
ظل سؤال مُزمن يؤرقني، فمنذ طفولتي كنت أسأل أبي وأمي باستمرارٍ: "لماذا يجب أن أذهب إلى الفراش مُبَكِّرًا؟"، "لماذا يجب أن أغسل أسناني؟"، "لماذا يجب أن آكل هذه الفاصوليا الخضراء عديمة الطعم؟"، ... إلخ. طرحتُ أسئلة "لماذا؟" لمعرفة الأسباب مرة بعد مرة. ولا أستطيع أن أتخيل كم كان هذا الأمر مرهقًا لوالديَّ! وكمراهق امتلأ وجهه بالبثور، ازداد شغفي لمعرفة الأسباب الكامنة وراء ما كنت أتساءل عنه: "لماذا يجب أن ألتزم بموعد محدد للعودة إلى المنزل؟"، "لماذا لا يمكنني التمتع بمزيد من الحريات؟"، "لماذا يتعين علىَّ العمل في وظيفة صيفية"؟
يشرح الدكتور آلان جرين Alan Greene، وهو طبيب أطفال ومؤلف، التحدي الذي يواجهه الآباء مع أسئلة الـ "لماذا": "غالبًا ما لا نعرف الإجابات الحقيقية للأسئلة البريئة التي يطرحها الصغار واليافعون، ولكن حتى عندما تكون إجاباتنا حاضرة، فإنها لا توقف سيل أسئلتهم اللانهائية." يرى الدكتور (جرين) أننا نسيء فهم لغة الطفل، ويمضِي قَائِلًا: "نظن أنهم عندما يسألون 'لماذا؟' فإنهم يقصدون نفس ما نقصده نحن عندما نطرح هذا النوع من الأسئلة"، ثم يستطرد: "إجاباتنا القائمة على السبب والنتيجة تخطئ الهدف، وبالتالي تفشل في إشباع ما وراء سؤالهم."
نحن لا نتوقف أَبَدًا عن طرح هذا السؤال
هناك بصيرة ثاقبة في العبارة السابقة: "إجاباتنا القائمة على السبب والنتيجة تخطئ الهدف، وبالتالي تفشل في إشباع ما وراء سؤالهم." لست متأكدًا مما إذا كنا نتوقف أبدًا عن التساؤل حول سبب كَون الأشياء على ما هي عليه. حتى البالغون منا يختبرون وجود شيء بداخلنا نرغب بسببه في معرفة الدافع والغرض والحقيقة وراء ملاحظاتنا.
يوضح الدكتور (جرين) أن إحباط الوالدين عند تلقيهما سؤال "لماذا؟" يتلخص في عدم معرفة الإجابة الفعلية لاستفسار الطفل. هل يمكن أن ينطبق نفس الأمر كذلك على أسئلة "لماذا" المسيحية، حيث نشعر غالبًا بتوتر هائل بين الحاجة إلى طرح سؤال "لماذا؟" والإحباط الناجم عن عدم معرفة الإجابة؟
يبدو الأمر وكأن طفلنا الداخلي يزعج الوالد الداخلي فينا بسؤال "لماذا؟" ويستسلم والدنا الداخلي للهزيمة لعدم معرفته بكيفية الرد على السؤال.
فهم الـ"لماذا" وراء الحياة المسيحية
يمكن أن يمثل هذا مشْكلة كبيرة للمؤمنين. وتكمن المشكلة عندما يعرف الرجال والنساء الـ"كيف" ويحاولون عيشها دون الـ"لماذا". كان هذا صراعي الشخصي كمسيحي مؤمن لسنوات عديدة.
فورًا بعد أن وضعت ثقتي في المسيح، تعلمتُ عن الصلاة وقراءة الكتاب المقدس ومشاركة إيماني واتخاذ قرارات حكيمة والتحلي بشخصية تعكس هذا الإيمان، وكل هذه خطوات في الاتجاه الصحيح على درب الحياة المسيحية. لكن ما أصبح يمثل مشكلة بالنسبة لي هو اكتسابي لفهمٍ واضحٍ لـ "كيف" تسير الحياة المسيحية، دُونَ أن أدرك حقًا الـ "لماذا"!
ما هو إذن الغرض وراء الحياة المسيحية؟ هل الغرض هو كسب محبة الله ورضاه؟ هل يتمثل في كونك شخصًا صالحًا تعامل الآخرين معاملة طيبة؟ هل يتلخص في محاولاتك ألا تخيب ظن والديك المؤمنَين؟ لا أعتقد ذلك.
