
في الفصل الثاني من كتاب "أدوات بين يدي الفادي" (Instruments in the Redeemer's Hands) يروي (بول ديفيد تريب Paul David Tripp) قصة أحد أعضاء الكنيسة الذي اتصل بالراعي ليطلب منه مساعدة أحدهم. رد (تريب) على هذا العضو: "أليست محبة الله مذهلة؟ إن الله يهتم بهذا الرجل لدرجة أنه وضع أحد أبنائه في طريقه. إن الله مهتم بك وقد منحك الفرصة لتكون أداة في يديه." لدى الكثير منا ممن ليسوا رعاة ميل ورغبة أن يفعل الراعي كل شيء! نحن نتوقع منه أن يكون مسؤولًا عن كل شيء بدءًا من نقل الطاولات لاجتماع السيدات، وإلى كونه المسؤول الإداري الرئيسي. يقينًا ليس هذا هو دور الراعي! على طرف نقيض في العديد من الكنائس يطمح الراعي أن يكون هو المدير التنفيذي، بل وينفِّذ مهام المدير بالفعل، لكن هذا ليس نموذجًا كتابيا أيضًا، وسيُلحِق أضرارًا خطيرة بالخدمة في نهاية المطاف.
وكما يقول جون ماكارثر John MacArthur في كتاب "خطة السيد للكنيسة" (The Master's Plan for the Church): منطقيًّا لا يمكن للشيوخ السماح لأنفسهم بالاستغراق في التفاصيل الإدارية والعلاقات العامة والأمور المالية البسيطة وغيرها من العمليات التشغيلية اليومية للكنيسة، بل يجب عليهم أن يُكِّرسوا أنفسهم في المقام الأول للصلاة وخدمة الكلمة، ويقيموا آخرين للتعامل مع الأمور الأقل أهمية." النموذج الكتابي للرعاية هو جُهد جماعي. في كل مقطع في العهد الجديد يَرِد فيه مصطلح "پريسبيتروس (presbuteros)"، أي "شيخ"، فإنه يأتي بصيغة الجمع، باستثناء الحالات التي يشير فيها الكاتب إلى نفسه فقط. يخلو العهد الجديد من أي إشارة إلى كنيسة يقودها راعٍ واحد، إذ ضمت الكنيسة في أورشليم رُسُلًا وشيوخًا (أعمال الرسل ١١؛ ١٥)، وكان في الكنيسة في أنطاكية أَنْبِيَاءُ وَمُعَلِّمُونَ (أعمال الرسل ١٣: ١)، ونسمع في كنائس كريت وفيلبي وأفسس كلها عن شيوخ، يُطلَق عليهم أيضًا "أَسَاقِفَة".
يكتب (دون كليمنتس) Don Clements في كتاب "نظام حكم الكنيسة الكتابي" (Biblical Church Government) قائلًا: "في كل كنيسة من كنائس العهد الجديد المبكرة النامية، نرى تعدُّدًا واضحًا من الشيوخ في القيادة. بعبارة أخرى، لم تكن الكنيسة تُحكَم بقرار شخص واحد.... بل بالأحرى، كان يجب أن تُحكَم بواسطة مجموعات من الشيوخ يعملون معًا. تُعد هذه واحدة من أهم النقاط في الشكل الكتابي لحُكم الكنيسة، ولكنها غالبًا ما تُفهَم وتُمارَس بشكل خاطئ، وتتعرض للتشويه في كنائس اليوم." هناك عدة مشاكل تتعلق بانفراد القائد بالسُلطة. جميعنا خطاة، وبدونِ مشاركة شخص آخر، قد يصبح الفرد "ديكتاتورًا دينيًا". إن العدد الهائل من المهام في الكنيسة كبير جدًا بحيث يتعدى القدرات الجسدية والعقلية والوجدانية لرجل واحد. وفي محاولة للقيام بها كلّها، كما يقول (كليمنتس): "إن أقوى القادة، إذا تُرك بمفرده، سيُنهَك سريعًا." يطلب الكتاب المقدس منا أن نمتحن كل كلمة تخرج من المنبر، وإذا كان هناك صانع قرار واحد فقط، فلن تخضع كلماته للكثير من الفحص. انزلقت العديد من الطوائف في طريق الارتداد بسبب غياب مثل هذا الفحص، وأعتقد أن هذا ينطبق بشكل خاص على عصر "الإيمان السهل" (easy belivism) هذا وتعدُّدية المعتقدات، كما صحَّ الأمر نفسه أيضًا في أيام إرميا (انظر إرميا ٥: ٣٠-٣١؛ ٦: ١٣-١٤).
