هل يمكنني الوثوق بكنيستي المحلية؟

تصف كلمة "بِدْعة" مجموعة دينية خطيرة يقع أتباعها فريسة للتلاعب. وعادة ما تستهوي البِدَع الأشخاص غير الراضين والخائفين والضعفاء. تجذب البِدَع الناس إلى شباكها من خلال تقديم رجاء في عالم يائس، وهوية في عالم مجهول، وأمان في عالم متزعزع.

يقينًا، وبشكل ما، لا تختلف هذه الفوائد كثيرًا عما تقدمه كنيسة المسيح للمؤمنين الحقيقيين (لا يتسع المجال هنا لذِكر ما تقدمه الجماعات والمنظمات الأخرى، الدينية منها وغير الدينية، لأعضائها). ليس كل إيمان إيمانًا خاطئًا، وليست كل غيرة خاطئة، وليس كل خضوع أعمى، وليست كل سلطة مذنبة لمجرد أنها تفرض سلطتها.

ولكن في عصر تغزو أركانه العلمانية المتنوِّرة، والفردية الراديكالية، والعداء المتزايد للإيمان الكتابي، ليس من المُستغرَب أن نسمع أشخاصًا يصفون الكنائس المحلية بعبارات تُوظَّف لتوصيف البِدَع. كيف، في مواجهة ازدراء العالم، نستطيع التيقُّن أن كنائسنا تُشكلِّنا حسب الحق الكتابي تحت سُلطة المسيح بدون تلاعب؟ تَلْزمنا هذه الثقة من أن كنائسنا تعمل وفق الحدود التي رسمها الوحي المُقدّس.

لا توجد كنيسة مثالية، ولا ينبغي لنا أن نطلق على جماعاتنا المحلية أحكامًا قاسية ولا أن نتسرع في استخلاص استنتاجات حول الدوافع. ولكن إذا كنا قلقين بشأن الكنائس التي نجد أنفسنا (أو أحباءنا) فيها، فيمكننا البحث عن هذه الأوتاد السبعة لضمان ثبات الخيمة بحق وبقوة على إعلان صادق لحق الله.

١. سُلطة الكتاب المُقدّس

في المقام الأول من الضروري أن تتبع الكنائس المسيحية مثال الكنيسة في بيرية. يصف سفر أعمال الرسل ١٧: ١١ استجابة يهود بيريَّة لكرازة بولس وسيلا بالإنجيل: "...، فَقَبِلُوا الْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ، فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا؟".

في الكنيسة يخضع الجميع - بما فيهم القادة - للكتاب المُقدّس ويقع على عاتق المؤمنين مسؤولية قياس التعليم الذي يتلقونه أمام مرآة الكتاب المُقدّس. لا يسع المؤمنون حضور الكنيسة من دون كتابهم المُقدّس، وعليهم قراءته والتحقُّق من الوعظ المسموع ليروا ما إذا كانت الأمور المُعلَّمة موجودة حقًا في كلمة الله. 

لقد كلَّف الله بدعوة ومسؤولية البعض في الكنيسة لكي يعلِّموا، ولكن أولئك الذين يعلِّمون الكتاب المُقدّس لا يجوز لهم اختلاق تفسيرات مُبتدَعة، بل يجب عليهم ببساطة أن يقدِّموا الحق المُعلَن في كلمة الله. وعلى الرغم من أن فهم الحق الكتابيّ يتطلَّب شيئًا من الجهد، إلا أنه ليس مخفيًا، إذ هو متاح لأي مَن كان مستعدًا لفتح الكتاب المُقدّس ودراسته، بمعونة روح الله.

٢. كل مشورة الله

ثانيًا، في ضوء سُلطة الكتاب المُقدّس، تقتضي الضرورة أن يكون لدينا رعاة أمناء في إعلان "... بِكُلِّ مَشُورَةِ اللهِ"، كما فعل بولس بين الكنائس التي خدمها (أعمال الرسل ٢٠: ٢٧).

عندما وعظ بولس لم يتشبَّث بموضوع مفضَّل أخذ يُكرِّره باستمرار، ولا كان مَهووسًا بإطار لاهوتي مُعيَّن، ولا بمقاطع بعينها بمعزل عن الكتاب المُقدّس. كما لم يتمسك أيضًا بموضوع جدلي معاصر ألَّح عليه في كل مرة وقف فيها على المنبر. لكن يمكن وصف وعظ بولس كما لخَّصه جون ستوت John Stott بعبارة عميقة الفائدة لنا: "شارك بولس كل حق مُمكِن مع كل الأشخاص المُمكنين بكل الطرق المُمكنة."1

يعني هذا عمليًا أنه يجب على الرُّعاة بذل أقصى طاقتهم من أجل تعليم الكتاب المُقدّس من أسفاره كافة بدون ارتباك أو إحراج. كذلك يجب عليهم تجنُّب السماح لإطار لاهوتي معيَّن أو الخوف من "فزاعة" ثقافية بعينها بالسيطرة على ما يعلِّمه نص الكتاب المُقدّس بوضوح. 

