أين الكنائس من الإصلاح الإنجيلي في الوقت الحاضر؟ 

مع تغيير صفحة التقويم إلى شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، يتذكَّر البروتستانت كيف أشعَلَ مارتن لوثر (Martin Luther) نيران الإصلاح الإنجيليِّ عام ١٥١٧. بمطرقةٍ حديديَّةٍ وبشجاعةٍ باسلة، ضَرَبَ "الراهب لوثر" ضربته القاضية في "فيتنبرغ " Wittenberg في ألمانيا، واستمر جنبًا إلى جنب مع عدد من الأصدقاء المُخلِصين في تفعِيل حركة الإصلاح لعقود بعد ذلك. 

أنا أستمتع بقراءة تاريخ الإصلاح الإنجيليِّ ودراسته، لأنّ هذه القراءة غنيّة من نواحٍ عديدة: فهي تُشجِّعني وتُوبِّخني وتُعلِّمني وتُلهِمني. من الطبيعيِّ أن ننظُر حولنا إلى الكنيسة المُعاصرة ونُقيِّمها في ضوء الإصلاح الإنجيليِّ. وعندما نفعل ذلك،  نفرح باستعادة جوهر الإيمان الإنجيليِّ مرَّةً أخرى. مثلًا، يُشجَّعني كثيرًا التركيز على المبادئ الخمس للإصلاح الإنجيليِّ Five solas، أنَّ رائحة وطعم ولون الإصلاح الإنجيليِّ لا يزال مستمرًّا حتَّى اليوم. من المؤكَّد أنَّ الانتشار الواسع للإنجيل ومركزيَّته على مدى الجيل الأخير أمرٌ يستحقُّ أن نُسبِّح الله لأجله. وفي الوقت ذاته، عِند النظَر من خلال عيون المُصلحين، تراودنا بعض المخاوف والشكوك الخاصَّة باستمراريَّة هذه الحركة المُبَارَكة. بعد التفكير في ضوء حركة الإصلاح الإنجيليِّ، سطعت أمامي خمسة مسارات:

1- اتَّبِع "القديم" واسعَ خلفه، بدلاً من السعي دائمًا خلف "الجديد".

من اللافت للنظر عند القراءة عن حركة الإصلاح الإنجيليِّ، أنّ قادتها لم يسعوا لصُنع شيء جديد، لكن على العكس سعوا لإصلاح الشيء القديم. لقد أحبّوا الكنيسة وأرادوا إصلاحها. لقد أحبّوا العقيدة (خصوصًا، عقيدة التبرير بالإيمان وحده) وأرادوا استردادها. إذا كُنّا صادقين مع أنفسنا فعلينا الاعتراف بأنه هناك القليل من هذا التوجُّه اليوم. إنّ رد فعلنا الطبيعي هو: "إنّ القديم سيء (أو على الأقل يحتاج إلى تحديث ما) بينما الجديد جيد بشكل عام.". غالبًا ما يتحدث القساوسة وقادة الكنيسة عن "رؤيا" لشكل يريده الله لكنيستهم أن تكون عليه. أما عن أعضاء الكنيسة فيتحدثون عن الأمور الجديدة التي يُمكن أن تفعلها الكنيسة لتكون مواكبة للعصر الحالي. حتّى بين أولئك الذين أنشأوا حركة "شباب، مُصلَح، لا يَكِلّ" (Young, Restless, Reformed)، يبدو أن بينهم شهوة وتلهُّف لخلق شيء جديد أو على الأقل عمل شيءٌ ما. لكن المُصلحون كانوا يتَطَلَّعون إلى الشيء القديم بدلًا من الشيء الجديد، حتّى في وسط رماد الحريق والانحراف العقائدي للكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر. وهذه نصيحة جيدة لنا اليوم أيضًا.

2- كُن مخلِصًا وأمينًا حتّى إن كان على حساب محبة الآخرين لك.

عندما تقرأ قصص جون كالفن (Calvin) ومارتن لوثر (Luther) وزوينجلي (Zwingli) وآخرين، تندهش من قلَّة قلقهم بشأن كونهم محبوبين، ومن مدى عزمهم على أن يكونوا مُخلِصين وأمناء مهما كلَّف الأمر. هل تعتقد أن طرد "كالفن" من بلده "جنيف" Geneva، أو "لوثر" من "مجمع ورمس" The Diet of Worms كان شيئًا بسيطًا؟ بالطبع لا، لقد كانت لديهم عِظَام من الصُلب ومن الحديد، ليتحمَّلوا نتيجة أمانتهم. بدلًا من العمل على الصفقات الرابحة أي المساومة على العقيدة أو تلطيفها وتخفيفها بشكل ما أو حتّى إخفاض صوتهم قليلاً؛ رفع هؤلاء الرجال صوت العقيدة فوق أي مصلحة شخصيّة، قالبين الأمور رأسًا على عقب.

