
هذه المقالة جزء من سلسلة: لماذا ندرس سِفر؟ [بالإنجليزية]
مجموعة مُسَوَّدات إرشاديَّة
لست الوحيد إن كنت تعاني من انعدام الحماس لقراءة سِفر اللَّاويِّين. وفقًا لاستطلاع رأيٍ حديثٍ من جمعيَّة الكتاب المُقدَّس، فإنَّ اللَّاويِّين هو السِّفر "الأقلُّ تفضيلاً" لدى قُرَّاء الكتاب المُقدَّس في جميع أنحاء العالم. لكن لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك. في هذه المقالة، آمُلُ أن أُقنعك بالعكس تمامًا، إذ يجب أن يكون سِفر اللَّاويِّين من أحد الأسفار المُفضَّلة لديك في الكتاب المُقدَّس! اسمح لي أن أبدأ أوَّلاً بقصَّةٍ شخصيَّة.
منذُ عدَّة سنوات مضت، عملتُ أنا وصديقان لي في فريق الإعداد لأحد المؤتمرات. كان المؤتمر عتيدًا أن ينعقد في أحد مراكز بيوت المؤتمرات المنعزلة بعيدًا في إحدى غابات أميريكا الوطنيَّة. وقد أبقتنا الاستعدادات للمؤتمر في حالة انشغال دائم، لكن بعد ظهيرة أحد الأيَّام، وجدنا بالفعل وقتًا قليلًا لرحلة استكشافيَّة. حقَّقت رحلتنا نجاحًا مُذهلًا عندما وجدنا مجموعة قديمة من المُسَوَّدات الإرشاديَّة التخطيطيَّة. وبعد أن فحصناها، لاحظنا بُقعةً في السَّكَن الرئيسيِّ، وفيه غرفة سرِّيَّة قد تمَّ بناؤها خلف جدارٍ. كنَّا مندهشين باكتشاف هذا الفضاء الخفيِّ الَّذي كان أمام أعيننا مباشرةً، والَّذي ما كان لنا أن نكتشفه دون مُسَوَّدات التخطيط الإرشاديَّة.
يشبه سِفر اللَّاويِّين هذه المجموعة من المُسَوَّدات الإرشاديَّة. يحتوي سِفر اللَّاويِّين على شرائع العهد القديم الخاصَّة بالذَّبائح، والتَّطهِير، والتَّكفِير. تُشَكِّل تلك الشَّرائع النَّموذج التَّفصيليَّ، أي "المُسَوَّدات الإرشاديَّة"، الَّتي كان في قلب الرَّبِّ يسوع أن يتمِّمَها على الصَّليب. بناءً على ذلك، فإنَّ كلَّ من يحبُّ الصَّليب، ويريد أن يعرف ما الَّذي كان في قلب الرَّبِّ يسوع عندما بذل نفسَه للموت، يجب عليه أن يتلذَّذ بفتح سِفر اللَّاويِّين ويدرس محتوياته عن قُرب.
في مُسَوَّدات الكفَّارة الإرشاديَّة المحفوظة في سطور السِّفر، توجد رؤى وأفكار ثمينة عن العمل الكفَّاريِّ الَّذي تحقَّقَ بواسطة الرَّبِّ يسوع.
لغة الشَّرائعِ الطَّقسِيَّةِ
إلَّا أنَّه توجد مشكلة تحول دون إدراكنا لعديدٍ من هذه الرُّؤى أو الأفكار العميقة. إنَّ سِفر اللَّاويِّين مكتوب بلغة الشَّرائع الطَّقسيَّة، الَّتي لم نعد "نتحدَّث" بها كثيرًا اليوم. إنَّ طريقة الزَّفاف التَّقليديِّ، بالمُردَّات المكتوبة الخاصَّة به، والحركات النَّمطيَّة، وخواتم الزَّفاف، وما إلى ذلك، هي إحدى المناسبات النَّادرة الَّتي لا نزال نختبر فيها بشكلٍ عميقٍ بعض الحقائق عن طريق الممارسة الطَّقسيَّة للزَّفاف. لكن بعيدًا عن حفلات الزَّفاف، لدينا قليل من الممارسات الطَّقسيَّة في الغرب الحديث. ولأنَّنا لسنا معتادين على هذه "اللُّغة" الطَّقسيَّة، يبدو سِفر اللَّاويِّين نتيجةً لذلك سِفرًا غامضًا.
