
عدم الإيمان العنيد
من أعظم المُفارقات في الكِتاب المُقدَّس هي أنَّ الجيل الذي رأى أعمال الله بأوضح ما يكون أصبح مثالًا صارخًا لمن يرفضون الإيمان بالله.
لقد رأى جيل الخروج الضَّرَبات [العشر] الإلهيَّة على مصر. واختبر الشَّعب بشكل مباشر عجائب الله التي سحقت ظُلم فرعون وبها أَعتَقَهُ الله من العبودية. على الرَّغم من هذه التجربة المُدهِشة والمباشرة مع الله، فإن ما يوصف به ذلك الجيل مِرارًا وتِكرارًا عبر الكِتاب المُقدَّس أنََّّه جيل: غير مؤمن، عنيد، صُلْب الرَّقبة. ومن ثمَّ، يُسلِّط النِّصف الأوَّل من سِفر العَدَد الضَّوء على قصة عدم الإيمان الملحوظ لهذا الجيل.
بلغ عدم إيمان الشَّعب نُقطة الذُّروة عندما وصل إلى حدود أرض الموعد، حيث رفض الثِّقة بالله لدخول الأرض (عدد ١٤: ١- ٤). لهذا السبب، قال الرَّبّ: "... جَمِيعَ الرِّجَالِ الَّذِينَ رَأَوْا مَجْدِي وَآيَاتِي الَّتِي عَمِلْتُهَا فِي مِصْرَ وَفِي الْبَرِّيَّةِ، وَجَرَّبُونِي الآنَ عَشَرَ مَرَّاتٍ، وَلَمْ يَسْمَعُوا لِقَوْلِي" (عدد ١٤: ٢٢). وبسبب عدم إيمانهم المُستمِر، كان على جيل الخُروج أنَّ يُقاسي التِّيه في البَرِّيَّة بقيَّة أيَّامه (عدد ١٤: ٢٢، ٢٣).
إلَّا أنَّ هناك نقطة تحوُّل أخرى جديرة بالملاحظة في القصة. فالجيل التَّالي الذي نشأ في البَرِّيَّة أصبح مثالًا للإيمان والطَّاعة! لم يشهد أبناءُ البَرِّيَّة الضَّرَبات العظيمة ضد مصر بشكل مباشر. لقد ولدوا في فترات التِّيه القاسية بسبب تمرُّد آبائهم. ومع ذلك، يكشف سِفر العَدَد أنَّ ذلك الجيل اختبر اتِّجاهًا قلبيًّا مختلفًا. ومن أجل إيمانه، سيحظى ذلك الجيل الجديد بفرصة الدُّخول إلى أرض الموعد التي أخفق آباؤه في نوالها بسبب عدم إيمانهم.
نقطة تحوُّل
سِفر العَدَد هو قصة هذين الجيلين: الجيل الذي ترك مصر لكن واصل تمرُّدَه على الله بشكل متزايد، والجيل الذي وصل إلى أرض الموعد مؤمنًا بكلمة الله. في الحقيقة، يُسمَّى سِفر العَدَد تقليديًا بسِفر الأعداد Numbers لأنََّّه مُقَسَّم إلى أقسام تَضُم إِحصائَيْن لهذين الجيلين. يبدأ القِسم الأوَّل من السِفر بإحصاء أعداد الجيل الأوَّل (عدد ١: ١- ٤٦)، مع سردٍ لقصص تمرُّدِهم. ثم يأتي السِفر لنقطة تحوُّل وهي إحصاء أعداد الجيل الجديد (عدد ٢٦: ١- ٦٥)، مع سردٍ لقصص إيمانهم.
سِفر العَدَد سِفر يُبَكِّت وَيُشَجِّع في نفس الوقت. هو سِفر تعليميٌّ خَاصَّةً للشَّبابِ المَسِيحِيِّ الذي يُفكِّر بعُمق في مباشرة القيادة المسيحيَّة في عصر يعاني من العُقم اللَّاهوتيِّ والاضطراب الكَنَسيِّ. على سبيل المثال،
يحثُّ سِفر العَدَد الجيل حديث النَّشأة على أنَّ يتعلَّم من عدم إيمان الجيل السَّابق له، على أنَّ يفعل ذلك بفهم دون أنَّ يحمل توجُّه الإدانة له.
إن القصة الأولى التي يرويها سِفر العَدَد بعد أنَّ تعهَّد الجيل الجديد بالمسؤوليَّة هي قصة جهودهم المبذولة لتقدير ميراث آبائهم. اعترفت بنات صَلُفْحَاد أنَّ والدهُنَّ قد مات بسبب مشاركته في خطايا جيله (عدد ٢٧: ٣)، ومع ذلك، سعوا إلى تقدير ميراثِهِنَّ الأبويِّ وقد استحسن الله ما فعلوه (عدد ٢٧: ١- ١١).
