
المُفارقة الكبرى ومثار التَّعجُّب الأعظم في الإيمان المَسيحيِّ هي أنَّنا نَخْلُص بالله [أي بالعمل الَّذي أنشأه وتمَّمَهُ هو] وكذلك نَخْلُص مِن الله [أي من الدَّينوِنة الأكيدة الَّتي سيُجريها على غير المؤمنين]، في آنٍ واحدٍ. إنَّ إله القداسة المُطلقة، الَّذي يطالب بإقامة عدله، والَّذي لن يتهاون مع الخَطيَّة، قد قضى مُنذُ الأزل بأن يُدبِّر هو بنفسِهِ الخلاص لأولئك النَّاس عَينِهِم الَّذين بسبب خطيَّتهم وقعوا تحت وطأة غضبه واستحقاق دينونته.
والوسيلة الَّتي يُتمًّم بها الله هذا الخلاص العظيم يُمكِن وصفها بأنَّها الجانب الأكثر أهمية في عمل المَسيح. عندما نستخدم كلمة كفَّارة، فإننا نتحدث عن حقيقة دفع الله للثَّمن الَّذي يطلبه لكي نكون في علاقةٍ صحيحةٍ معه، وهو يفعل ذلك بواسطة ابنه يَسوع المَسيح.
هناك ثلاثة أبعاد للخطيَّة تُحتِّم وجود الكَفَّارة: (١) الخَطيَّة دَيْن؛ (٢) الخَطيَّة عمل عداوة؛ و(٣) الخَطيَّة جريمة. ولفَهم جانب الدَّيْن في الخَطيَّة، يجب علينا أولًا أن نفهم دور الله بصفته الخالق والمَلِك ذي السِّيادة على الكون.
سيادة الله مُتعَدِّدة الأوجه، فهي تتعلَّق بتَسلُّطه المُطلق على الطَّبيعة، وعلى التَّاريخ، وعلى شؤون البشر. والواقع أنَّ سيادة الله تتركَّز على سلطانه على كلِّ الخليقة، إذ تنطوي السِّيادة على السُّلطان. ونرى كلمة أُخرى مُتضمَّنة داخل كلمة سلطان (في اللُّغة الإنجليزيَّة authority)، وهي كلمة (author) بمعنى مالك أو مُنشئ أو رئيس.
وبما أن الله خالق كلِّ الأشياء، فإن له سُلطانًا على كلِّ ما يخلُقُه.
وهو، لكونه من أوجد الكلَّ، فهو بالتَّالي مالكهم جميعًا. ما يصنعه الله ويملِكُهُ، هو يسود عليه. إذًا لله الحقُّ المُطلَق والأصيل في فرض التزامات على خليقته.
الخَطيَّة كدَيْن
إذا فَرَضَ الله علينا التزامات وفشلنا في أدائها، فإننا نتحمَّل دَيْنًا. في هذ الصَّدد يُصبح الله دائنًا، فهو مَن ندين له. لقد وصفنا الرَّبّ يَسوع بأننا مديونون لا نستطيع سداد ديوننا. هناك اختلاف بين كونك مديونًا وقادرًا على السداد من خلال برنامج لتسوية الدُّيون، حيث نُسدد دَيْننا شيئًا فشيئًا، وبين مَديونيَّة يستحيل علينا سدادها بأيِّ خُطَّة تقسيط أو بأيِّ وسيلة أُخرى إذا ما وضعنا في الحسبان زاوية طاعة الله. لماذا؟ ما هو الالتزام الأخلاقيُّ الَّذي يفرضه الله علينا، نحن مخلوقاته؟ ما مدى البِرّ الَّذي يُطلَب مِنَّا تحقيقه؟ ما مدى الأخلاق الَّتي نُدعى للتَّحلِّي بها بموجب الأمر الإلهيِّ؟ نحن مطالبون بأن نكون بلا خطيَّة، أي أن المعيار المتوقع منا هو الكمال الأخلاقي، وليس أقل من ذلك.
في ثقافاتنا ومجتمعاتنا، نحاول التهرب من عواقب خطيتنا فنرفع أصواتنا قائلين: "لكل شخص الحق في فرصة ثانية". بل إننا نرتقي بهذه الفرصة الثانية إلى مستوى الاستحقاق بالقول: "الجميع يستحقون فرصة ثانية". ولكن مَن قال إن لأي شخص استحقاق الفرصة الثانية؟ هل يتطلب العدل أن يحصل الكل على فرصة ثانية؟ الفرصة الثانية هي نعمة. الفرصة الثانية هي رحمة أيضًا. الرحمة والنعمة أمران لا يُستحقان أبدًا، ولا يمكن استحقاقهما. فلو كانتا مُستحقَّتين، لَكانا عدلًا وليس رحمة. النعمة المُستحَّقة ببساطة ليست نعمة على الإطلاق. إن القول بأن المخلوق يستحق فرصة ثانية من الخالق هو محض هراء. وحتى لو كانت هذه الفكرة العبثية صحيحة، فما النفع الَّذي ستعود به علينا؟ كم مرَّ من وقت منذ استنفدنا جميعًا فرصتنا الثانية؟
مشكلتنا لا تكمن في كوننا مخلوقات أخلاقية تكاد تكون معصومة ولا يشوبها إلا شائبة صغيرة واحدة تشوِّه سجلًا مثاليًّا! بل إن الأسفار المقدسة تصفنا بأننا غير كُفاةٍ ومُقصِّرين بشكل مؤسف من حيث طاعتنا لله. لا يقتصر الأمر على أننا مُلطَّخون بمجرد هفوة عابرة من حين لآخر، فخطايانا كثيرة وخطيرة. إنها خطيرة بدرجة معها يستحيل سداد ثمنها.
