
في عالم الأعمال قد يؤدي التباهي أو الانتشار السريع إلى نجاح قصير المدى، لكنه ليس ضمانًا لازدهار طويل المدى. فالشركات التي تنجح على المدى الطويل هي تلك التي تلتزم بالأساسيات التزامًا راسخًا كلما أمكن.
تنطبق نفس الحقيقة على الكنيسة! تفترض العديد من الكنائس أنها تجاهد قانونيًا، لكن تكمن الحقيقة في جهل معظم الكنائس بالمفترض منهم تتميمه. إذا جلست أجساد على المقاعد ووُجدت أظرُف في أطباق التقدمات، إذًا يقينًا تسير كل الخطوات في الاتجاه الصحيح! يقينًا لا القاعات الممتلئة ولا العطاء المستمر (لا أنفي امتناننا حين نختبر هذه الأمور) هما إرسالية كنيسة الرب يسوع. إرساليتنا هي تلمذة جميع الأمم (متّى ٢٨: ١٩).
ما العلامات الدالة على سير الكنيسة المحلية بخطى متوافقة مع هذه الإرسالية الإلهية؟ يرسم لوقا صورة واضحة لأربع أساسيات على الأقل يتعين على الكنيسة الالتزام بالجهاد القانوني فيها إذ يصف بدايات الكنيسة في أورشليم في أعمال الرسل ٢: ٤٢- ٤٧.
كنيسة صحيّة تتعلم المسيح من خلال وعظ الكلمة
أول شيء نتعلمه عن المؤمنين الأوائل بعد يوم الخمسين هو أنهم "كَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ" (أعمال الرسل ٢: ٤٢). بالتأكيد كان وعْظ بطرس المحفِّز لتوبتهم (٢: ٣٧). ليس مُستغرَبًا إذًا أن عيونهم ظلت شاخصة نحو تعليم الرسل لطلب المساعدة.
في أيامنا أصبح الوعظ خارجًا عن إطار المألوف إلى حد كبير، حتى أن العديد من الرعاة يظنون أن هناك طرقًا أكثر فاعلية للتواصل. لكن سُلطة الواعظ هي سُلطة الرب، الروح القدس، الذي اختار "جَهَالَةِ الْكِرَازَةِ" (١كورنثوس ١: ٢١) وسيلةً لتوصيل كلمته. كنيسة يسوع تكرز بيسوع: أنه ظهر حقيقةً على مسرح التاريخ، ولم يكن أسطورة، وأن موته على الصليب كان بسبب الخطية وبه رُفع صك الفرائض ومُنحنا الغفران، وأنه قام من الأموات، وسيقيم أيضًا أولئك الذين يؤمنون، وأن الروح الذي أرسله يمنحنا القوة لعَيْش حياة جديدة تمامًا.
لا تمتلئ الكنيسة الصحيّة بمؤمنين "متعلمين مدى الحياة" يتطلعون إلى صقل أذهانهم أو تدفئة قلوبهم، بل تذخر الكنيسة الصحيّة برجال ونساء يتوقون لتعلُّم المسيح (أفسس ٤: ٢٠). هكذا وُلدت الكنيسة في أعمال الرسل ٢ وهكذا استمرت، وهذا ما نسعى لتحقيقه اليوم. يصف سفر أعمال الرسل ٢: ٤٢ الكيفية التي بها اصطحب ثلاثة آلاف مؤمن أنفسهم إلى حَضَانة كتابية ليتعلموا عن الرب يسوع المسيح الذي يُكمِّل الكتب المقدسة ويعطي حياةً لأولئك الذين يثقون به.
كنيسة صحيّة تواظب على شركة مؤسَّسة على الحق
يخبرنا سفر أعمال الرسل ٢: ٤٢ أَيْضًا أنه إضافةً إلى تعليم الرسل "كَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى... الشَّرِكَةِ". الكلمة اليونانية المُترجَمة "شَّرِكَةِ" هنا هي (كوينونيا koinōnia)، وجذرها هو كلمة تعني المُشترَك أو العام. بعبارة أخرى يجب أن يكون للكنيسة فهم مشترك للكلمة وشركة مع الله (١يوحنّا ١: ٣).
في نهاية المطاف لا تتعلق الشركة التي توحد كنيسة ما باهتمامات مشتركة أو مرحلة عمرية متشابهة أو احترام متبادل أو أمر مماثل، بل إنها اختبار مشترك لنعمة الله، وهي شركة مبنية على أساس من التواضع والصدق. ولأننا خطاة نالوا الغفران في الإنجيل يمكننا أن نكون صادقين مع بعضنا البعض ومع مَن هم في الخارج بشأن سقطاتنا، ناظرين إلى المسيح -لا إلى أنفسنا- لنوال اليقين والغفران. وهكذا تظل الكنيسة تربة خصبة لنمو الصداقة والمودة الحقيقية مُلتفِّين حول الرب يسوع دون الاستناد إلى الكبرياء الدنيوي بسبب العمر أو الجنس أو العرق أو الاهتمامات أو الفكر أو المكانة.
