ماذا تعني كلمة "إكليسيا" في الكتاب المقدس

"ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَدَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ. وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ، وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا، وَيَكُونَ لَهُمْ سُلْطَانٌ عَلَى شِفَاءِ الأَمْرَاضِ وَإِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ" (مرقس ٣: ١٣- ١٥)

صعد يسوع إلى جبل، مع مجموعة صغيرة من تابعيه كما يبدوا لنا من المشهد، وقرَّب بعضًا من تلاميذه إليه، ليس بغرض أن يخدمهم، بل لكي يُفرَزوا هم للخدمة. كان هدفه أن يكونوا طُلابًا في مدرسته بصفته مُعلِّما دينيًّا [رابَّي]، لكي يتدرَّبوا ليُرسلوا للقيام بنفس الأعمال التي كان يعملها، أي الوعظ والشفاء.

لقد أظهر لنا مرقس بالفعل الدعوة الأوليَّة لبعض التلاميذ على الأقل. في الإصحاح الأول، روى دعوة أربعة صيادين، بطرس وأخيه أندراوس، ويعقوب وأخيه يوحنا (مرقس ١: ١٦- ٢٠). وفي الإصحاح الثاني، تحدث عن دعوة لاوي أو متّى (مرقس ٢: ١٤). وكما رأينا عندما درسنا تلك المقاطع، كان اختيار يسوع للتلاميذ خروجًا جذريًا عن عادات ذلك الزمان. في العادة، حين يرغب شخص في الدراسة مع مُعلِّما دينيًّا [رابَّي]، كان يُقدِّم طلبًا تمامًا كما يتقدَّم الطلاب اليوم بطلبات للقبول في الكليات. أما يسوع، فكان هو مَن اختار أولئك الذين أراد أن يُدرِّبهُم في طرقه.

على الجبل "دَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ". من المتوقَع وجود أتباع ليسوع أكثر من الرجال الخمسة الذين عيَّنهم بنفسه بحسب سردية مرقس. ومن بين تلك المجموعة، دعا بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنّا ومتّى وآخرين. لم يدعوهم لدراسة الشريعة أو العلوم أو لتعلم حرفة، بل دعاهم إلى نفسه. دعا يسوع أولئك الذين أرادهم، وكانت دعوته دعوة سيادية. إذ أنَّ كل من دعاهم إلى تلك الخدمة أطاعوا الدعوة، فجاؤوا طوعًا للانضمام إلى ذلك الفريق من الرجال الذين سيصبحون جزءًا من هوية يسوع.

بشكل ما هذه نظرة ميكروسكوبية لما يفعله يسوع لملكوت الله بِأكمله، إنه يدعو أولئك الذين يريدهم. الكلمة اليونانية التي تُترجم "كنيسة" في الكتاب المقدس هي "إكليسيا (Ekklesia)". تتكون هذه الكلمة من مقطع في أول الكلمة (prefix) وجذر (root). المقطع في أول الكلمة هو ek  أو ex، والتي تعني "مِن" أو "خارج". والجذر هو صيغة من الفعل kaleo، بمعنى "أن يدعو". وهكذا، تعني كلمة "إكليسيا" أولئك المدعوين للخروج. ببساطة تتكون الكنيسة غير المنظورة، أي الكنيسة الحقيقية، من أولئك الذين دعاهم الله ليس فقط خارجيًا، بل داخليًا بواسطة الروح القدس. عندما يدعو يسوع شخصًا إلى التلمذة، فإنه يدعو ذلك الشخص إلى نفسه، لكي ينتمي إليه ويتبعه ويتعلم منه وعنه.

صحيح أن الإيمان الوحيد الذي يمكن أن يتبرر به الإنسان هو إيمانه الشخصي. لا يمكن لأحد أن يتبرر بإيمان زوجته أو والديه أو أطفاله أو إيمان أي شخص آخر. في الدينونة الأخيرة سيقف كل واحد أمام الله وحده، وسيُصدَر الحُكم بناءً على ما في قلبه وحده.

على أنه في كل مرة يُخلِّص فيها المسيح فردًا، فإنه يضعه في مجموعة. هناك بُعد جماعي لملكوت الله يجب ألا نغفله.

تحدثتُ مؤخَّرًا مع امرأة دعت كنيستها راعيًا جديدًا لتولي قيادة الكنيسة. لم يعحبها الراعي الجديد، لذلك تركت الكنيسة. وعندما سألتُها عما تفعله بخصوص العبادة، أجابت بأنها تشاهد البرامج الدينية على التلفزيون صباح يوم الأحد. المشكلة الواضحة في هذا هي أنها ليست في الكنيسة صباح يوم الأحد. إنها ليست مع شعب الله في عبادة جماعية، التي هي محفل مقدَّس. الحياة المسيحية حياة جماعية، لأن المسيح يضُم مفديه إلى الكنيسة ليتعلموا معًا وينموا معًا ويخدموا مَعًا ويعبدوا معًا.


الدكتور آر. سي. سبرول R.C. Sproul (١٩٣٩ - ٢٠١٧) مؤسس هيئة خدمات ليجونير (Ligonier Ministries)، وأول خادم للوعظ والتعليم في كنيسة (Saint Andrew’s Chapel) في سانفورد بولاية فلوريدا، وأول رئيس لكلية (Reformation Bible College)، والمحرر التنفيذي لمجلة (Tabletalk). لا يزال برنامجه الإذاعي "تجديد ذهنك (Renewing Your Mind)" يُبث يوميًا على مئات المحطات الإذاعية حول العالم ويمكن الاستماع إليه أيضًا عبر الإنترنت. وقد ألَّف أكثر من مائة كتاب، منهم "قداسة الله (The Holiness of God)"، و"مختار من الله (Chosen by God)"، و"كلنا لاهوتيون (Everyone’s a Theologian)". وهو معروف في جميع أنحاء العالم بدفاعه البليغ عن عصمة الكتاب المقدس وحاجة شعب الله للوقوف مؤسَّسين على كلمته ثابتين بقناعَة ويقين.


نُشر هذا المقال وتُرجِم بإذن من خدمات ليجونير. يمكنكم قراءة النسخة الإنجليزية من الرابط التالي What “Ekklesia” Means in the Bible