لنأخذ مثالًا شائعًا: التعليم المختص بمجيء المسيح ثانيةً هو ركيزة أساسية في التعليم الكتابي،

لكن الانشغال المفرط بأحداث آخر الزمان يُعد عادة علامة خطر - بالتأكيد تثبت صحة التخوُّف عندما لا يرافقه نقاوة السلوك.

تُعلِّمنا رسالة يوحنّا الأولى ٣: ٣ أن كل من يرجو عودة المسيح "... يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ [أي المسيح] طَاهِرٌ." إن تنحية الضرورات الأخلاقية للكتاب المُقدّس جانبًا من أجل الهوس بالتواريخ والأرقام والاستعداد للكوارث هو عَرَض لكنيسة (أو قادة) تاهت أقدامهم عن الرَّجاء الحقيقي في رجوع المسيح.

٣. القيادة الجماعية

تعدُّد القادة في الكنيسة ضمان جوهري لمنع أي نوع من الاستبداد، وهو أمرٌ غالبًا ما يُميّز البِدَع.

السلطة والقيادة داخل الكنيسة ركنان محوريان، وأحيانًا قد يحظى فرد واحد بمكانة متميِّزة بين قيادة الكنيسة، على أنه يلزم أن يكون قادة الكنيسة دائمًا ضمن إطار من الرجال الآخرين الذين يحرسون حياة بعضهم البعض ناصحين ومرشدين ومسائلين بعضهم البعض فيما يرعون الرعيّة، مع التأكيد على كَوْن كلمة الله المنارة الهادية نحو الاتجاه الصحيح.

الخطر حقيقي والكتب المُقدّسة تتوقع حدوثه. فقد أكّدَ بولس على ضرورة التمسُّك بكل مشورة الله مُحذِّرًا من "ذِئَاب خَاطِفَة"، قائلًا: "وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ" (أعمال الرسل ٢٠: ٢٩، ٣٠). لذلك ننبِّر على أهمية كوْن القادة داخل الكنيسة قادرين ومستعدين لمساءلة بعضهم البعض بتواضع خاضعين لكلمة الرب.

٤. رفض الانعزالية

أبدًا لم تكن العُزلة عن العالم هي خطة الله للكنيسة.

في يوحنّا ١٧: ١٥، يُصلّي يسوع إلى الآب من أجل تلاميذه قائلًا: "لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ." عندما يجد المؤمنون أنفسهم محبوسين في دوائر تتضاءل باستمرار، ينبغي عليهم أن يتطلّعوا إلى خارج هذه الدوائر.

تستغل البِدَع العُزلة، إذ ترى البِدَع الانعزال فرصة سانحة للهيمنة من خلال فصل المجموعة عن المجتمع الأكبر، أو إبعاد أفراد الأسرة عن بعضهم البعض، أو زرع الفُرقة بين الأزواج. لا ينبغي للكنيسة أبدًا أن تكون على هذا النحو، لأن يسوع لم يدعُ إلى ذلك. ويبدو أن بولس يفترض أن مثل هذه العُزلة أمر مستحيل في الكنائس الحقيقية (١كورنثوس ٥: ٩، ١٠). من المهم للمؤمنين أن يكون لديهم أصدقاء غير مسيحيين وأن يعيشوا حياتهم بانفتاح أمام جيرانهم.

هذا لا يعني أنه يجب على المؤمنين المشاركة في الخطية، ولا يعني أن قطع العلاقات للهروب من الخطية خيار غير مطروح. لكنه يعني إدراك المؤمنين استحالة وضع أنفسهم في "حَجْر صحِّي" يعزلهم عن الدنيوية، كذلك يعني استيعاب مسؤوليتهم في العَيْش شهودًا للعالم.

٥. الحكمة في الأمور غير الأساسية

شعب الله مدعوٌ إلى مستوى واقعي من الاتفاق حول الأمور غير الأساسية. أما عندما تطالب الكنائس بتطابق الآراء من القيادة إلى الشعب وخضوعهم لمطالب خارجة عن الكتاب المُقدّس، فهذه علامة خطر!

في الأمور الجدلية يستحيل الحصول على يقين بنسبة مئة في المئة، حتى بين الأشخاص المتوافقين. يجب أن ندرك أن بولس نفسه اعتبر أنه لم يَصِر كاملًا في فهمه وطاعته (فيلبي ٣: ١٢، ١٣). لقد رغب في وحدة الجماعة، لكن ثقته المُطلَقة كانت في قوة الله المُقدِّسة. يمكننا أن نثق بأن الله سيقود الناس إلى النضج، وهذا يتطلّب ثقة كبيرة في الكتب المُقدّسة وفي روح الله.