بكلِّ يقين، أنَّه أمر رائع أنَّ المسيحيِّين في وقت العبادة الآن لا يقومون بتأدية الشَّعائر الطَّقسيَّة المذكورة في سِفر اللَّاويِّين. فتلك الذَّبائح، والغَسَلاَت، ومراسم تكريس الكهنة وغيرها من الأعمال الطَّقسيَّة الموصوفة في سِفر اللَّاويِّين قد انتهت. والآن بعد أن تمَّ بناء المبنى الحقيقيِّ، سيكون من الخطأ الاستمرار في تثبيت عوارض البناء معًا وفقًا لمُسَوَّدات التخطيط الإرشاديَّة. في الحقيقة، إنَّ ممارسة الشَّعائر الطَّقسيَّة الخاصَّة بسِفر اللَّاويِّين لا بُدَّ وأن تتوقَّف؛ ولكن سيكون من المؤسف أن نكفَّ تمامًا عن التَّعَلُّم من تلك الشَّعائر الطَّقسيَّة القديمة. توقُّف الممارسة لا يعني عدم استمراريَّة القيمة. فإنَّ أيَّة ممارسة، مثل خدمة طقس التَّكفير المُعقَّد المحفوظ في اللَّاويِّين هي أكثر قيمة الآن، إذ بإمكاننا مقارنة ما هو مُتوقَّع منها بالواقع الجديد المُحَقَّق في الرَّبِّ يسوع. إلَّا أنَّ إدراك تلك الحقائق يتطلَّب مِنَّا الصَّبرَ والدِّراسةَ. من الضَّروريِّ استعادة التَّقدير للُغة الشَّرائع الطَّقسيَّة الَّتي يُغلِّفُ بها سِفر اللَّاويِّين دروسَه.
على سبيل المثال، يقدِّم لنا سِفر اللَّاويِّين في الإصحاحات من لاويِّين ١: ١ حتَّى لاويِّين ٧: ٣٨ قائمة مطوَّلَة بأنواع الذَّبائح المختلفة: كتقدمات ذبائح المُحْرَقَة، تقدمات الدَّقيق، تقدمات ذبائح السَّلامة، وذبائح الخطيَّة والإثم. في البداية، تبدو هذه التَّفاصيل الكثيرة مُخدِّرة للعقل. ولكن عبر الدِّراسة المُتأنِّيَّة، تكشف هذه التَّفاصيل عن حقائق ترتبط بالعمل المتعدِّد الأوجه الَّذي تحقَّقَ على الصليب.
قوائم الذَّبائح الخمس
إنَّ القوائم الثَّلاث الأُولى للذَّبائح، أي ذبائح المُحرقة، وتقدمات الدَّقيق، وذبائح السَّلامة، مُحدَّدة في سِفر اللَّاويِّين بوصفها أنواعًا مختلفة من "تقدمات طعام". كانت غايتها النِّهائيَّة تقديم وجبة طقسيَّة. كانت ذبيحة المُحْرَقَة تُحْرَقُ بالكامل على المذبح، وتَصْعَدُ دخانًا "كرائحة سرورٍ للرَّبِّ". أمَّا تقدمات الدَّقيق فتُحْرَقُ بشكلٍ جزئيٍّ، إذ بشكلٍ غالب يُعْطَى الباقي منها إلى الكاهن الوسيط ليأكلها. وبالمثل تُحْرَقُ ذبائح السَّلامة جزئيًّا أمَّا الباقي منها فيعود لمُقَدِّمها ليأكلها في حضرة الله. كلُّ هذه التقدمات تقدِّم لنا نافذة مختلفة عن هدف غفران الخطايا. لقد زوَّد الله شعبه بالغفران لكي يُجدِّد شعبه في الشَّركةِ معه على مائدةٍ الخادمُ عليها هو الكاهن المعيَّن من الله. فالشَّركة مع الله هي غاية الكفَّارة.
