
عندما نتكلَّم عن قانونِ الإيمان أو عمَّا نؤمن به، عادةً نفكِّر في شخصيَّةِ الله، وفي فسادِ الإنسان واحتياجه إلى الخلاص، وفي عملِ المسيح والرُّوحِ القدس. لكنَّنا قد لا نتصوَّر أنَّ إيمانَنا عن الكنيسةِ هو أمرٌ عقيديٌّ أصيلٌ في بنيان إيماننا. غير أنَّنا، بمراجعةِ قانونِ الإيمان، نجد أنَّ أحدَ بنود الإيمان الرئيسة هو الإيمانُ بكنيسةٍ واحدةٍ مُقدَّسَةٍ جامعةٍ رسوليَّةٍ. ومع أنَّنا نحفظ هذه الكلمات جيِّدًا، فإنَّنا قد لا ندرك حقًّا معنى كلِّ كلمةٍ فيها. في هذا المقال سنتأمَّل في معنى أن تكونَ الكنيسةُ مُقدَّسَةً.
لِنُرَاجعْ ما يقولُه بولسُ عن الكنيسة في أفسس ٢: ١٨- ٢١:
"لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ. فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ، مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ."
"يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ". هويَّةُ الكنيسةِ هي أنَّها مُقدَّسة، أي مُخصَّصة لله، وذلك لأنَّ اللهَ نفسه يسكنُ فيها. الكنيسةُ هي مكانُ حضورِ الله وسط شعبه، وحيث يكون حضورُ الله، يصير هذا المكانُ أو هذه الجماعةُ مُقدَّسَين! فالكنيسة هي مسكنُ الله بين شعبه. فكيف يمكن أن نقولَ إنَّ الله قدُّوسٌ، ونحن شعبه لا نكون مُقدَّسين!
انظر ما يقوله بولس في ١كورنثوس ٣: ١٦، ١٧:
"أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ، لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ."
الكَنِيسَةُ المُقدَّسَةُ: مَسْكَنُ اللهِ! لماذا تُوصَف الكنيسةُ هنا بأنَّها مُقدَّسة؟ القداسةُ تنبعُ من الحضورِ الإلهيِّ، لا من الأعمال البشريَّة. الكنيسةُ مُقدَّسةٌ لأنَّ اللهَ يسكن فيها ويملكها، لا لأنَّ أعضاءها معصومون.
الكنيسةُ إذًا، مُخصَّصةٌ للهِ من العالمِ، لتكونَ مكانَ حضورِه.
يكرِّر الرسول بطرسُ الأمرَ نفسه في ١بطرس ٢: ٩: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ."
هذه لغةٌ مأخوذة من خروج ١٩، حيثُ قالَ اللهُ الأمرَ عينَه عن شعبِ إسرائيل بعد الخروج من مصر. لاحِظْ أنَّهم قد صاروا أمَّةً مُقدَّسةً دون أن يفعلوا شيئًا. إنَّه عملُ نعمةِ اللهِ الذي قدَّسَهم، أي خصَّصهم لنفسه، وقرَّر في نعمته أن يسكن في وسطهم.
حضورُ الله في وسطهم يجعلهم مُقدَّسين. فحيثُ يحضر اللهُ نكون في حضرةٍ مُقدَّسةٍ، كما أنَّ حضورَ الله في العُلَّيقَة جعلَ المكانَ مُقدَّسًا. وأورشليمُ الجديدة هي المدينة المُقدَّسة لأنَّها مسكنُ اللهِ مع الناس.
فالكنيسةُ هي المكانُ الذي فيه حضورُ الله، والذي فيه يعلنُ اللهُ نفسَه على نحوٍ خاصٍّ.
والكنيسة ليست فقط مُقدَّسةً بصفتها كيانًا جماعيًّا، بل إنَّ كلَّ أعضائها مُقدَّسون.
تأمَّل كيف يعبِّر بولسُ عن هاتينِ الحقيقتينِ: إنَّنا مُقدَّسون بوصفنا أفرادًا، وفي الوقت نفسه بوصفنا كنيسةَ الله، أي ملكه ومكان حضوره:
"إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ." (١كورنثوس ١: ٢)
لاحظ معي أنها كنيسةُ الله التي في كورنثوس، المُقدَّسون في المسيح يسوع (بوصفهم أفرادًا). وليسوا وحدَهم كذلك، بل إنَّ جميع الذين يدعون باسم ربِّنا يسوع المسيح في كلِّ مكانٍ هم قدِّيسون.
ولذلك فإنَّ الله دائمًا غيورٌ على الكنيسةِ وعلى كلِّ ما يجري فيها!
لقد دعا اللهُ شعبَه في الخروج شعبًا مُقدَّسًا، ولذلك أعطاهم كثيرًا من قوانين القداسةِ التي يجب أن يتبعوها ويحيوا بحسبها.
