
غَالِبًا ما يُذكِّر الرعاة الأمناء رعاياهم: "الكنيسة ليست مبنًى. الكنيسة هي الشعب". هذا تذكير صحيح ومهم، لكن من الصحيح أيضًا أن العهد الجديد يشير كثيرًا إلى الكنيسة على أنها هكذا بالضبط، مبنًى! بمعنى أن الناس أنفسهم يشبهون مبنى بدأ الله العمل في وضع أساساته ولا يزال يعمل فيه باستمرار.
أحد الأمثلة نجده في أفسس ٢: ١٩- ٢١، حيث يُشبِّه بولس الكنيسة، التي كانت آنذاك مُكوَّنة حديثًا من اليهود والأمم على حد سواء، بهيكل تحت الإنشاء:
"فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلًا، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ، مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلًا مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ."
تُلمِح هذه الصورة للعديد من الأفكار البناءة، بما في ذلك تماسك المؤمنين وهم يُبنَون معًا والتقدم الذي يحرزونه مع استمرار الله في البناء. على أن مفتاح هذا كله هو فكرة الأساس.
"الرجُل العاقل بَنَى بيته..."
أَولَى المهندسون المعماريون الرومان في القرن الأول اهتمامًا فائقًا بالأساسات. اعتنوا بالتخطيط وشيَّدوا أبنيتهم على الصخر كلما أمكن. كما حفروا أحيانًا أيضًا لأعماق تصل لعشرين أو ثلاثين قدمًا للوصول إلى القاعدة الأكثر صلابة، وكل ذلك بدون معدات البناء الحديثة!
ربما تساءل المارة: "لماذا يحفرون على هذا العمق؟ لماذا لا يتوقفون عند هذا المستوى؟ فعمق الحفرة يبدو جيدًا هكذا". لكن خبير البنائين كأنما يقول: "لا! نحن نُعمِّق الحفر لأسفل حتى نصل إلى القاعدة الأكثر صلابة. وعندما ننهي الحفر لأسفل، سنبني لأعلى". لا يزال العديد من المباني الرومانية قائمًا إلى يومنا هذا. وحتى تلك التي لم تبقَ، فبينما قد يكون البناء فوق الأرض اختفى، فإن الأساس غالبًا باقٍ.
استخدم يسوع فكرة الأساس هذه عندما اختتم بعض عظاته: "كُلُّ مَنْ يَأْتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلاَمِي وَيَعْمَلُ بِهِ أُرِيكُمْ مَنْ يُشْبِهُ. يُشْبِهُ إِنْسَانًا بَنَى بَيْتًا، وَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ الأَسَاسَ عَلَى الصَّخْرِ" (لوقا ٦: ٤٧-٤٨، انظر أيضًا متّى ٧: ٢٤). ذلك البيت، وتلك الحياة، يقفان ثابتَين أمام العواصف العاتية بعكس البيوت المبنية "مِنْ دُونِ أَسَاسٍ" (لوقا ٦: ٤٩).
"يا له من أساس راسخٍ..."
استكمالًا لاستخدام بولس لصورة المبنى الاستعارية، يحدد الأساس الذي تُبنى عليه الكنيسة: "الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ"، أي، ليس على سُلطتهم الشخصية بل على سُلطتهم كمنادين بإنجيل الرب يسوع المسيح من ناحية، وبأقوال الله من ناحية أخرى.
من الناحية العملية، ما قصده بولس هو أن الكنيسة ستُبنى على أسفار العهد الجديد التي تحتوي على شهادة الرسل عن المسيح المؤَّيدة بقوة الروح القدس (يوحنّا ١٤: ٢٦)، وعلى أسفار العهد القديم التي تحتوي على أقوال الله المعطاة للأنبياء (٢بطرس ١: ٢١). تقول الترنيمة: "يا له من أساس راسخ، أُرسِي لإيمانكم في كلمته الممتازة، يا قديسي الرب!"1 في الكنيسة المسيحية؛ الكتاب المقدس هو أساس كل حياتنا وكل ممارساتنا. لا يسعنا أن نغفل أَن الكنيسة تُبنى على أساس الكتاب المقدس، فهي ليست أساسًا يضاف إلى جانب الكتاب المقدس.
عندما ندرك ذلك نفهم أننا لا نستطيع العبث بالأساس. بمجرد أن يبدأ البناء في الارتفاع، نكون قد أتممنا كل ما يخص الأساسات. وحيث يبدأ هيكل الله المقدس، أي الكنيسة، في الارتفاع نحو السماء، فإن الأساسات لا يجب أن يُضاف إليها أو يُنقص منها كما فعل الكثيرون، عن قصد أو بغير قصد، على مر السنين.
"أساس الكنيسة الواحد..."
إذا كان الرسل والأنبياء هم الأساس كما يقول بولس، فإن الرب يسوع المسيح هو حجر الزاوية. كان حجر الزاوية الجزء من الأساس وموقعه عند تقاطع أول جدارين. كان حجر الزاوية هو أول حجر يوضع، ووضعه يحدد مكان كل حجر يليه.
الكتب المقدسة هي أساس الكنيسة، لكنها تتمحور في حديثها عن المسيح (يوحنّا ٥: ٣٩). نحن نعتمد على الكتب المقدسة لأن المسيح يتكلم فيها من خلال رسله وأنبيائه. هذا الاعتماد راسخ بدرجة استطاع معها بولس في سياق مختلف قليلًا القول: "فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (١كورنثوس ٣: ١١). وكما تقول ترنيمة أخرى: "أساس الكنيسة الواحد هو يسوع المسيح، ربها."2
هذه قطعًا هي النقطة التي أوضحها يسوع بنفسه في مَثَله عن الرجُلين. من هو الذي يبني على الصخر؟ "كُلُّ مَنْ يَأْتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلاَمِي وَيَعْمَلُ بِهِ". كونك جزءًا من هيكل الله يعني أن نعطي المسيح نَفسَه حضورنا وانتباهنا وطاعتنا.
"عندما نكون هناك لعشرة آلاف عام..."
لم يدُم الهيكل في أورشليم. لقد دُمر (مرتين في واقع الأمر). سقطت وستسقط مبانٍ عديدة من العصر الروماني. لكن الهيكل الذي يبنيه الله، الذي هو كنيسته، سيصمد إلى الأبد. وكما يقول كاتب الترنيمة:
عندما نكون هناك لعشرة آلاف عام،
مشرقين كالشمس،
فأيام تسبيحنا لله
لن تكون أقل مما كانت حين بدأنا.3
سيصمد الهيكل الذي يبنيه الله إلى الأبد، لمجده ولخير كل من يُبنَى فيه، مستندًا على أساس كلمته، ومبنيًا من حجر زاوية المسيح. هل أصبحت جُزْءًا من هذا الهيكل بعد؟
هذه المقالة مقتبسة عن عظة "بناء الله (The Building of God)" لأليستير بيج (Alistair Begg).
1 "يا له من أساس راسخ (How Firm a Foundation)" (١٧٨٧).
2 صموئيل جون ستون، "أساس الكنيسة الواحد (The Church’s One Foundation)" (١٨٦٦).
3 جون نيوتن، "ما أعجب النعمة (Amazing Grace)" (١٧٧٩).
تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع Truth For Life وضمن سلسلة من المقالات القيّمة التي ستقوم خدمة "الصورة" بنشرها باللغة العربية.
يمكنكم قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من خلال الرابط: The Church Is Actually a Building