كيف يساعدني المَسيح في دَيْني؟ ما هو الدور الَّذي يؤديه في عمله كفادينا؟ يستخدم العهد الجديد كلمة لوصف ذلك. المَسيح هو "ضامننا" (انظر عبرانيين ٧: ٢٢). "الضامن" هو مصطلح ماليّ، تمامًا كما أن "دَيْن" هو مصطلح ماليّ. عندما يتحدث الكتاب المقدس بهذه الطريقة، فإنه يستعير لغة من عالم الأعمال. كَوْن المَسيح ضامننا يعني أنه هو مَن يشارك في التوقيع على سَنَد دَيننا، فهو يدعم مديونيتنا بأخذه على عاتقه الالتزام بدفع ما يجب علينا دفعه.
الخَطيَّة كعمل عدائي
نحن لا نعصى الله لأننا نحبه بعمق، بل نعصى الله لأن لدينا عداءً فطريًّا تجاهه. يقول الكتاب المقدس إننا بالطبيعة أعداء لله، ولدينا نفور طبيعي في حالتنا الساقطة تجاه مُلْك الله علينا. لذا فيما يتعلق بالعداوة، الله هو الطرف المتضرر أو المُساء إليه. ليس الأمر أن الله قد أظهر عداوة تجاهنا، بل نحن مَن تعدينا عليه. لم ينقض الله وعدًا أبدًا، ولم يكسر عهدًا قط. ولم يقسم لنا بقَسَمٍ فَشِل في الوفاء به. ولم يعامل أي إنسان بظلم أبدًا. لم يَتَعَدَّ عليَّ قط كمخلوق. ولم يَتَعَدَّ عليك قط. لقد حفظ جانبه من العلاقة بشكل كامل. ولكننا نحن مَن تعدينا عليه. فهو الطرف المتضرر، ولسنا نحن.
بصفته خالق كل الأشياء، فإن لله سلطانًا على كل ما يخلقه.
الدور الَّذي يلعبه المَسيح في فدائنا هو دور الوسيط. ماذا يفعل الوسيط؟ أين يقف الوسيط؟ إنه يقف في المنتصف، وهو مكان لا يحظى المتواجد فيه بشعبية كبيرة. في حالات القطيعة والعداء، عادة ما يتلقى الوسيط الانتقادات من كلا الجانبين. فالأمر يشبه أن تكون حَكَمًا بين طرفين متقاتلَين. غالبًا ما يصبح الوسيط مانع صواعق بشريًا، يحتمل الصدمة من الجانبين كليهما.
عندما نتحدث عن الوساطة، فإننا نهتم بالمصالحة، وهي موضوع حاسم في المَسيحية الكتابية. إن الغرض من الوساطة في نزاع حول عقد عمل في مصنع مثلًا بين العمال والإدارة هو تحقيق المصالحة. يُستدعَى الوسيط ليكون جسرًا فوق فجوة الصراع بين الجانبين حيث فشلت المفاوضات السابقة. إذا لم تكن هناك حاجة للمصالحة، فلا حاجة لوسيط. فالمصالحة مطلوبة فقط عند حدوث القطيعة، أي فقط عندما تنكسر العلاقة.
تتحدث الأسفار المقدسة عن مثل هذه العلاقة الشخصية المكسورة والممزقة، وهي علاقة انكسرت بين طرفين، الله والإنسان. هناك قطيعة بين الله والإنسان، والمصالحة ضرورية. وفي هذا الوضع من القطيعة والانكسار، يأتي المَسيح كوسيط. إنه وسيطنا الأعظم. يكتب بولس:
"لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (١تيموثاوس ٢: ٥، ٦أ).
يشير الإعلان الكتابي إلى أن الله مستاء بشدة من تعدياتنا، وأن الله الآب، بصفته الطرف المتضرر، غاضب من خطيتنا.
