رسالة الإنجيل في العدد

إلى أرض الموعد

يروي سِفر العدد رحلة بني إسرائيل في البرِّيَّة وهم في طريقهم إلى أرض الموعد. تطبيق السِّفر إذن له ارتباط بشكل خاص بالحياة ”في البرِّيَّة“. بين ظُلم مِصر وراءهم وأرض كنعان الفيَّاضة أمامهم كانت البرِّيَّة مكان الانتقال والاختبار. فقد كانت الوقت الَّذي كان على شعب الله أن يُمارس فيه الإيمان، والثِّقة يوميًّا في إرشاد الله وعنايته.

وعلى الرَّغم من أنها رحلة شاقة مُفعمة بالتَّجارب والإخفاقات، فإن كل خطوة فيها كانت تشهد على أمانة الله.

أولاً، أن يجد شعب الله نفسه في البرِّيَّة فهذا على الإطلاقِ دليلٌ على نعمة الله المُخَلِّصة، أو بتعبير آخر، بآيات وعجائب عظيمة قد خَلَّصهم الله من العُبوديَّة في مِصر وأتى بِهِم عبر مياه البحر.

ثانيًا، كانت هذه الرِّحلة، عبر البرِّيَّة إلى كنعان، في حد ذاتها جزءًا من تحقيق الله لمواعيده الكريمة التي أقسم أن يُحقِّقَها لإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب (تكوين ١٢:١، ٧؛ ٢٦: ٢- ٤؛ ٣٥: ١٢).

ثالثًا، بسبب هذه المواعيد، يمكن لشعب الله أن يقول بحق في البرِّيَّة: "الرَّبُّ رَاعِيَّ..." (مزمور ٢٣: ١)، لأن الرَّب قد اعتنى بهم مزوِّدًا إياهم بمصدر للمياه من الصَّخر، كما أعطاهم المَنّ، والسَّلوى، وحماهم من الأعداء، وأعانهم حتَّى أن ثيابهم ونِعالهم لم تبلَ لمُدَّة أربعين سنة (تثنية ٢٩: ٥).

رابعًا، أن تكون بين شعب الله في البرِّيَّة، فهذا يعني فوق كل شيء أنك تنعم بحضرة الرَّب الإله الساكن وسط شعبه - فقد نُصِبَتْ خيمة مسكنه في الوسط في قلب خيام بني إسرائيل، وهي علامة أكيدة على رغبة الله في أن يكون مع شعبه، للتَّكفير عن خطاياهم، ولإرشادهم إلى الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا.

ولأن العهد الجديد يصفُ باستمرار حياة الكنيسة في الزمن الحاضر على أنها حياة ”في البرِّيَّة“، هناك الكثير من التطبيقات التي يمكن أن نستخلصها من سفر العدد.

فالمسيحي المؤمن هو ذلك الشخص الذي قد تحرَّر من قيد الخطية وعبر مياه المعمودية لينضم إلى رحلة حياة الكنيسة،

متجهًا صوب ما وعد به الله: سماواتٍ جديدةً وأرضًا جديدةً. مع وضع هذه المقارنة في الاعتبار، يحذِّر كاتب الرسالة إلى العبرانيِّين الكنيسةَ بأن الكثيرين ممن كانوا في البرِّيَّة لم يدخلوا أبدًا راحة الله وذلك بسبب عصيان عدم الإيمان (عبرانيّين ٣: ٧- ٤: ١٣). وبالمثل يشرح الرسول بولس أن جيل البرِّيَّة يُقَدِّم لنا مثالًا، لافتًا النَّظر إلى أن بني إسرائيل قد اعتمدوا في البحر وأكلوا طعامًا روحيًّا، وبشكل جدير بالملاحظة يشرح الرَّسول أن الصَّخرة الرُّوحيَّة التي شربوا منها كانت المسيح نفسه (۱كورنوثوس ١٠: ١- ١١). إذًا، في النهاية، من لم يدخلوا أرض الموعد، وقد أخفقوا في ذلك لأنهم أهملوا عناية النِّعمة الإلهيَّة لهم في رحلة البرِّيَّة، وبالتَّحديد: المسيح. كمؤمنين في البرِّيَّة، يحاصرنا كالوبأ خداع العالم وإغراءاتُه، يجب أن نفيد أنفسنا بكل ”وسائط النِّعمة“ التي يمدُّنا بها الله لإعانتنا عبر هذه الرِّحلة. بخدمة الكلمة والفرائض المُقدَّسة، يُغذِّي المسيح نفوسنا وينعشنا بنفسه، ويؤازرنا بالنِّعمة لنواصل التَّقدُّم إلى الأمام برجاء مُفْرِح.

شعب الله

أخيرًا، أي تذكرة لجيل البرِّيَّة تستحضر أمامنا على الفور خطيَّة شعب الله وإخفاقه في القيام بدوره، تلك الخطيَّة الموصوفة مرارًا وتكرارًا بأنها  ”تذمُّر“ أو ”شكوى“ ضِد الرَّب. ومع أن كثيرين من بني إسرائيل نتيجة لذلك قد تمَّ القضاء عليهم بسبب تمرُّدِهم، فإن الرسالة السائدة في سفر العدد هي أنه بسبب أناة محبة الله لهم، لم يكن هناك شيء أفضل من أن نتوَّحد مع شعب الله. فقط، لمدح نعمته، سيدخل شعبُه حقًّا إلى الأرض لأنه حَتَمَ أن يباركهم لا أن يلعنهم (عدد ٢٢: ١٢؛ ٢٣: ٢٠). بمزيد من الضوء الذي يسلِّطُه العهد الجديد على هذه النِّعمة، تدرك الكنيسة بوضوح أكبر أن الله قادر على أن يبارك شعبه أثناء صراعاتهم مع الخطية والظروف المحيطة بهم، فقط بسبب عمل يسوع المسيح. بطاعة المسيح المستقيمة في البرِّيَّة (متى ٤: ١- ١١)، وبموته الكفَّاريّ على الصَّليب من أجل خطايانا، سوف يدخل شعب الله بكل تأكيد إلى الأمجاد الأبديَّة للخليقة الجديدة. لذلك، عَبْرَ كل العواصف التي تعصف بالكنيسة على مر القرون، لا يزال شعب الله جدير باعتراف بلعام الموحَى به: "مَا أَحْسَنَ خِيَامَكَ يَا يَعْقُوبُ، مَسَاكِنَكَ يَا إِسْرَائِيلُ!" (عدد ٢٤: ٥).

هذه المقالة معدَّلة عن ESV Gospel Transformation Study Bible. تَصَفَّح مقالات أخرى في هذه السلسلة عبر الروابط أدناه.


مايكل موراليز L. Michael Morales (دكتوراه من University of Bristol) يشغل منصب أستاذ الدراسات الكتابية في Greenville Presbyterian Theological Seminary؛ وهو مؤلف لعدة كتب، من بينها كتاب: "مَن يَصعَدُ إلى جبل الرَّب؟" Who Shall Ascend the Mountain of the Lord?


تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع Crossway.org، هذه المقالة جُزء مِن سلسلة "المسيح في كلِّ الأسفار"

ويمكنك قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من الرابط التالي: The Gospel in Numbers