التسامح مع التعليم غير الكتابي هو سذاجة حمقاء وليس تعبيرًا عن المحبة الكتابية.

على طرف نقيض، التسامح مع تعليم يتناقض مع الكتاب ليس تعبيرًا عن المحبة الكتابيّة. يكتب الرسول يوحنّا: "كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللهُ" (٢يوحنّا ٩). عندما يتعلّق الأمر بعقائد جوهرية مثل إنجيل غفران الله من خلال كفارة المسيح، وحقيقة حرفية القيامة، وعقيدة الله (كما هي مُلخَّصة لنا في قوانين الإيمان المسكونية)، فلا مكان للمساومة مطلقًا.

٦. المُساءلة المتبادَلة والمُحِّبة

من الضروري للغاية أن يعتني المؤمنون ببعضهم البعض - لا من أجل الإبلاغ عن بعضهم البعض، كما هو الحال غالبًا في تلك الجماعات المُبتدِعة، بل لبناء بعضهم البعض في الرب.

يأمرنا الكتاب المُقدّس أن نحب بعضنا البعض، وأن نهتم ببعضنا البعض، وأن يعظ بعضُنا بعضًا. يقول بولس في ١تسالونيكي ٥: ١٤: "وَنَطْلُبُ إِلَيْكمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلاَ تَرْتِيبٍ. شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ." إن الكنيسة التي تتسم بانعدام الثقة المتبادَلة ليست جسدًا صحيًا، وكذلك الكنيسة التي تتسم بانعدام الاهتمام المتبادَل.

نحن أعضاء جسد المسيح ويجب علينا دائمًا أن نساعد بعضنا البعض في خدمة الرأس الواحد من خلال خدمة بعضنا البعض (أفسس ٤: ١٥، ١٦). فللمُرتاب يجب أن نُقدِّم رحمةً وتفهُّمًا، وفي حياة المقامرين بأبديتهم يجب أن نتدخل تدخُّلًا مباشرًا وسريعًا (يهوذا ٢٢، ٢٣)، وللمنغمسين في الخطية يجب أن نُظهِر رحمة بحذر لأن أي مساومة مع الشر ستُسفِر حتمًا عن خسارة سلبية.

٧. الثقة في قوة الله الحافظة

أخيرًا الكنيسة الصحية تظل واثقة في قوة الله "الْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي الابْتِهَاجِ" (يهوذا ٢٤).

في عالم شرير حيث يعمل أناس أشرار وقوى شريرة، هل يجب أن نخضع للاستبداد؟ هل يجب أن نهرب وندفن رؤوسنا؟ هل يجب أن نعزل أنفسنا؟ هل علينا الانسحاب؟ هل نترك العالم للشرير؟ مُطلَقًا! يمكن لكنيسة المسيح أن تستمر في فعل الخير واثقةً أن المسيح قد انتصر بالفعل في الجلجثة.

يمكن للشيطان أن يَهيِج ويزمجر، و"غيظ الجحيم سيأخذ مَجْرَاهُ."2 قد يجرحنا العالم بالفعل، ولكن يمكن للمؤمن أن يكون متيقنًا، مع بولس، بأنه لا شيء "يَقْدِرُ أَنْ يَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ" (رومية ٨: ٣٨).

وإن سلبوا حياتنا والمقتنيات والكرامة والأبناء والزوجة فربحهم قليلٌ، إذ ستزول هذه الأشياء كلها وستبقى مدينة الله.3


هذه المقالة مُقتبسة من عظة "منظور كتابي للأحداث في واكو (A Biblical Perspective on the " Events in Waco)" لأليستير بيج.


١. جون آر. دبليو. ستوت John R. Stott، "رسالة أعمال الرسل: الروح، الكنيسة والعالم (The Message of Acts: The Spirit, The Church and The World)"، "سلسلة الكتاب المُقدّس يتحدث اليوم (The Bible Speaks Today)" لمؤلفه داونرز جروف Downers Grove، إلينوي: IVP Academic، ١٩٩٠، ٣٢٨.

٢. مارتن لوثر Martin Luther، ترجمة توماس كارلايل Thomas Carlyle، "إلهنا لا يزال حصنًا منيعًا (A Safe Stronghold Our God Is Still)" (١٥٢٩، ١٨٣١(.

٣.  لوثر.


تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع Truth For Life وضمن سلسلة من المقالات القيّمة التي ستقوم خدمة "الصورة" بنشرها باللغة العربية.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من خلال الرابط: Can I Trust My Local Church?