على الرغم من أن الكثيرين ينكرون حقيقة غضب الله، إلا أن التعليم واضح تمامًا في الكتاب المقدس بدرجة تجعل من الصعب إنكاره. لكن المنكرون غالبًا ما يتطرفون تجاه النقيض المعاكس، إذ يستبدلون تشويهًا بآخر. يحدث هذا الخطأ عندما يُنظَر إلى الله الآب على أنه مشتعل غضبًا من نحونا مما يستدعي تدخلًا من الابن الخيِّر اللطيف لإقناع الآب. كأن الله الآب يستشيط غضبًا من الإنسان، فيتخيلون أن الابن بسبب قربه لنا ومعرفته لجبلتنا وسقوطنا واحتياجنا، وفي محبته وصبره ورأفته ينحاز إلينا ويعمل كوسيط لنا لتهدئة الآب الغاضب. يفترض هذا الرأي وجود توتر أو انقسام في طبيعة الله الثالوث، كما لو كان للآب رأي والابن أقنعه بتغييره. الآب غاضب وينوي إنزال العقاب وإرسال الجميع إلى الجحيم، حتى يتدخل الابن ليثنيه عن ذلك. يرى هذا الرأي أن يَسوع يقول: "عاقبني أنا بدلًا منهم. دعني أقف في مكانهم. دعني لا أتوسط في النقاش فحسب، بل أمتص الغضب أيضًا. ضعه عليَّ، وليس عليهم. دعني أكون مانع الصواعق، ويمكنك أن تُفرغ غضبك فيَّ".
لكننا عندما نفكر بهذه الطريقة ننسى صاحب فكرة تدبير الوسيط في المقام الأول. لم يأتِ الوسيط من تلقاء نفسه، فالكتاب يخبرنا أنه هكذا أحب الله العالم حتى "بذل"، أو "أرسل"، ابنه. هذان الفعلان نجدهما في الكتاب المقدس مرارًا وتكرارًا. الآب يرسل الابن. الآب يبذل الابن لفدائنا:
"لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، إِنْ كَانَ مَا عَلَى الأَرْضِ، أَوْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ".
"وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ" (كولوسي ١: ١٩-٢٢).
الخَطيَّة كجريمة
البُعد الثالث للخطيَّة هو صفتها الإجرامية. هنا يعمل الله بصفته الحاكم والقاضي. الله في النهاية هو القاضي في كل مسائل العدل. إنه المقياس الأسمى للبر. وشخصيته ذاتها هي المقياس الأسمى للعدل. فهو يعمل شخصيًّا كقاضي السماء والأرض. أما المَسيح في ملحمة الكَفَّارة فلا يعمل كقاضٍ. ومع ذلك، فقد رُفِع إلى دور القاضي عند صعوده، وهو أمر له دلالته. وبالتباين مع ذلك، خضع المَسيح، في نزوله إلى هذا العالم، للدينونة، وكان دوره هنا هو الكاهن والذبيحة في آنٍ واحد. لقد جاء ليُدان نيابة عنا.
عندما أُخطِئ إلى الله، يدفع يَسوع ثمن مديونيتي. ولكي يُقبَل هذا الدفع، يجب على القاضي، الَّذي هو في الوقت نفسه الطرف المتضرر، أن يقرر ويقضي بقبوله لهذا الدفع نيابة عني. إذا كنت مدينًا لله بعقوبة الإعدام لأنني أخطأت إليه، وقال يَسوع: "سأموت من أجله"، وبذل حياته من أجلي، فهل يكون الله تحت أي التزام بقبول هذا الدفع؟ لا على الإطلاق.
فيجب أولًا أن يكون هناك قرار من حاكم الكون بأنه سيقبل دفعًا نيابيًّا لكي تُغطى جريمتي. وقرار الله الآب بالقيام بذلك هو من قبيل النعمة الخالصة.
يطالب الله بتحقيق العدل. يجب دفع الثمن. وأن يُسدَّد الدَّيْن بالكامل، بالمعنيين المالي والعقابي. إنه يحكم على جريمتنا، أي يُعاقَب الجُرم، ويُدفَع الدَّيْن. إن الله لا يساوم مع عدله. ولكنه، في الوقت نفسه، سُدِّد دَيْننا وعقاب الجُرم بواسطة بديل. وهكذا، يُظهِر الصليب كلًّا من العدل الكامل والرحمة الكاملة. انزع البدليَّة، فتنزع معها نعمة الله. انزع الصليب، وهكذا تنزع معه عدل الله وبره. ففي هذه المعاملة [أي صليب المَسيح] نرى ما قصده بولس عندما قال إن الله "بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ" (رومية ٣: ٢٦).
أسَّس الدكتور آر. سي. سبرول R.C. Sproul (١٩٣٩-٢٠١٧) خدمات ليجونير Ligonier، وكان أول خادم للوعظ والتعليم في كنيسة Saint Andrew’s Chapel في سانفورد بولاية فلوريدا، وأول رئيس لكلية Reformation Bible College، ورئيس التحرير التنفيذي لمجلة "تيبول توك (Table Talk)". لا يزال برنامجه الإذاعي "تجديد ذهنك (Renewing Your Mind)" يُبث يوميًّا على مئات المحطات الإذاعية حول العالم ويمكن الاستماع إليه أيضًا عبر الإنترنت. وقد ألَّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك "قداسة الله (The Holiness of God)"، و"مختار من الله (Chosen by God)"، و"كلنا لاهوتيون (Everyone’s a Theologian)". سبرول معروف حول العالم بدفاعه الفصيح عن عصمة الكتاب المقدس وحاجة شعب الله للاستناد باقتناع على كلمته.
نُشر هذا المقال وتُرجِم بإذن من خدمات ليجونير. يمكنكم قراءة النسخة الإنجليزية من الرابط التالي What Is Sin?