يساعدنا بولس في الإجابة على هذا السؤال في فيلبي ١: ٢٧ "فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ." بحسب الرسول بولس، فإن الغرض من وراء حياة المؤمن هو الإنجيل. إنها دعوة للسماح لحياة يسوع المسيح وموته وقيامته بالتغلغل فيك إلى الدرجة التي يعيد فيها الإنجيل تلوين عالمك، وتغيير وجهات نظرك، وتشكيل دوافعك من جديد. لقد صمَّم الله الإنجيل ليكون "السبب الكافي" لحياتنا، إذ أنه قوة الله في حياتنا (رومية ١: ١٦). إنه القوة الحقيقية القادرة على الفداء والمصالحة والتبني والتشكيل!
عندما تعرف الإنجيل كهدفٍ دافعٍ للحياة المسيحية، فإن وسائل عيش الحياة المسيحية تصبح أكثر وضوحًا وطبيعية. يحاول الكثير من المؤمنين اصطناع سلوك مسيحي من خلال جهدهم الخاص، ما يؤدي إلى توقعات غير محققة وإحباطات لا نهائية. يؤكد هذا الواقع على أهمية أن نفهم الإنجيل باعتباره السبب الخاص بنا، والكيفية التي بها يغير حياتنا عمليًا.
دافع الإنجيل لكيفية عيش الكنيسة
إن عمل الإنجيل كدافع أساسي وراء كيفية عيشنا هو موضوع راسخ عبر جميع إصحاحات العهد الجديد. يكتب بولس إلى الكنيسة في أفسس "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً." (أفسس ٥: ١، ٢). تهتم رسالة أفسس بهُوية الكنيسة الآن -بسبب الإنجيل- في المسيح. يمكن للمرء أن يشعر بمناشدة بولس القلبية وتأكيده لنا بأن اختبار محبة الله من خلال الإنجيل لا يضاهيه اختبار.
إن محبة المسيح تحصرنا (أي تسيطر علينا) لدرجة معها لا نعود قادرين على اعتبار محبة أخرى تشابه ما أحاطنا به المسيح. وجهة نظر بولس هنا بسيطة، وهي أن السبيل الوحيد التي يمكننا من خلاله أن نحب الناس حقًا في أي علاقة، يجب أن ينبع من محبة المسيح المُلزمة لنا.
في رسالة أخرى، يُعد عمل الإنجيل كدافع أساسي وراء كيفية عيشنا محورًا أساسيًا في العهد الجديد. عندما تحدَّى بولس كنيسة كورنثوس ليعيشوا حياة السخاء، لم يسعَ إلى استثارة السخاء من خلال إجبارهم بالأمر أو إشعارهم بالذنب. لكن يفسح بولس المجال أمام السخاء الذي سكبه المسيح من خلال الإنجيل ليكون القوة الدافعة للحياة السخية في الكنيسة، لأن في قلب المسيحية يقع عمل من أعمال السخاء الفائق.
يُعلن بولس قائلًا: "لَسْتُ أَقُولُ عَلَى سَبِيلِ الأَمْرِ، بَلْ بِاجْتِهَادِ آخَرِينَ، مُخْتَبِرًا إِخْلاَصَ مَحَبَّتِكُمْ أَيْضًا. فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ." (٢كورنثوس ٨: ٨، ٩). هذا يعني أن إدراكنا لسخاء يسوع غير المحدود سيوازي مقدار السخاء الظاهر في حياتنا.
بِالطَّبْعِ، لا تُعد حياة المحبة والسخاء هي الأمثلة الوحيدة على تأكيد العهد الجديد بكون الإنجيل هو الـ"لماذا" الدافعة للحياة المسيحية. تطول القائمة حيث يحفز الإنجيل على تقديم الغفران وخدمة الآخرين والسعي نحو المصالحة والتحمل الصبور وبناء زيجة نقية من الأنانية -على سبيل المثال لا الحصر.
أهمية الـ "لماذا" في الأيام المظلمة
عندما كنت طالبًا في عامي الأخير من المدرسة الثانوية، عانيت ألمًا لم أختبر أي ألم مثله قبلًا مطلقًا. قبل أربعة أيام فقط من تخرجي من المدرسة الثانوية، تُوفي والدي بسبب عدوى في المخ. قادني ألمي وحزني إلى السؤال الشائع: "يا رب، لماذا تسمح بحدوث هذا لعائلتنا؟" طوال الخمسة وعشرين عامًا الماضية، لم يُجب الله حقًا على سؤالي: "لماذا يا رب؟"
مر ربع قرن من افتقاد والدي. أفتقد المحادثات حول فريق كرة القدم الذي كنا نشجعه سويًا. أفتقد الشعور بوجوده في صور إجازتنا العائلية مع أمي وأختي وأسرتها وأسرتي. كم تمنيت لو استطاع لقاء زوجتي، (كارا)، وأولادنا الثلاثة.
