
حقيقة مهمة
لربما سمع العديد من خلفيات إنجيليَّة غير طائفيَّة عبارة "لا إقرار إيمان سوى الكتاب المُقدَّس" في وقت ما. لربما استخدمها راعٍ في إحدى عظاته، أو خادم في دراسةٍ للكتاب المُقدَّس أو في محادثةٍ حول ما يُفترض أن يؤمن به المسيحيون. ولأنها بيانٌ فهي عبارة واضحة وموجزة، لكن يبقى السؤال: هل هي مبدأ أمين ومفيد لتوجيه الطريقة التي بها نفكر نحن المؤمنين في الحق المسيحي والسلطة؟
قبل تقديم بعض النقد لكيفية استخدام مبدأ "لا إقرار إيمان سوى الكتاب المُقدَّس"، من المفيد أوَّلًا فهم الحقيقة المهمة التي يحاول مستخدمو المبدأ حمايتها بحق. الحقيقة موضع الدفاع هي سلطة الكتاب المُقدَّس الفريدة وكفايته المطلقة كونه مصدر العقيدة المسيحية ومعيارها الوحيد. هذا المبدأ الكتابي متأصل في الإصلاح البروتستانتي عندما أكَّد المصلحون أن العديد من ادعاءات الكنيسة في العصور الوسطى -على سبيل المثال، المَطهَر، وصكوك الغفران، والنظرية المعقدة التي تُفسِّر الاستحالة الجوهرية- لم تفتقر فقط إلى سند كتابي، بل تعارضت مع التعليم الكتابي تعارضًا مباشرًا. لم تتعدَّ هذه الادعاءات كونها محض تكهنات أو خرافات مُصنَّعة تبنتها كنيسةٌ زعمت امتلاك تقليد الحق المسيحي بمعزل عن الإعلان الكتابي.
على طرف نقيض من هذه الخلفية تُبرِز عبارة "لا إقرار إيمان سوى الكتاب المُقدَّس" حقيقةً مهمةً: يقدِّم الكتاب المُقدَّس محتوى العقيدة المسيحية والمبادئ اللازمة للحكم على صحة أي ادعاء عقائدي من عدمها. هل التبرير بالإيمان؟ نعم، لأن الرَّسول بولس يُعلِّم ذلك في رسالته إلى أهل رومية. كذلك، هل يمكن لأي شخص أن يشتري نعمة الله من خلال شراء صك غفران؟ لا! ليس فقط لأن الكتاب المُقدَّس لم يُعلِّم ذلك أبدًا، بل لأنه يُعلِّم بضدِّه، كما في الجدل الدائر بين الرسول بطرس وسيمون الساحر في سفر أعمال الرُّسُل الإصحاح الثامن. وهكذا نرى أن الرغبة في حماية كفاية الكتاب المُقدَّس أمر يستحق الإشادة.
لكن هل يعني هذا أن قوانين وإقرارات الإيمان -وهي عبارات إيمانية تُلخِّص التعليم الكتابي- تُمثِّل مشكلةً ولا ينبغي أن يكون لها مكان في الكنيسة؟
هل يعني استخدام قوانين وإقرارات الإيمان بالضرورة أن السلطة الفريدة للكتاب المُقدَّس أصبحت ذات قيمة أقل؟ كلا البتة! ومن المهم أن نفهم الأسباب.
أوَّلًا، نحتاج جميعًا إلى الاعتراف بأنه لا يوجد مسيحي مؤمن يعتنق عبارة "لا إقرار إيمان سوى الكتاب المُقدَّس" بشكل شامل ومستفيض. ولفهم السبب، لا نحتاج لأكثر من التفكير في حقيقة أنه لا يوجد مَن يؤمن بالكتاب المُقدَّس وحسب [بمعنى قراءته وفهمه خارج سياق عقيدي معيّن]. فجميع المسيحيين، من أعظم علماء الكتاب المُقدَّس إلى أصغر المؤمنين، يؤمنون أن الكتاب المُقدَّس يحمل معنىً ما. نحن نعلم ذلك لأن لا واعظ يكتفي بمجرد قراءة الكتاب المُقدَّس من على المنبر، بل يشرحه ويطبقه على العابدين. وأي مؤمن يكرز لأصدقائه أو جيرانه لا يعطيهم الكتاب المُقدَّس ببساطة، بل يعرض عليهم أيضًَا شرح كيفية فهمه. وما نظن أن الكتاب المُقدَّس يعنيه هو في الحقيقة عقيدتنا وإقرار اعترافنا الإيماني، سواء كتبناه أو لم نكتبه.
كيف ترتبط إقرارات الإيمان بالكتاب المُقدَّس
بمجرد اعترافنا بهذه الحقيقة الأساسية، فإن السؤال الحقيقي لا يدور حول صلاح قوانين واعترافات الإيمان، بل يتلخص السؤال في عكسهم لتعليم الكتاب المُقدَّس أم لا. وهنا يصبح من المفيد فهم كيفية ارتباطهم بالكتاب المُقدَّس. إنها لا تحتل مكانة أعلى من مكانة الكتاب المُقدَّس، ولا توفِّر إطارًا ذي سلطة مطلقة يُملي علينا معنى الكتاب المُقدَّس. هذه الإقرارات ليست تيارًا منفصلًا عن الإعلان الإلهي يقف قائمًا بذاته حاملًا سلطته الخاصة، بل، في الحقيقة، إقرارات الإيمان هي ملخَّصات للتعليم الكتابي. وهكذا، نظريًّا على الأقل، هي قابلة للتصحيح في ضوء تعليم الكتاب المُقدَّس.
