كمال عمل المسيح وغلَبَة موته

يَقِفُ إنجيل يوحنّا ١٩: ٣٠ بنا على أرضٍ مُقدَّسةٍ إذ يقول: "فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ." في تلك الكلمة الواحدة المُنتصرة –"تيتيليستاي" (قَدْ أُكْمِلَ)- يُعلِن ربُّنا أن كل العمل الذي أعطاه الآب إياه ليفعله من أجل دفع ثمن خطايا شعبه قد تمَّ كاملًا. هذه ليست تنهيدة شهيد مهزوم، بل صرخة ضامن منتصر. في تلك اللحظة دَيْن كل شعبه -كل خطية، أصلية أو فعلية كانت؛ وكل تقصير بعدم إطاعة الوصايا وكل تَعَدٍّ بكسرِها؛ وكل ذنب صارخ طالبًا الدينونة- قد سُدِّد تمام السداد. لا شيء باقٍ ليُضاف، ولا ليُطرح. وفَّى يسوع العدل الإلهي، وكُمِّل الناموس، وانقشعت اللعنة. لم يعُد لحجاب الهيكل المُمزق حاجةٌ، لأن الطريق إلى الأقداس قد فُتح الآن بدم يسوع المسيح.

على أن يوحنا يضيف تفصيلة رائعة: "وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ." لم يمت مخلِّصنا كما نموت نحن. نحن نموت، ثم تسقط رؤوسنا. لكن المسيح نكَّس رأسه أَوَّلًا ثم أسلم روحَه. هنا تظهر المحبة الإلهية في روعة قدرتها. يسوع يضع حياته لا تُسلب منه. حتى في الموت هو الفادي العامل الذي يُقدِّم نفسه طوعًا كحمل بلا عيب. يموت في كامل قوته وسلطانه، في طاعة تامة، في استسلام واعٍ لمشيئة أبيه من أجل خطاة مستحقين الجحيم مثلنا.

من هذا العمل المُكتمل تنبع كل بركات الخلاص لعهد النعمة: عَفوٌّ كامِلٌ للمذنبين، بِرٌّ تَامٌ للفُجَّارِ، سلامٌ مع الله للضالين، بِنوّةٌ لليتامى، تقدِيسٌ للمُنجَّسين، ومجدٌ أبديٌّ مضمون لكل من هم في المسيح. لا توجد أي من بركات الخلاص خارج هذا المسيح، وفيه يوجد ملء لا ينضب.

أولًا إذًا، لنتعلم الكفّ عن كل محاولاتنا البائسة للمساهمة في خلاصنا ولنلقِ رجاءنا بالتمام على هذا العمل الكامل. أي إضافة للصليب هي إهانة للآب ولابنه، والراحة فيه هي عبادة للإله الثالوث. لذا فبنعمة الرُّوح القُدُس المنتدبة، تعالوا كخطاة خاويي الأيدي إلى المُخلِّص الأبدي المجيد.

ثانيًا، ليجذب هذا الفداء الكامل قلبك في محبة وامتنان وطاعة مُقدَّسة. إذا كان المسيح قد بذل نفسه بالكامل من أجلك، أيها المؤمن الغالي، فكيف يمكنك أن تمنع نفسك عنه؟ عِش في هذا المٌخلِّص الرَّب الَّذي أخذ عقابك، عِش معتمدًا عليه، عِش راكضًا نحوه، عِش لأجله حياة نابعة منه. التصق بالمسيح، احتسِب فيه الكُلَّ فِي الْكُلِّ (كولوسي ٣: ١١). لا تتوقف قبل الاعتراف مع بولس: "لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ." (فيلبي ١: ٢١)