القائمتان الأخيرتان للذَّبائح هما ذبائح الخطيَّة وذبائح الإثم. هذه ليست ذبائح طعام، لكنَّها تقدمات تتعامل مع التَّدمير الَّذي تسبِّبه الخطيَّة.[1] يصف سِفر اللَّاويِّين دم ذبيحة الخطيَّة مُطَهِّر طقسيّ، ذلك الدَّم الَّذي يوضع على أجزاء متنوِّعة في القدس [للتَّطهير]. يزيل هذا الدَّم القذارة المُتراكِمة لتعدِّيات النَّاس المتزايدة في بيت الله وهو ساكن في وسطهم. أمَّا ذبيحة الإثم فتُقَدِّم تعويضًا كثمن للدَّين الَّذي جلبته الخطيَّة البشريَّة ضدَّ الرَّبِّ.
إنَّ عمل الكفَّارة مُتَّسع للغاية، فقد استلزم خمسة أنواع مختلفة من الذَّبائح -المقدَّمة في نظامٍ دوريٍّ غاية في التَّفاصيل، في أعياد وأيَّام مُقدَّسة، وبواسطة كهنوت مُحدَّد بعناية، والموصوف كلَّه في سِفر اللَّاويِّين- حتَّى نتمكَّن من الإحاطة بتفاصيلها الكثيرة ذات الفوارق الطَّفيفة. إذًا بدلًا من الخوف بسبب التَّفاصيل الدَّقيقة الَّتي تملأ صفحات سِفر اللَّاويِّين، علينا أن نتلذَّذ بكلِّ هذه التَّفاصيل. فهذا السِّفر القديم للاويِّين يحفظ لنا المُسَوَّدات الإرشاديَّة الَّتي سار الرذَبُّ يسوع على نهجها لإكمال الذَّبيحة النِّهائيَّة على الصَّليب. فإن أردنا أن نعرف ما الَّذي كان في قلب الرَّبِّ يسوع عندما حقَّق ذلك، سوف نتَّجه على الفور إلى سِفر اللَّاويِّين. عندئذٍ لن نشعُر أبدًا بأيِّ إحباطٍ.
بعد قيامته من الأموات، جمع الرَّبُّ يسوع تلاميذه ليشرح لهم ما فعله. قدَّم لهم شرحَه بدراسةٍ للكتاب المقدَّس، بدءًا من "ناموس موسى" (التَّعبير الَّذي يضمُّ الأسفارَ الخمسة ومنها سِفر اللَّاويِّين) مرورًا بـ "الأنبياء والمزامير" (لوقا ٢٤: ٤٤). بينما كان الرَّبُّ يسوع يُعلِّم تلاميذه، التهبت قلوبهم داخلهم (لوقا ٢٤: ٣٢). في الحقيقة، مُسَوَّدات الكفَّارة الإرشاديَّة في سِفر اللَّاويِّين هي نافذة في غاية الأهمِّيَّة لفَهم صليب الرَّبِّ يسوع، كما يجب أن تكون موضعَ تقديرٍ في دراسة وإعجاب كلِّ مسيحيٍّ مؤمنٍ.
مايكل لوفيفر Michael LeFebvre مؤلِّف: "سِفر اللَّاويِّين: دراسة ۱٢ أسبوعًا".
[1] ذبيحة الخطيَّة وذبيحة الإثم لهما شريعة واحدة، فإن لم يدخل الكاهن بدمها إلى القدس، تُؤكَل بواسطة الكاهن وبنيه في مكانٍ طاهرٍ (لاويِّين ٦: ٢٤-٣٠؛ لاويِّين ٧: ١-٧)، المُترجِم.
مايكل لوفيفر Michael LeFebvre، الحاصل على درجة الدكتوراه، من جامعة University of Aberdeen، هو راعي كنيسة المسيح المشيخيَّة المُصْلَحَة في براونزبيرج، إنديانا، وأستاذ مساعد للعهد القديم في Reformed Presbyterian Theological Seminary في بِتسبيرج، بنسلفانيا. ويخدم كزميل في Center for Pastor Theologians. مايكل وزوجته هِذَر Heather لديهما خمسة أطفال ويعيشان في إنديانابوليس، إنديانا.