كيف يمكن أن يسكنَ اللهُ وسطَ شعبٍ لا يعبأ بالقداسةِ أو بمشابهتِه؟
عندما أعطى اللهُ الوصايا العشر لشعبِه، كان يطالبهم أن يحيوا مثله: يكونوا صادقين لأنَّه صادقٌ، ويكونوا أمناء لأنَّه أمينٌ. ولذلك يقولُ اللهُ لشعبِه في العهدِ القديم والعهدِ الجديد: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ»
فمقامُ الكنيسةِ، بصفتها جماعةً مُقدَّسةً بسببِ عملِ الله في حياةِ أفرادها وسُكناه في وسطها، هو بدايةُ أمرٍ لا نهايته.
فهذه الجماعة تسعى دائمًا إلى حياةِ القداسة، والله يأمرها دائما بالقداسة: "اِتْبَعُوا الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ" (عبرانيِّين ١٢: ١٤)، فالمواطنون الحقيقيُّون في ملكوتِ الله هم الجياعُ والعطاشُ إلى البرِّ.
لكن، مرَّة أخرى، لاحظ معي هذا الترتيب لأنَّه مهمٌ: نحن لا نصير شعبَ الله لأنَّنا تقدَّسنا، بل الله هو الذي يُقدِّس خُطاةً مثلنا، ويجعلنا شعبَه، ويختار أن يسكنَ فينا وفي وسطنا. وبما أنَّه يسكن فينا، فإنَّه يتوقَّع منَّا أن نحيا في قداسةٍ تعكس مجدَه وقداسته، وتدرك أنَّنا ننتمي إليه قبل أيِّ شيءٍ آخر.
لا نتوقَّع أن تكونَ الكنيسةُ كاملةً في هذه الحياةِ. فالكنيسةُ ما زال فيها بعضُ العيوب. نعم، تحرَّرت الكنيسة من سلطان الخطيَّة، لكنَّ الخطيَّةَ محيطة بها بسهولةٍ. ومع أنَّ القداسةَ الكاملة لم تتحقَّق بعد، فيجب أن تكونَ هذه القداسةُ الكاملةُ هدفَها دائمًا.
لذلك يجب أن نعي جيِّدًا أنَّ الله لا يتهاون في قداسته، فهو يتوقَّع من شعبه أن ينقِّيَ نفسَه دائمًا. اللهُ يعلم أنَّنا لسنا كاملين، وفي نعمته يعطينا وسائطَ النعمةِ دائمًا لينقِّينا ويطهِّرنا، وهو ساكنٌ فينا ومعنا. لكنَّه لا يطيق الاستباحةَ، لا يطيق الإثمَ والاعتكافَ.
لذلك يُعَدُّ التأديبُ الكنسيُّ مِن هباتِ المسيح لكنيسته، الذي ينقِّي به الربُّ كنيستَه التي يسكن فيها. لذلك لا ينبغي للكنيسةِ أن تقبلَ في عضويَّتها مَن يصرُّ على الخطيَّة رغم تحذيرِ الإخوة والشيوخ له.
(١كورنثوس ٥: ٧) "إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ."
لذلك، ونحن نفكِّر في الكنيسةِ يجب أن نتذكَّرَ أنَّها عروسُ المسيحِ، الذي يعمل على تنقيتها دائمًا ولا يطيق أن يراها نجسة.
وإن أصرَّت كنيسةٌ ما على عدمِ السلوك في القداسة، رغم كلِّ تعاملات الربِّ معها، وتحذيراته وتأديبه لها، فإنَّ الربَّ يتركها كما تركَ الهيكلَ في سفر حزقيال. إذ كان الشعبُ يمارس كثيرًا من الأنشطةِ الدينيَّة، لكنَّ اللهَ لم يكن حاضرًا فيها (حزقيال ٨). وكذلك قد تجد الكنيسةُ نفسَها منغمسةً في أنشطةٍ دينيَّة، في حين أنَّ الخطيَّة مترعرعةٌ فيها، والإنجيلَ غائبٌ عنها، والكلمةَ مُهمَلةٌ فيها، والمسيحَ مُهانٌ بين أعضائها.
فيتركها المسيحُ، ولا تعود مكانَ حضورِ الله، بل إنَّ الكتاب المُقدَّس يصف بعض الكنائس بأنَّها صارت مجمعَ الشيطان!
يقول جون أوين: "تكوين كنائس من معتادي الخطيَّة، أو ممَّن يحيون فيها، لا يعني إقامةَ هياكلَ لسُكنى المسيحِ، بل كنائس للشيطان!"
تخيَّل هذا التحوُّلَ: من كنيسةٍ مُقدَّسةٍ إلى مجمعِ الشيطان!
فلنتذكَّر أنَّ الكنيسةَ هي مكانُ حضورِ الله: ونحن نخدمُ، ونعظُ، ونُعِدُّ خدماتنا وعِظاتنا، ونجتمعُ اجتماعات تدبيريَّة، ونعلِّمُ أطفالنا وشبابنا، ونقدِّمُ المشورةَ، ونتعاملُ مع مَن هم خارج الكنيسة، ومع الحالات الصعبة داخلها. تذكَّرْ معي أنَّها كنيسةُ الله الحيِّ، مكانُ حضورِه وسكناه.