في الحقيقية أنا قلق بشأن جيلنا. خصوصًا وسط الضغوط الثقافيَّة على الكنيسة للتوافق والانسجام مع الثقافة، بالإضافة إلى الإلحاح والضغط الإنجيليِّ لعدم الانقسام الطائفيِّ، ليكون الشكل العامُّ كأنَّنا في توافقٍ وانسجامٍ. فعندما يتَّخذ الناس موقفًا لأجل العقيدة، غالبًا ما يتمُّ تصنيفهم على أنَّهم "متعجرفون، أو متشدِّدون بإفراط -أي بشكلٍ مبالغٍ فيه". فالعلامة المُميِّزة للأشخاص اليوم، هي التحدُّث عمَّا أنت تنتمي إليه وليس ضدَّه. ولكن في مرحلةٍ ما، ينبغي للواعظ بكلمة الله أن يكون واضحًا بشأن ما يُعارضه الله. يجب عليه أن يشير إلى العقيدة الخاطئة، لتلمع وتظهر العقيدة الصحيحة. كم عدد القساوسة اليوم الذين على استعداد أن يقولوا إنَّ الإنجيل الذي تُعلِّمه الكنيسة الكاثوليكيَّة الرومانيَّة هو إنجيلٌ مُزيَّفٌ ملعونٌ؟ يا لها من مفارقة: فما يعجبنا في المُصلحين، وهو لا يزال مُستمرًّا حتَّى الآن، هو "أمانتهم وإخلاصهم". ولكنَّك لن تقدر على السير بهذه الأمانة في طريقك إلاَّ عندما تحسب التكلفة، وتجعل أمانتك وإخلاصك لله، فوق أيِّ استحسانٍ بشريٍّ أو مصلحة شخصيَّة.

3- كُن رجُلًا "مُعتمدًا على الصلاة" بدلًا من "الاعتماد على ثقتك بنفسك".

أنا متأكد من أنّ معظم المؤمنين إن لم يكن الكل، يُريدون اليوم رؤية الإنجيل يتقدَّم. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف يحدث هذا الأمر؟ الكتاب المُقدَّس نفسه هو الذي يَضَع بداخلنا هذا الشغف لتقدُّم الإنجيل، يُزودُّنا بالإرشادات لإنجاز هذا الأمر. سواء إن كنت تقرأ "لِلوثر" عن مُزحته الشهيرة، عندما قال: اليوم يوم حافل بالكثير من الأمور، من الأفضل أن أصلي لمدة ثلاث ساعات فقط. أم إن كنت تقرأ "لكالفن" ورأيه في الصلاة، فبالتأكيد أنت تُدرك أنّ الإصلاح الإنجيليِّ قد استمر من خلال صلوات القديسين. لكن لماذا لا تمتلئ اجتماعات الصلاة في هذه الأيام؟ (بل السؤال الأفضل: أين اجتماعات الصلاة من الأساس؟) أَذهبُ اليوم إلى خدمة في كنيسةٍ إنجيلية عادية، للأسف لن تسمع الكثير من الصلاة! أين اجتماعات الصلاة؟ أين هو شغف المؤمنين الطبيعي نحو الصلاة؟ أين هم أعضاء الكنيسة المُثقّلون بالشغف الشديد، المُتوسّلون إلى الله من أجل التبشير بيوم الرّب؟ نشرت هيئة (9 علامات 9Mark) مؤخرًا، مجلة عن "الصلاة الكنسيّة"، متضمّنة مقابلّة حول "فشل الكنائس بشكل مُشين وسيء ومُحرج في الصلاة". إذّا كُنا لا نُصلِّي، ينبغي أن نسأل أنفسنا: لماذا؟. إذّا كان لدينا شعور بالثقة بالنفس فلا ينبغي لنا توقُع استمرارية حركة الإصلاح في يومنا هذا، ما دُمنا نُفكِّر في ماركة ملابسنا، وماكينة صُنع القهوة الخاصة بنا.

ليُعطِنا الرّب أن نذبح الوحش الجامح أي ثقتنا بأنفسنا، بينما نتمسّك ونتشبّث بعرش النعمة. 

4- عقيدة "ما يطلبه المُستمع" وليس "ما يُريده الله". 

