الغفران - ج1

     إن معرفتنا بالله تشكل طريقة تفكيرنا في نفوسنا وفي العالم من حولنا. ولا يوجد شيء أصعب للإنسان الخاطيء الذي بدأ يتواجه أو يستشعر حقيقة خطاياه من أن يسمع أن الله، الإله العادل والقدوس، يُجازي الإنسان حسب أعماله. فآنذاك يُدرك الإنسان أنه لا يوجد احتياج أكثر أهمية وأكثر إلحاحًا عنده من احتياجه لأن تُغفر خطاياه التي ارتكبها ضد الله والتي ارتكبها ضد آخرين. كما لا يوجد حالة أكثر خطورة من حالة إنسان يموت في هذه الحياة دون أن تُغفر خطاياه!

تُعد عقيدة "الغفران" من العقائد المركزية في الكتاب المقدس. فلا يمكنك قراءة الكتاب المقدس بعهديه دون أن تجد في معظم اصحاحاته حديثًا عن الله القدوس الذي يريد أن يغفر لبشرٍ غارقين في خطاياهم، هؤلاء يسعى بعضهم ويتجاوب مع طريقة الله لمنح الغفران الإلهي (مزمور 25: 11؛ 32: 5؛ 65: 3)، فيما يتجاهل آخرون بقساوة كل مراحم الغفران الإلهي (تثنية 29: 19- 20؛ رومية 2: 3- 5؛ 2 بطرس 3: 3- 5).

     تتبادر للذهن الكثير من الأسئلة بخصوص "الغفران"، كما أن هناك للأسف الكثير من الأخطاء الشائعة التي تبنّاها المؤمنين بالمسيح وكأنها أفكار كتابيّة أصيلة وهي لا تتطابق مع تعاليم الكتاب المقدس. من هذه الأسئلة والتي سنحاول الإجابة على بعضها: ماذا يعني الكتاب عندما يقول أن الله "يغفر الخطية"؟ وما هو أساس غفران الله للخطية؟ إن كانت كل خطايانا قد غُفرت عندما آمنّّا بالمسيح وتُبنا عن الخطية، لماذا إذًا نحتاج أن نستمر في طلب الغفران دائمًا؟ (وهل نحتاج لذلك من الأساس؟) هل غفران الله للإنسان الخاطيء مشروط؟ هل غفراننا بعضنا لبعض مشروط؟ هل التوبة عمل بشري يستحق بناءً عليه الخاطيء أن ينال الغفران؟ هل الاعتذار هو نفسه التوبة؟ هل حقًا غفر المسيح لكل صالبيه بدون شروط؟ هل الغفران يستلزم استرداد الثقة بالكامل فيمن أخطأ؟! هل يوجد شيء في الكتاب يحثّنا على "أن نغفر لأنفسنا" أو أن "نغفر لله"؟!

     كل هذه الأسئلة وأكثر تتبادر للذهن عندما نسمع كلمة "الغفران"، وقد تبادر الكثير منها لأذهاننا بسبب بعض العظات أو التعاليم التي قبلناها دون فحص في ضوء كلمة الله. لذلك سيبقى على القارىء مسئولية التدقيق ومراجعة كل تعليم يُقدم هنا بخصوص هذا الموضوع للتأكد من "هل هذا مُطابق للكتاب المقدس كله أم لا؟". كما أن التحدي الأهم، وربما الأصعب، هو كيف نتبنّى فكر كتابي سليم مبني على الحق المُعلن في الكتاب المقدس عن "الغفران" (أو أية موضوع آخر) بأخذ كل الآيات الكتابية في الاعتبار دون ترك أو تغيير معنى بعضها.

تعريف الغفران:

استُخدمت عدة كلمات في كلا عهدي الكتاب المقدس للإشارة للغفران، ومرّات آخرى كانت حقيقة الغفران تُقدَّم دون كلمات الغفران المُحددة (مثل تغطية الله لآدم وحواء بعد السقوط (تكوين 3: 21)؛ والصيغة العهدية في افتداء الله لنوح وأسرته من الهلاك (تكوين 6: 17- 18)). وبناءً على معاني هذه الكلمات والمواقف يُمكن أن نُعرّف الغفران كالتالي:

الغفران الإلهي: "هو الفعل المليء بالنعمة من الإله القدوس العادل، الذي فيه يُزيل من الخاطىء الذنب والمسئولية القضائية (أو المسؤولية البنوية في حالة من صاروا أبناء لله أي المؤمنين بالمسيح)، وبهذا الغفران يُمهّد الطريق لعلاقة مُستردَّة بين الله وبين الخاطىء (مزمور 130: 4)."

ملاحظة (1) يُقدّم هذا معنى للغفران، وليس أساسه، فأساسه هو "عمل المسيح" وشروط حصول الخاطىء عليه هي "التوبة والإيمان بالمسيح"، الأمر الذي سنتحدث عنه لاحقًا.

ملاحظة (2) إن الشعور بالاحتياج للغفران والصفح الإلهي لهو شيء موجود في الوعي الإنساني وليس قاصرًا على شعب الله المُختار المُخلَّص. مثال على ذلك طلب فرعون للغفران (خروج 10: 16- 17)! وهذا الشعور بالاحتياج للغفران لا يعني بالضرورة التوبة الحقيقية. كما أن التوبة الحقيقية يحكم فيها الله وحده وإن كانت ثمارها دائمًا ما تكون ظاهرة للإنسان نفسه ولمن حوله.

الغفران البشري أو الغفران المتبادل (ماذا نعني عندما يُخطيء أحد في حقنا ويتوب فنقول له "أنا غفرت لك؟" ):
"هو فعل مليء بالنعمة، مُشابه لعمل الله، من خاطيء غُفرت خطاياه لخاطيء آخر غُفرت له خطاياه أيضًا (أو ربما لشخص غير مؤمن أخطأ في حقّي واعترف وتاب)، فيه يُعلن الطرف المُتضرر التزامه الإرادي أن لا يتذكّر خطية الطرف المُخطىء، وبهذا يُمهِّد الطريق لعلاقة مُستردَّة بين الطرفين (متى 18: 15)."

ملاحظة (1) إن الغفران على المستوى الأفقي أيضًا مشروط بتوبة المُخطىء (بحسب لوقا 17: 3- 4)، وهذا ما سيتم شرحه لاحقًا في المقال.

ملاحظة (2) إنك حينما تغفر لآخر فأنت -1- تأخذ قرارًا إراديًّا بأن تنسى الخطأ الذي ارتكبه في حقّك -2- عندما يأتي إلى ذاكرتك الموقف الذي ارتكبه هذا الشخص ضدك، فأنت تُقرّر أن لا تُفكّر فيه أو في مرارة الموقف بل أن تمحيه من الذاكرة -3- لا تذهب للتحدث عن هذا الخطأ مع الآخرين -4- لا تُذكِّر هذا الشخص بخطأه الذي غفرته له، خاصة إذا أخطأ في حقّك مرّة أخرى.

وختامًا للتعريف علينا الإقرار بأنه لا يوجد شيء أكثر غرابة على طبيعة الإنسان الخاطىء من "الغفران"، ولا يوجد شيء مُميِّز لنعمة الله أكثر من "الغفران". وإن كان هناك تشابه بين الغفران الإلهي (غفران الله لنا)، وغفراننا بعضنا لبعض "أغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا" (كذلك، أفسس 4: 31- 32)، إلّا أن التشابه لا يعني التطابق.

يُتبَع . . .

**الأفكار الرئيسيّة في هذا المقال مأخوذة من عِظات ألبرت مارتن Albert Martin عن الغفران!