تجسيدًا لإحدى النتائج المهمة لهذه الشركة نرى المؤمنين لا يعتبرون أيًا من أموالهم ملكية خاصة (أعمال الرسل ٤: ٣٢)، ولذلك السبب يشاركون الممتلكات فيما بينهم. مثل هذه المشاركة لا تنبع من جذور شيوعية ولا تهدف إلى فقر لا طائل من ورائه، بل هي رعاية مُتبادَلة ومستمرة تقدِّم احتياجات الآخرين على رغباتنا الخاصة. حين اقتضت الظروف لم يكن المؤمنون الأوائل مستعدين لتقديم ما كان في متناول أيديهم فحسب، بل أيضًا باعوا ممتلكاتهم لخدمة احتياجات الكنيسة. في الكنيسة الصحيّة تفيض الشركة الروحية في شكل وفور مشاركة عملية وعطاء باذل.
كنيسة صحيّة تعبد بوقار وفرح
في قلوب أولئك المؤمنين الأوائل "صَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ" (أعمال الرسل ٢: ٤٣)، "وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... مُسَبِّحِينَ اللهَ" (الآيتان ٤٦، ٤٧). للتأكيد كان هناك توقير لحضور الله المُعلن بينهم في آيات وعجائب وقلوب تائبة، لكن هذا التوقير لم يكن على حساب الفرح. إن تجمُّع شعب الله يجب أن يؤدي بطبيعة الحال إلى احتفال مُفرِح بأعمال الله العظيمة بيسوع المسيح.
اجتماع الوقار والفرح معًا أمر ذو مغزى عميق. بعض الكنائس تشبه محارق الجثث إذ تمتلئ بنظرات كئيبة وأجساد ميتة، بينما يشبه البعض الآخر المهرجانات التافهة الفوضوية. لكن كنيسة يسوع المسيح الحقيقية تدرك أن الحق المهيب المتمثل في موت يسوع من أجل الخطايا هي الأخبار السارة الواجب أن نفرح بها. كما تدرك الكنيسة الحقيقية أيضًا أن العبادة يمكن أن تكون رسمية، في اجتماعات شعب الله المنتظمة، وغير رسمية، بحضور القلوب تحت أسقف البيوت المسيحية. بعبارة أخرى، هي عبادة تُغلِّف الحياة بأكملها.
على الرغم مما سبق، لا ينبغي أن ننسى أنه إذا أردنا أن نعبد حقًا يلزمنا أولًا أن نكون أحياء روحيًا، وقابلين معونة روحية، ونشطين روحيًا. نحتاج أن يكون الروح القدس قد أحيانا وأتى بنا لحياة جديدة إذ قبلنا معونته واشتركنا معه. العبادة الحقيقية هي عقلية وروحية وطوعية، بمعونة الله، فيها نُشرِك العقل والإرادة لتقديم تسبيح يشكر لله.
كنيسة صحيّة تنمو بمساعدة الله
أَخِيرًا يقرِّر لوقا: "وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ" (أعمال الرسل ٢: ٤٧). بعد تلقي الإنجيل الموعوظ لهم، خرجت الجماعة في أورشليم ووعظت الآخرين، على أن لوقا يدرك أن الله هو من يُغيِّر القلوب ويأتي بالناس إلى شركة الإيمان دائمًا.
يكمُن خطر كبير في كنائسنا في ظن الواعظ أنه قدرته على إقناع الكثير من الناس بالوقوف في نهاية الخدمة هي ما تجدِّد الواقفين. في واقع الأمر، وعلى مَرِّ القرون، ربما أقنع الكثير من الأشخاص ذوي القدر البسيط من الشجاعة الاجتماعية أنفسَهم أنهم خَلُصُوا بينما لم يعترِ قلوبهم أي تغيير ولا توبة. ويمكن القول هنا إن إيمانهم لا يزيد عن إيمان الشياطين (يعقوب ٢: ١٩).
الكنيسة الصحيّة هي كنيسة كارزة. إنها تكرز من خلال السلوك التقي القادر أن ينال "نِعْمَةً لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ" (أعمال الرسل ٢: ٤٧)، كما من خلال إعلان الإنجيل الصريح أيضًا، أي أنها كنيسة تكرز بإعلان سواء كان رسميًا من المنبر أو غير رسمي في سياق الحياة. على أن الكنيسة الصحيّة لا تفترض أبدًا أن مجرد الموافقة على الإنجيل هو ما يطلبه الله، بل إنها تنمو من خلال إيمان دائم التوبة يثمر في حياة المؤمنين. دعوة يسوع إلى قلوبنا أمر، ورؤيته يعمل داخلها بحق هو أمر مغاير تمامًا.
"اطلُبُوا مِن رَبِّ الحَصَادِ"
أعلن ربنا بِنَفْسِهِ: "الْحَصَادُ كَثِيرٌ" (متّى ٩: ٣٧). يعاني الناس جوعًا روحيًا يلزمه إشباع. مُحزِن حقًا دخولهم كنيسة تفشل في سد جوعهم! لنُصلِّ صدقًا ألا تخذلهم كنائسنا، بل أن نتمكن من إظهار قوة الله في وسطنا من خلال التعليم الكتابي المقترن بالشركة المُحِّبة والعبادة الحية والكرازة المستمرة بمعونة الله.
هذه المقالة مُقتبسَة من عظة "حياة حقيقية (True Living)" لأليستير بيج.
تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع Truth For Life وضمن سلسلة من المقالات القيّمة التي تقوم خدمة "الصورة" بنشرها باللغة العربية.
يمكنكم قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من خلال الرابط: What to Look for in a Healthy Church: Four Key Marks