يحتوي علم اللاهوت النظامي على مصطلحَين اثنَين للتعبير عن العلاقة بين الكتاب المُقدَّس وإقرارات الإيمان. فهو يطلق على الأول [أي الكتاب المُقدَّس] "المعيار المُحدِّد (the norming norm)"، وعلى الأخير [يقصد إقرارات الإيمان] "المعيار المُحدَّد (the normed norm)". الأول يحمي الجانب الجيد الذي تمثله عبارة "لا إقرار إيمان سوى الكتاب المُقدَّس": أي يؤكد على السلطة الفريدة والمطلقة للكتاب المُقدَّس في صياغة التعليم المسيحي والحكم على صحة أي صيغة عقائدية. أما الأخير، فيشير إلى واقع عملي مهم: وهو أن الكنائس؛ جماعاتٍ (والمسيحيين أفرادًا)، يعيشون ويتصرفون عمليًَّا عبر تقرير وتذكُّر العقائد المسيحية، دون الشعور دائمًا بالحاجة إلى اقتباس جميع نصوص الكتاب المُقدَّس ذات الصلة، أو تقديم وصف تفصيلي لكيفية استنباط (مثلًا) عقيدة الثالوث من الكتاب المُقدَّس. باختصار، يتمثل أحد أهداف إقرارات الإيمان في التمسُّك "بصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ"، وهنا نستعير عبارة الرسول بولس (٢تيموثاوس ١: ١٣)، والتي تؤسس حقيقة كتابية مهمة، وباختصار.
لذلك، فإن السيناريو الأفضل للمسيحيين هو الاعتراف بأن لجميعنا قوانين وإقرارت إيمانيَّة، أي أننا كلنا نؤمن أن الكتاب المُقدَّس ذو معنى وأن تعاليمه يمكن صياغتها بطريقة موجزة تلخص موقف الكتاب المُقدَّس حول مجموعة متنوعة من القضايا المهمة. لكن لا ينبغي أن نتوقف عند هذا الحد، بل ننتقل من هذا الاعتراف لننظر إلى قوانين وإقرارات الإيمان العظيمة لنرى أيًا من "صُورَةٍ مِنَ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ" كانت مفيدةً على مر التاريخ للإبقاء على التزام الكنيسة الأمين برسالة الإنجيل. الوقت ليس ضمانًا للحق، ولكن إذا كانت هناك عقيدة -مثل قانون الإيمان الرسولي أو النيقاوي- قد خدمت الكنيسة لأكثر من ألف وخمسمائة عام، فهذه إشارة نحو توافق محتواها مع أقوال الكتاب المُقدَّس. يقنيًا يمكن لأي كنيسة اليوم أن تصدر إقرار إيمان خاصًا بها. ولكن لماذا نعيد اختراع العجلة حين تتوافر إقرارات إيمان واعترافات عقائدية موجودة بالفعل مجرَّبة ومختبرَة ومُثبَتةٌ صحتها؟
علاوة على ما سبق، فإن تبني الكنيسة لقانون أو إقرار إيمان تاريخي يحمل فوائد إضافية. فهو تذكير لشعب هذه الكنيسة بأن الإنجيل لا يُعاد اختراعه كل يوم أحد. كما أن إقرارات الإيمان تحث كل مسيحي على الاتحاد مع إخوته وأخواته الآخرين حول العالم أجمع اليوم وعبر كل العصور. المشيخي الذي يعترف بإقرار إيمان وِستمنستر (Westminster)، والأسقفي الذي يقر بالمواد التسع والثلاثين (39 Articles)، واللوثري الذي يقر بكتاب الوفاق (Concord)، يتَّحِدون جميعًا أيضًَا مع تقليد مسيحي عظيم وواسع النطاق، ويُذكَّرون بالتالي بأنهم جزء من قصة أكبر بكثير.
هناك الكثير من الفوائد الأخرى -من الناحية العقائدية، والكنسية، وفي جانب العبادة والتمجيد أيضًا- التي تقدمها إقرارات الإيمان لمؤمني اليوم وللكنيسة الحديثة، ولكن آمل أن يكون ما سبق كافيًَا لإثارة شهيتك لمعرفة المزيد، فجميع المعنيين بنقل الإيمان من جيل إلى جيل ومن مكان إلى آخر سيجدون في هذه الوثائق العظيمة عونًا لا يقدر بثمن.
كارل ترومان هو مؤلف كتاب "أزمة الثقة: استعادة الإيمان التاريخي في ثقافة تستهلكها الفردية والبحث عن الهوية Crisis of Confidence: Reclaiming the Historic Faith in a Culture Consumed with Individualism and Identity.
كارل آر. ترومان Carl R. Trueman (حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة Aberdeen) هو أستاذ الدراسات الكتابية والدينية في كلية Grove City. وهو محرر مساهم في مجلة (First Things)، ومؤرخ كنسي مرموق، وزميل في مركز Ethics and Public Policy. ألَّف ترومان وحرَّر أكثر من اثني عشر كتابًا، بما في ذلك "عالم جديد غريب (Strange New World)"؛ و"صعود وانتصار الذات الحديثة (The Rise and Triumph of the Modern Self)"؛ و"تواريخ ومغالطات (Histories and Fallacies)". وهو عضو في الكنيسة المشيخية المستقيمة بأمريكا (OPC).
تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع Crossway.org ويمكنك قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من الرابط التالي: Unpacking “No Creed but the Bible”