لقد تحدّثت مع قائد كنيسة، وهذه المُحادثة تُعبِّر عن فكر الكثير من المسيحيين الآخرين. قال لي، أنه لا يَعِظ بالوعظ العقائدي- أي الخاص بالعقيدة. بدلًا من ذلك، أضاف إنّه يُعلِّم الشعب بطريقّة عمليّة. يقول معظم الناس هذا، بطريقة تُظهر أنهم فخورون بهذا الأسلوب، وكأنه وسام شرف لهم. بغض النظر عن التناقض الواضح لمِثل هذا التصريح (لأن العقيدة هي التعليم)، فمثل هذا التصريح تفوح منه رائحة عفنة، وهو يُعبِّر عن نوع من أنواع الجهل والأميّة الكتابيّة، وفي الواقع هذا الجهل يحتاج إلى العقيدة ذاتها. ماذا نُعطي شعبنا إن لم نُعطهم العقيدة؟ يبدو أن العديد من القساوسة وأعضاء الكنيسة اليوم لديهم حساسية من العقيدة تماثل حساسيتهم تجاه "بروتين الغلوتين" الذي يُسبب المُعاناة والآلام في المعدة. يُمكنك الابتعاد عن الخبز الذي يحتوي على "الغلوتين"، ولكنك بالتأكيد كقائد أو كعضو كنسي لن يُمكنك أن تفلت من الوعظ الخالي من العقيدة، يقول الرسول بُولس: "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ- أي العقيدة. لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ- أي العقيدة الصحيحة .... " (٢تيموثاوس ٢: ٤). إذا كانت حركة الإصلاح الإنجيليِّ ستنمو وتستمر في يومنا هذا، فستكون نتيجة الوعظ العقائدي الأمين نحو كلمة الله (والتطبيق العملي المبنِي عليه). مثلما كانت تقول لك أمُك في صِغرك عن الخضراوات: "إنها مُفيدة لك! ومع الوقت ستحبُها".

5- أحبِب الكتاب المُقدَّس، لا المشاهير فقط. 

سواء كنا نتحدث عن أهل كُورِنثوس (١كورنثوس ٣) أم عن "كالفن" في مدينة "جنيف"، فإن كل عصر له تحدياته الخاصة، خصوصًا من جهة تعظيم أبطاله وتأليههم. بالتأكيد نحن نُحب قادتنا، ونحن مُمتنّون لله من أجل استخدامه لهم لتعليمنا الكلمة المُقدَّسة. لكن، في بعض الأحيان، يمكننا أن نذهب بعيدًا عن ذلك. (فلا عجب لماذا أَصَرَّ "كالفن" على أن يُدفن في قبرٍ غير معروف في مكانٍ غير معلوم!.)

في وسط كل اللقاءات والخدمات الرائعة التي تُركِّز على مركزيّة الإنجيل والإرساليات، واللاهوت المُصلِح، وكذلك على المُصلحين أنفسهم، يَكمُن قلقي في هذا السؤال: هل نقرأ كلمة الله نفسها التي تحدّث عنها المُصلحون، أم نقرأ فقط ما كتبه المصلحون عن كلمة الله؟  حقًّا شكرًا لله على القساوسة الذين يجيدون قراءة ما يكتبه جون بايبر(Piper)، وتيموثي كيلير (Keller)، وجون ماك آرثر (MacArthur)، وأر. سي. سبرول (Sproul)، ومارك ديفر (Dever)، ولكن هل حقًا نصوص الكتاب المُقدَّس تُسيطر علينا وتغمرنا وتملأ كِياننا، كما كانت معهم؟ كمسيحيّين يرغبون في رؤية كلمة الله تنتشر بسرعة دون تَوَقُّف، يجب علينا أن نعرف كلمة الله -ليس فقط ما قاله "جون بايبر" عنها.

اندلعت أوَّل شرارة لنيران الإصلاح من "الكتاب المُقدَّس" وتم استعادة عقيدة "التبرير بالإيمان وحده". من الأفضل رؤية القادة باعتبارهم وسيلة لتحقيق الغاية، وليسوا هم الغاية في حد ذاتهم. إنهم مثل سائقي السيارة الذين يقودوننا إلى "الكتاب المُقدَّس" حتّى نتمكن من رؤيته بأنفسنا. إن شغفي العظيم الذي أتَطَلَّع إليه، هو جيل لا يُحب الاهوتيّين المصلحين فحسب، بل لاهوت وتعاليم الإصلاح ذاته أيضًا. ولبلوغ هذه الغاية، يجب على المرء أن يُحب كلمة الله، وإله الكلمة.

إن تَذكُّر الإصلاح هو تَذكُّر ما فعله الله في التاريخ. فالتصريح اللاتيني الشهير (Post tenebras lux) الذي تفسيرُهُ: نُورٌ مِن بَعدِ ظلامٍ، هو شيء يستمر الله في فعله دائمًا.

ليتَ الله يُشدّد أيدينا في يومنا هذا، لنحمل شُعلة مارتن لوثر والإصلاح الإنجيليِّ ونمضي بها قُدُمًا؛ وبذلك قد لا ننسى أبدًا ما تعلمناه من الماضي.


إريك رايموند (Erik Raymond) هو راعي كنيسة Redeemer Fellowship Church  في بوسطن. ولديه هو وزوجته كريستي (Christie) ستة أبناء. يكتب إريك في مدونته الشخصية Ordinary Pastor، ويمكنك متابعته على منصة تويتر عبر حسابه @erikraymond.

تمت الترجمة بإذن من خدمات ائتلاف الإنجيل. يمكنكم الرجوع إلى المقال الأصلي بالضغط على الرابط التالي: Reformation Day Reflections for Today’s Church