين العلمانيين وإيماءاتهم، كلها تشير إلى أن أولوية الكنيسة المعاصرة هي ترفيه الجماعة، لا عبادة الله. يجب على الكنائس وقادتها أن يسألوا أنفسهم سؤالًا غاية في البساطة: ما الذي يريدون أن يكون محور تركيز العابدين عندما يأتون إلى الكنيسة كل أحد؟ ماذا يريدون أن تكون غايتهم الأساسية؟ هل يريدون أن يرى الحضور في الكنيسة أنفسهم وكأنهم "جمهور استوديو" يُكوِّن خلفية المشهد الذي تصل رسالة الخلاص من خلاله لغير المُخلَّصين؟ هل يريدونهم أن يأتوا لسماع محاضرة قيِّمة؟ هل يريدونهم أن يسعوا وراء اختبار شخصي مثير؟ هل يريدونهم أن يأتوا كمستهلكين ساعين وراء ترفيه روحي؟ أم أنهم يريدون أن يأتي الناس لكي يلتقوا بالإله الحي الحقيقي مُقدِّمين له تسبيحًا علنيًّا "بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ" (يوحنّا ٤: ٧) و"بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى" (عبرانيين ١٢: ٢٨)؟ أليس منطقيًا أنه إذا كانت خدمة العبادة هي خدمة عبادة بحق، فإن كل ما يحدث داخل تلك الخدمة يجب أن يصطبغ بطابع تعبُّدي موجَّه نحو الله. يجب أن يكون الله في مركز الكل. يجب أن يكون هو المحور، وكل آخر يجب أن يدور حوله.
تيري جونسون Terry Johnson
القس تيري إل. جونسون هو الراعي الأصيل في "الكنيسة المشيخية المستقلة" (Independent Presbyterian Church) في سافانا، بولاية جورجيا. وقد ألَّف العديد من الكتب، ومنها "هوية الله وصفاته" (The Identity and Attributes of God)، والسلسلة رباعية الأجزاء "نصوص مُغيِّرة" (Texts That Transform).
نُشر هذا المقال وتُرجِم بإذن من خدمات ليجونير. يمكنكم قراءة النسخة الإنجليزية من الرابط التالي God-centered Worship





