
المشهد في سفر أعمال الرسل ٢٠: ١- ١٢ صادم وغير معتاد لمرتادي الكنيسة المعاصرين. يجتمع الرسول بولس مع القديسين في ترواس يوم الأحد في علية. تُبسَط الرقوق ومنها يعظ. يخبرنا لوقا أنه أخذ يتكلم "إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ"، ما يعني أن بولس ربما بدأ يتكلم في وقت مبكر من المساء، ومع اقتراب منتصف الليل، لم يكن قد أنهى عظته بعد. من الواضح أن لوقا يؤكد حقيقة طول مدة حديث بولس إذ يضيف: "وَإِذْ كَانَ بُولُسُ يُخَاطِبُ خِطَابًا طَوِيلاً". في الزاوية الخلفية من الغرفة كان هناك غلام، يتراوح عمره على الأرجح بين عشرة وأربعة عشر عَامًا، "جَالِسًا فِي الطَّاقَةِ"، وبدأ يغرق في نوم عميق.
يتحدى هذا المشهد العديد من الأشياء التي يظنها الأمريكيون المعاصرون بخصوص المجيء إلى الكنيسة، حيث يعتبر الكثيرون عبادة الأحد مكانًا لتناول فنجان من القهوة، والاستمتاع بموسيقى رائعة، وسماع بعض الآراء والقصص من الواعظ في جَوٍّ مريح. تُنبِّر العديد من كتب الوعظ الحالية على فكرة خلق هذا الجَوٍّ، مع تخصيص فصول كاملة حول ما يستطيع الناس استيعابه عندما يحضرون العبادة.
نحن نشهد عواقب إضفاء المثالية على التوقعات الحديثة للعبادة. في الواقع نحن نعيش في أيام يتضاءل فيها تقدير ضرورة حضور الكنيسة من الأساس. على الرغم من اختلاف الإحصائيات، تفيد بعض التقارير أن أقل من ٢٠ بالمئة من الأمريكيين يحضرون الكنيسة يوم الأحد. إذا استمرت هذه التوجُّهات، فعلى مدار العقد القادم، سيتناقص عدد الأمريكيين الذين يحضرون الكنائس، ما ينذر بمشكلة تواجه المسيحية في الولايات المتحدة.
إن السؤال عما أحدث هذا "الخروج" من الكنيسة هو سؤال تصعب الإجابة عليه. هل هو النموذج الاستهلاكي القائم على الترفيه الذي يترك الناس خاويين بلا سبب وجيه للحضور؟ هل التخلي عن يوم الرب (السبت/الراحة) هو ما خلق شُعُورًا بغياب أهمية التجمُّع للعبادة وقدسيته؟ هناك بالتأكيد مجموعة متنوعة من الأسباب لهذا التراجُع، ولكن لا شك أن أحد أكبر العوامل المساهمة هو اختفاء الوعظ الأمين.
في زماننا قليل من الناس يُقدِّرون الوعظ ويفهمون أهميته. لكننا نرى في سفر أعمال الرسل ٢٠ التزام بولس بالوعظ بطريقة تتحدى محتوى الكثير من كُتُب الوعظ الحديثة فيما تحاول شرح ما ينبغي للوعَّاظ فعله. في مقاطع كهذه التي نقرأها في هذا الإصحاح يتحدى الروح القدس فرضياتنا عما تنجزه خدمة وعظ الكلمة. لماذا كان هؤلاء المؤمنون الأوائل ملتزمين جدًا بالاجتماع حول الكلمة الموعوظة فيما قد يستمر الوعظ بها حتى وقت متأخر من الليل؟
في سفر أعمال الرسل ٢٠: ١- ٢، يخبرنا لوقا أن هدف بولس كان زيارة الكنائس التي أسسها وتشجيعها، والمشهد الآن مُعَدٌّ لتواجه هذه القناعات الرسولية [إشارة لبولس والتزامه بالوعظ] اختبارًا قاسيًا. تخيل السيناريو التالي: راعيك يعظ منذ حوالي خمس ساعات، والساعة تشير إلى منتصف الليل. وبينما هو يعظ، تخترق صرخة أُمٍّ آذان الجميع في الغرفة حين يسقط ابنها من الشرفة ويرتطم بالأرض ويموت على الفور. يندفع الجميع إلى أسفل الدَرَج ليجدوا جثة الشاب الهامدة.
أيًّا كان مقدار التشجيع الذي قدَّمه بولس [المقصود هنا من خلال الوعظ]، فقد حلَّ محلَّه إحباط مقيت. لقد واجهت الجماعة في ترواس للتو عدوَّها الأكبر: الموت. طغى موت أفتيخوس المُروِّع تمامًا على تعزية الكلمة.