علاوة على ذلك، أخفق الجيل الجديد في الخضوع لتوجيهات الله بخطايا جديرة بالملاحظة ومشابهة لخطايا آبائه. فبطريقة ما، هو جيل لا يختلف كُليًّا عن الجيل السَّابق له. إلَّا أنَّ رد فعله بعد أنَّ تمَّت مواجهته بخطاياه كان مختلفًا. على سبيل المثال، طالَبَ الجُدُد من قادة سبطي رأوبين وجاد بأراضي شرق نهر الأردن، بغرض البقاء هناك دون مساعدة باقي الأسباط إخوتهم في الحرب داخل أرض كنعان (عدد ٣٢: ١- ٥). وقد كان هذا اقتراحًا خاطئًا واجَهَهُ موسى بغضبٍ، فقَد شعر موسى بالمرارة من أجل أنَّ الجيل الجديد يُكَرِّر نفس إخفاق آبائه. فحذَّرهم بالقول: "فَهُوَذَا أَنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ عِوَضًا عَنْ آبَائِكُمْ، تَرْبِيَةَ أُنَاسٍ خُطَاةٍ، لِكَيْ تَزِيدُوا أَيْضًا حُمُوَّ غَضَبِ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ" (عدد ٣٢: ١٤). لكن بعد مواجهة موسى لهم، حدث أمرٌ جديرٌ بالملاحظة.
كان الجيل السَّابق ميَّالًا إلى العناد متى تمَّتْ مواجهته، أمَّا الجيل الجديد فميَّال للتُّوبة! لم يواصل قادة سبطي رأوبين وجاد عِنادَهُم. بل على النَّقيض، رَحَّبُوا بالنَّصح التَّأديبيِّ للنبي موسى راجعين إليه باقتراح جديد، واعدين ليس فقط بدعم إخوتهم في حروبهم العتيدة، لكن بأخذ الدُّور الأكثر خطورة في قيادة تقدُّمهم داخل الأرض (عدد ٣٢: ١٦- ٤٢)! بهذه الطُّرق، يُقدِّم لنا سِفر العَدَد الجيل الجديد بوصفه جيلاً قد تعلَّم من إخفاقات آبائه دون الحديث عنهم بطريقة سيِّئة أو افتراض بأنَّهم جيلٌ أفضل من آبائهم. لقد تعلَّم الجيلُ الجديدُ الأمَّانة.
ما سبب أهمية سِفر العَدَد اليوم؟
تكشف قصص الجيلين الواردة في سِفر العَدَد عن دروس عملية لا حصر لها عن الإيمان والأمَّانة. والأهم من ذلك، يُقدِّم السِّفر شهادةً قويةً على أنَّاة الله ونعمته في تعامله مع الأجيال سواء المتمرِّدة والمطيعة من شعبه. يؤدِّب الله شعبه العنيد، لكنَّه لا يتخلَّى عن عهده. وهو لا يكرم المطيعين فقط، لكنَّه يجود عليهم ببركات تتجاوز ما هو مُسْتَحَقٌّ.
إن سِفر العَدَدِ شهادةٌ عن محبة الله الثَّابتة لشعبه في التَّأديب والبركة. يُقدِّم السِّفر عونًا روحيًّا لكل جيل من كنيسته لينمو في الأَمَانَةِ. ولكن في عصر مثل عصرنا اليوم، عندما تتَّسم الكنيسة بالتَّشويش والانقسام والفتور الرُّوحيّ الواسع النَّطاق، فإن لسِفر العَدَد اليوم رسالةَ إلهامٍ متميِّزة لشباب الجيل المسيحي الناشئ. إن دراسة السِفر مناسبة للمستعدِّين لتعلُّم الأمانة والمرحِّبين بالحياة الجديدة بين شعب الله.
مايكل لوفيفر Michael LeFebvre، الحاصل على درجة الدكتوراه، من جامعة University of Aberdeen، هو راعي كنيسة المسيح المشيخيَّة المُصْلَحَة في براونزبيرج، إنديانا، وأستاذ مساعد للعهد القديم في Reformed Presbyterian Theological Seminary في بِتسبيرج، بنسلفانيا. ويخدم كزميل في Center for Pastor Theologians. مايكل وزوجته هِذَر Heather لديهما خمسة أطفال ويعيشان في إنديانابوليس، إنديانا.
تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع Crossway.org؛ هذه المقالة جُزء مِن سلسلة "لماذا ندرس ؟" ويمكنك قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من الرابط التالي: Why Study the Book of Numbers?





