عِظْ بالكلمة!

كل فترة من فترات الإصلاح، والنهضات الروحية سبقها انتعاشٌ للوعظ الكتابي؛ فعلاقة السبب والنتيجة علاقة دائمة ومتلازمة. أحدُ مؤرّخي حركة الإصلاح المشهورين، وهو ميرلي دوبينييه، كتب يقول: "إن الإصلاح الحقيقي الوحيد هو ذلك الذي ينبع من  كلمة الله". بمعنى، أنَّ الكنيسةَ تذهبُ حيثُ يذهبُ المنبر.

وهذا ما حدث مع الإصلاح الپروتستانتي في القرن السادس عشر. لقد أقام الله مارتن لوثر، و چون كالفن، ومُصلحين آخرين لقيادة كنيسته في ذلك الوقت. وكانت البداية بالعودة إلى الوعظ التفسيري، الأمر الذي أدّى إلى  إنطلاق تلك الحركة الدينية التي قلبَت أوروبا، بل والحضارة الغربية، رأسًا على عقب. وكانت صيحة المعركة بالنسبة لهم هي "الكتاب المقدس وحده" {sola scriptura}، ومع تلك الصيحة استردَّ جيلٌ جديدٌ من الوعّاظ الكتابيين المنبرَ لمجده السابق، وبعثوا من جديد المسيحية الرسولية {مسيحية القرن الأول}.

الشيء نفسه ينطبق على العصر الذهبي للپيوريتانيين {التطهُّريين} في القرن السابع عشر. فقد فعلت صحوة الوعظ الكتابي تلك فعلتها في الإيمان الجاف لاسكتلندا وإنجلترا ، وكان الأمر أشبه بانتشار النار في الهشيم. ومن جديد، عادت المسيحية الحقيقية متمثلةً في جيشٍ من مُفسِّري الكتاب المقدس من أمثال: چون أوين، وچيريمايا بوروز، وصامويل رذرفورد، وآخرين، الذين خاضوا المعركة مع ممالك أسكتلندا وإنجلترا بالكتاب المقدس مفتوحاً وبصوتهم عالياً. وعلى أثر ذلك، تزعزعت الملكية، وتحوّل مجرى التاريخ.

ولقد شهد القرن الثامن عشر الأمر نفسه. فكان الوعْظ المشبّع بكلمة الله لچوناثان إدواردز، وچورچ ويتفيلد، وويليام تينيت مُدوّيًا عبر المستعمرات المبكرة. لقد ألهَبَ إعلان البشارة ساحل الأطلسي، واجتاحت نيران الإنجيل إقليم "نيو إنجلاند".  فقد بُشِّر بالكلمة، وخلصت نفوس، وامتد الملكوت.

الحقيقة هي أن العودة للوعظ الكتابي هي العامل الرئيسي في أيّة نهضة للمسيحيّة الحقيقيّة. كتب فيليب شاف قائلًا: "إن كل تقدُّم حقيقي في تاريخ الكنيسة كان مشروطاً بدراسة جديدة وأكثر عُمقًا للكتاب المقدس". أي أن كل نهضة عظيمة حدثت للكنيسة كانت بسبب العودة إلى الوعظ التفسيري.

صرّح مارتن لويد چونز، واعظ كنيسة وستمنستر في لندن، قائلًا: "إن الحاجة الأكثر إلحاحًا في الكنيسة المسيحية اليوم هي إلى الوعظ الحقيقي. وكما أنها الحاجة الأعظم والأكثر إلحاحًا في الكنيسة، فهي الاحتياج الأعظم للعالم أيضًا." وإذا كان تشخيصه صحيحًا، والكاتب يعتقدُ ذلك، عندئذٍ فإن العودة إلى الوعظ الحقيقي - الوعظ الكتابي، الوعظ التفسيري – هي الاحتياج الأعظم في هذا الوقت الحرج. فإن كان للإصلاح أن يجد طريقه إلى الكنيسة، فيجب أن يبدأ أولًا بالمنبر.