بعض أيام العيش في عالم مكسور تبدو مظلمة جدًا. كثيرًا ما نختبر عمق الألم وحقيقته. فالحزن والصعوبة والمعاناة تبدو كلُها وكأنها أمور لا مفر منها. ومع ذلك فإن معرفة الـ"لماذا" الخاصة بك تلعب دورًا محوريًا في أيامنا المظلمة (٢كورنثوس ٤: ٨- ١٠؛ ١بطرس ٥: ١٠). للتوضيح فقط، أنا لا قول بأن الله يزودنا دائمًا بإجابات عن أسئلة "لماذا" الدقيقة وراء كل تجربة ألم في حياتنا، ولكن هناك تعزية تُقدَّم لنا في وسط ألمنا.
أحيانًا، يُظهر لنا الله السبب الذي جعله يقودنا عبر الألم والفقد، وأحيانًا أخرى -في حكمته المتسامية- يحجب عنا تلك المعلومات. طرقه أسمى من طرقنا (إشعياء ٥٥: ٨، ٩). لكن الرب زوَّد أتباع المسيح بسبب أعظم يمنح التعزية والمنظور الصحيح في أوقات الظلام.
في أيام حزني، كان الإنجيل هو الـ"لماذا" الذي يقدم التعزية ويوجهني نحو المنظور الصحيح، تعزيةً أتتني بمعرفة أن حياة يسوع وموته وقيامته تضمن لي أنه لا شيء يفصلني عن العهد الذي قطعه معنا (رومية ٨)، ومنظورًا يتمثل في معرفة أن هذه اللحظات المزعجة لنفسي ليست هي النهاية. لأن يومًا آتٍ قريبًا سيعيد المسيح بالكامل ترميم كل ما حطمه السقوط، وعندها لن يكون للحزن أي وجود أو بقاء.
الغرض من حياتك
غالبًا ما أتساءل عما إذا كان من الممكن تفسير حياتنا المسيحية بسهولة من خلال كوننا لطفاء أو مهذبين أخلاقيًا أو معتنقين إيمانًا بدافع التقليد العائلي؟ هل العالم معجب حقًا بهذا التفسير لحياتنا؟ في كتاب "طلاقة الإنجيل (Gospel Fluency)"، يطرح مؤلفه (جيف فاندرستيلت) سؤالًا مهمًا: "أتساءل كم مرة تُقنِع حياتنا الصالحة والأخلاقية، المنفصلة عن سياق الإيمان بالإنجيل، الناس بأنهم ليسوا بحاجة إلى يسوع؟"
إذا تأملت حياتك، ما هي الـ"لماذا" التي تفسر حياتك؟ إنه لمن الرائع أن تلتقي شخصًا غيَّره الإنجيل بحيث يكون مختلفًا عن العائلة المُتبلدة روحيًا التي نشأ تحت ظلها. ماذا عن الشخص الذي غيَّره الإنجيل الذي يختلف الآن -كشاب بالغ- عن مجموعة أقرانه الخالية روحيًّا والتي كان منخرطًا معها بشدة في المدرسة الثانوية؟ أو ماذا عن الشخص الذي غيَّره الإنجيل الذي سلك ذات مرة طريق الابن الضال، مكرِّسًا حياته لحياة طائشة وانغماس في ملذات، ولكنه الآن قد وُجِد وخَلُص بالنعمة؟ ما الذي يمكن أن يفسر مثل هذا التحوُّل؟ لا يوجد سوى الإنجيل! هو التفسير الوحيد وراء كل هذا!
في واقع الأمر، الإنجيل هو الـ"لماذا" الأكثر عمقًا وكفايةً التي يمكن أن تحظى بها حياتك على الإطلاق.
يعيش داني لوفلهولز Danny Loeffelholz في تايلر، بولاية تكساس، مع زوجته (كارا) وأبنائهما الثلاثة. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الوعظ التفسيري والتواصل المنبري من كلية اللاهوت (Trinity Theological Seminary). يخدم (داني) راعيًا في كنيسة (Grace Community Church) في تايلر بتكساس، وقد خدم سابقًا ضمن فرق العمل في مُعسكرات (Pine Cove Camps) وكنيسة (Grace) في بارتلسفيل بأوكلاهوما. يمكنك متابعته على فيسبوك وتويتر باسم (@dannyl76).
تُرجِم هذا المقال عن الأصل الإنجليزي The “How” Without the “Why” بعد الحصول على إذن من GCD