من المؤكد أن لهذه القصة نهاية سعيدة. يقول لوقا إن بولس نزل مُسْرِعًا واحتضنه، قائلًا: "لاَ تَضْطَرِبُوا لأَنَّ نَفْسَهُ فِيهِ" (الآية ١٠). لقد أقام الله أفتيخوس في ذلك اليوم من الأموات بواسطة بولس.
يتبادر لأذهاننا سؤال هنا عما إذا قصد لوقا لنا رؤية قيامة أفتيخوس على أنها الإجابة في هذا المقطع. يمثل سفر أعمال الرسل تحديًا للقراء المعاصرين لأن المعجزات الاستثنائية الموصوفة هنا ليست شائعة في خبرتنا. لم نَرَ أبدًا أي شخص ممن يُطلَق عليهم "صانعي معجزات الشفاء بالإيمان" يقيم الموتى، وفي زمننا قد يبدو كأنه كتاب خيالي. سيكون كل شيء رائعًا إذا أُقيم أحباؤنا (الآن). سيكون كل شيء عظيمًا إذا استطاع الراعي أن يرفع أحزاننا (الآن). هذا النوع من الإجابة الفورية هو ما نريده (الآن). لكن في نهاية المطاف قصتنا تنتهي بجثة هامدة على الأرض، فجميع أحبائنا لا يزالون في قبورهم.
لهذا السبب من المهم ملاحظة أن القصة لا تنتهي بقيامة أفتيخوس. يُسجِّل لوقا أن بولس أعادهم فورًا إلى العلية، وكسر خبزًا، وواصل التحدث معهم حتى الفجر. لقد جمعهم بولس فورًا مرةً أخرى حول الكلمة والشركة المسيحية. عَلِم بولس أن هؤلاء القديسين في ترواس يلزمهم ما هو أكثر لمساعدتهم على فهم المعجزة.
قُدِّم أفضل مثال توضيحي لعظة بولس في ذلك اليوم، وكان هو مستعدًا لتقديم تطبيقه. لا يمكننا سوى تخمين ما قاله، ولكن من المحتمل أنه كان شيئًا من هذا القبيل: "لا يمكنكم جميعًا التوقف عن النظر إليَّ وكأنني أنا من أقام هذا الرجل من الأموات. إن إله السماء والأرض قد مجَّد فتاه يسوع وأقامه [أقام يسوع] من الأموات، وأنا شاهد على هذه الحقيقة (أعمال الرسل ٣: ١٢- ١٦). انظروا إلى ما تقوله لكم قيامة أفتيخوس، إنه يسوع الذي يقول: "...وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!" (رؤيا ١: ١٧، ١٨)، ويجب أن تستمعوا إليه في كل ما يقوله لكم. آمنوا به وستحيون!"
لا يتعلق هذا المقطع بطول العظة، يُقصَد بهذه القصة أن تتحدانا فيما يتعلق بما نؤمن حقًا أنه يحدث عندما نجتمع حول كلمة الله الحية. إنه من خلال وعظ الكلمة ننال نعمةً حقيقيةً لتحفظنا في حياة الشقاء هذه.
لقد أعطانا يسوع جسده ودمه وغَلَب القبر ردًّا وإجابةً لسؤال بؤسنا وخطيّتنا. ولأننا متحدون بجسد يسوع، فالمسألة مسألة وقت قبل أن تُقام أجسادنا نحن أيضًا في القيامة الأخيرة، أما في الوقت الحاضر، فإن وعظ بشارة الملكوت هي الطريقة التي بها يَحفظ الروح القدس الكنيسة ويعزِّيها طوال هذا العصر الحالي.
إذا أردنا اختبار تراجع ظاهرة ترك الناس للكنيسة، فذلك يبدأ باستعادة الوعظ الحقيقي.
إن اللقاء بيسوع المُقام من خلال الكلمة الموعوظة هو الطريقة الوحيدة لخلق جوع حقيقي لما يحدث كل يوم أحد.
** نُشِر هذا المقال أولًا بتاريخ ١٢ يونيو ٢٠١٩
القس كريستوفر جي. جوردون Christopher J. Gordon هو الراعي الأساسي لكنيسة United Reformed Church في اسكونديدو بولاية كاليفورنيا، ومقدم برنامج "راديو النعمة الفائضة (Abounding Grace Radio)"، وهو مؤلف كتاب "كتاب الأسئلة والأجوبة الجديد المُصلَح حول الجنسانية البشرية (The New Reformation Catechism on Human Sexuality)".
نُشر هذا المقال وتُرجِم بإذن من خدمات ليجونير. يمكنكم قراءة النسخة الإنجليزية من الرابط التالي The Priority of Preaching