حذّر النبي عاموس في عصره من مجاعة قادمة، ومن جفاف مميت سوف يغطي الأرض. لكن لم تكن تلك المجاعة مجرد ندرة الطعام والماء، لأنها ستكونُ مجاعةً أشدَّ فتكًا. كانت جوعاً لاستماع كلمة الله (عاموس 8: 11). من المؤكّد، أن الكنيسة تجد نفسها اليوم في موقف مماثل من حيث الجوع لكلمة الله. وبشكل مأساوي، يتم استبدال الوعظ التفسيري بالترفيه، والعقيدة بالدراما، واللاهوت بالمسرح، والوعظ بالتمثيل.
إن الحاجة الماسّة والمُلحَّة اليوم هي أن يعود القسوس إلى دعوتهم العليا السامية – الدعوة الإلهية "للكرازة بالكلمة" ( 2 تيم 4: 1-2 ).

لكن ما هو الوعظ التفسيري؟

لقد أوضح چون كالفن (مُصلِح چنيف) ذلك قائلاً: "إن الوعظ هو التفسير العَلَني للكتاب المقدس بواسطة الرجل المُرسَل من الله لذلك، والذي فيه يكون الله نفسه حاضرًا في قضائه ونعمته". وبعبارة أخرى، فإن الله حاضرٌ، بروحه، وبشكل غير اعتيادي أثناء الوعظ بكلمته. يبدأ هذا الوعظ من النص الكتابي، ويبقى فيه، ويبيّن معناه الذي قصده الله بنمطِ حياةٍ متغيّرة.

كان هذا تكليف بولس الأخير لتيموثاوس الشاب: "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ." ( 2 تيم 4: 2)

مثل هذا الوعظ يتطلّب إعلان مشورة الله الكاملة الموجودة في الكتاب المقدس. يجب أن تُفسّر الكلمة المكتوبة بالكامل. فلا ينبغي أن يُترك حقٌّ دون أن يُعلّم، ولا خطيةٌ دون أن تُكشف، ولا نعمةٌ دون أن تُقدَّم، ولا وعدٌ دون أن يُبلَّغ.

إن النهضة التي ترسلها السماء لن تأتي إلّا إذا أخذ الكتاب المقدس مكانه مرة أخرى على المنبر.  يجب أن تُعلن كلمة الله بوضوح، ويجب أن يقدّم الوعظ شرحاً واضحاً للنص الكتابي مقترناً بتطبيقاتٍ ملحّةٍ، ومناشدة مقنعة، ودعوةٍ قوية.

يجب أن يحصُر كل واعظ نفسه في حق الكتاب المقدس. فعندما يتكلم الكتاب المقدس، فإن الله يتكلم. ليس لدى رجل الله أي شيء ليقوله بعيدًا عن الكتاب المقدس. لا ينبغي أن يترك الواعظ نفسه ليستعرض آراءه الشخصية من خلال المنبر، ولا أن يشرح الفلسفات العالمية، فمهمة الواعظ هي مهمة واحدة محدّدة ــ أن يعظ بكلمة الله.

قال تشارلز سبرچن: "إني أفضّل أن أنطق بخمس كلمات من هذا الكتاب (الكتاب المقدس) أكثر من خمسين ألف كلمة للفلاسفة. إذا كنّا نريد نهضات، علينا إحياء احترامنا لكلمة الله. وإذا كنا نريد أن يهتدي الناس إلى المسيح، يجب علينا أن نضع المزيد من كلمة الله في عظاتنا." ويظل هذا هو الاحتياج الصارخ والضروري إلى وقتنا هذا.

ليت جيلاً جديداً من الرجال الأقوياء يَهِبُّ مجاهراً بكلمة الله، وليته يفعل ذلك بقوةٍ ووضوح. لأنه حيثما يذهب المنبر تذهبُ الكنيسة.

--------------------------------------------------------------------

تمّت ترجمة هذا المقال بعد الحصول على حق الترجمة والنشر من موقع ligonier.org ، ضمن سلسلة من المقالات القيّمة التي ستقوم خدمة "الصورة" بنشرها باللغة العربية تباعًا في إطار الشراكة مع هيئة "ليجونيـر".
يمكنكم قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية بالضغط على العنوان التالي: Preach the Word