إن فكرة كثرة الشيوخ ليست جديدة على كنيسة العهد الجديد. فهم يتممون أعمالًا بطول العهد القديم. عندما تحدَّث الله إلى موسى من العليقة المشتعلة أمره قائلًا: "...اجْمَعْ شُيُوخَ إسرائيل..." (خروج ٣: ١٦). من المُستبعَد أنه بهذا قَصَد فقط كبار السن من الرجال. هنا نجد أول استخدام للمصطلح في الكتاب المقدس، وبعدها في الكثير من مقاطع سفر التثنية يمكننا أن نرى "الشيوخ" تُسند إليهم مسؤوليات مُحدَّدة (١٩: ١٢، ٢١: ١٩-٢٠، ٢٢: ١٥-١٨، ٢٥: ٧-٩، ٣١: ٩-١٣). وبحلول زمن المسيح، كان الشيوخ يُشكِّلون مُؤسَّسةً في المجامع اليهودية.
تتمثل وظيفة الشيوخ في كل من العهدين القديم والجديد في ممارسة "الإشراف" على الكنيسة. وتتضمن مهامهم، كما هو مُبيَّن في الكتاب المقدس، الوعظ والتعليم وحماية العقيدة وممارسة التأديب وزيارة المرضى والصلاة وإطعام الرعية والإشراف على الجماعة.
يصف بولس في رسالته إلى أهل فيلبي مجموعتين من المسؤولين في الكنيسة: أساقفة (نُظَّار أو شيوخ) وشمامسة (فيلبي ١: ١). يتضح الغرض الخاص من أعمال الشمامسة في أعمال الرسل ٦: ١-٧، إذ يساعدون الشيوخ في خدمة الفقراء والأرامل (خدمة الرحمة) حتى يتمكن الشيوخ من تكريس أنفسهم لخدمة الصلاة والكلمة. وكما يوحي الاسم في اللغة اليونانية، فإن الوظيفة الأساسية للشمامسة هي الخدمة. وهم يؤدون واجباتهم تحت إشراف الشيوخ. وكما يشير (بريان هابيج) Brian Habig و(ليس نيوسوم) Les Newsom في مؤلفهما الممتاز "المجتمع الباقي" (The Enduring Community): كان لا بُدَّ من الوعظ بالكلمة حتى تتغير الحيوات وتتوب القلوب. لقد كان هذا النشاط أساسيًا جدًا لحياة الكنيسة لدرجة أنه لم يُسمَح لأي شيء بأن يلهيهم عن ممارسته ... لقد كان التلاميذ ملتزمين جدًا بهذه الأنشطة الأساسية لدرجة أنهم استحدثوا منصبًا كاملًا مُكرَّسًا لاحتياجات الكنيسة الزمنية أو المادية."
إن الحكم من خلال تعددية الشيوخ ليس فقط هو النموذج الكتابي، بل إنه يمنح الراعي قدرًا كبيرًا من الحماية. إذا كان الواعظ يتصرف كمدير تنفيذي، فإن كل قرار يتخذه سيملأ جُعبة بعض أفراد الرعية الساخطين بسهام تُستخدم ضده لاحقًا. أما عندما يتخذ الشيوخ قرارًا، فإنه يكون جماعيًا، وبالتالي لا يكون قرار الراعي منفردًا!
هوارد ديفيس جونيور Howard Davis Jr. القاضي المتقاعد (هوارد كيو. ديڤيس چونيور) هو شيخ مُدبِّر في كنيسة First Presbyterian Church في إنديانولا، بولاية ميسيسبي. كما خدم أيضًا كمدير للجمعية العامة الثالثة والثلاثين للكنيسة المشيخية في أمريكا (PCA).
نُشر هذا المقال وتُرجِم بإذن من خدمات ليجونير. يمكنكم قراءة النسخة الإنجليزية من الرابط التالي We Don’t Need Supermen





