سَبَى سبيًا وأعطى عطايا

ونحن نحتفل بمجيء المسيح الأول نتذكَّر أجزاءً بعينها من الكتاب المقدس وخاصة مقدمة إنجيلي متى ولوقا، حيث قصص الميلاد الشهيرة والعديدة. ولكن من أغرب الآيات التي تتحدث عن تجسُّد المسيح هي ’’وَأَمَّا أَنَّهُ «صَعِدَ»، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى.‘‘  كثيرًا ما تُفسَّر هذه الآية في أفسس ٤: ٩ على أنها تشير إلى نزول المسيح إلى الجحيم بعد موته على الصليب، ولكن هل هذا ما يقصده الرسول بولس هنا؟ يتكلَّم الرسول عن صعود ونزول في هذا المشهد، ولا يبدو الأمر على أنه صعود ونزول مرتبط بأحد أجزاء الأرض (فوق الأرض وتحت الأرض) ولكن يبدو المشهد على أنه مقارنة بين الأرض كلها والسماء. الَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ (أفسس ٤: ١٠). فالصعود هنا فوق جميع السماوات يشير إلى صعود المسيح بعد موته وقيامته. وهذا الصعود كان بمثابة تتويج للمسيح بعد تحقيقه للنصرة في موته وقيامته. وعليه فالنزول هو من السماء إلى الأرض وهو ما حدث في تأنُّس ابن الله عندما جاء إلى أرضنا. جاء الابن من نسل داود حسب الجسد لكي يجلس على كرسي أبيه ويملك. من أهم ما يميِّز انتصارات الملك هو سبْيه لأعدائه بعد انتصاره عليهم، والغنائم التي ينالها نتيجة هزيمته لهؤلاء الأعداء. وكلا الصورتين موجودتين هنا في أفسس ٤، فالمسيح الملك المنتصر سبى سبيًا وأعطى الناس عطايا من غنائمه. لكن ما هو المقصود بالسبي والعطايا التي أعطاها المسيح؟ وما علاقة هذا الكلام بالكنيسة والمواهب والوحدة التي يناقشها بولس الرسول في هذا الإصحاح؟

لا يجب أن نفكر في الكنيسة والمواهب بمعزل عن المسيح وعمله. يربط لنا الرسول بولس في أفسس ٤ بين صعود المسيح ومواهب الروح القدس. فمَن صعد إلى العلاء هو الذي سبى سبيًا وأعطى الناس عطايا. صار المسيح المُقام من الأموات والجالس عن يمين أبيه هو رأس الجماعة الجديدة، هو رأس الجسد الواحد المليء بالأعضاء والتي تعمل معًا في تناغم وتوافق بسبب الروح الذي أعطاه المسيح لهم، وذلك لبنيان الجسد كله. وهذا المشهد للجسد الواحد المتنوِّع الأعضاء نرى فيه انعكاسًا لطبيعة الله نفسه، فالله واحد مثلث الأقانيم حيث نرى الوحدة والتنوُّع، الآب والابن والروح القدس إله واحد. 

مزمور ٦٨

من أهم الأجزاء التي تتحدَّث عن وحدة جسد المسيح والمواهب الروحية في العهد الجديد هو أفسس ٤، يقتبس الرسول بولس في أفسس ٤ من مزمور ٦٨: ١٨ حيث يتكلَّم عن توزيع الغنائم التي حصل عليها الملك المنتصِر نتيجة انتصاره على أعدائه ثم وهبها. في أول المزمور (٦٨: ١-٨ نرى الحديث عن الخروج من مصر والنصرة والوجود في جبل سيناء الذي ارتعد من حضور الرب)، وبعد الخروج من مصر يدخل الرب أرض كنعان وينتصر وحده والرجال نيام (عدد ١٣) والنساء يقسمن الغنائم (عدد ١٢)، وهذا يذكِّرنا بأن في حروب الرب في سفر يشوع كان هو مَن يحارب عن شعبه الذي يتمتّع بالنصرة ويأخذ الأرض التي أعطاهم إيَّاها الرب بعد هزيمته أعدائه. في نهاية عدد ١٧ يقول إن سيناء (في إشارة إلى العهد في سيناء) الآن في القدس أي صهيون. ومن عدد ١٨ ينتقل التركيز من جبل سيناء إلى جبل صهيون. الرب الآن ليس إله سيناء ولكنَّه الله الساكن في صهيون. 

ثم يمضي المزمور ليتحدث عن ذروة انتصار الرب ووجوده في جبل صهيون في هيكله ومُلكه على كل الأمم والملوك. توضح لنا نهاية المزمور أن القوات والأعداء أُخضِعَت تحت أقدام إله إسرائيل. نرى هنا انتصار أكبر من الخروج من مصر، انتصار مرتبط بقيامة المسيح من الأموات ومجيء كل الأمم إلى جبل صهيون (قارن إش ٢: ٢). اللغة العسكرية في عددي ١٧، ١٨ ’’مَرْكَبَاتُ اللهِ رِبْوَاتٌ، أُلُوفٌ مُكَرَّرَةٌ. الرَّبُّ فِيهَا. سِينَا فِي الْقُدْسِ. صَعِدْتَ إِلَى الْعَلاَءِ. سَبَيْتَ سَبْيًا. قَبِلْتَ عَطَايَا بَيْنَ النَّاسِ، وَأَيْضًا الْمُتَمَرِّدِينَ لِلسَّكَنِ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ‘‘، هي لغة شعرية تؤكد على دخول الله المنتصر إلى قدسه في صهيون، لكنه قبلًا يصعد إلى الجبل ويأخذ سبايا معه، وهؤلاء السبايا ليسوا بالضرورة من الأمم أعدائه لكنهم أيضًا من اليهود الذين كانوا يقاومونه (مز ٦٨: ٥-٦ و١٨ ب).

أفسس٤ وسفر العدد!

نرى توازيًا بين أفسس٤ وسفر العدد إصحاح ٨ و١٨ حيث نرى الله يأخذ (يسبي) اللاويين ليكونوا له (عدد ٨: ٦، ١٤)، ’’وَتُفْرِزُ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ اللاَّوِيُّونَ لِي.‘‘ ولكن هذه ليست نهاية المشهد، فالهدف من سبيهم هو إعطائهم للشعب كي ما يخدمونهم (عدد ١٨: ٦). هأَنَذَا قَدْ أَخَذْتُ إِخْوَتَكُمُ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَطِيَّةً لَكُمْ مُعْطَيْنَ لِلرَّبِّ، لِيَخْدِمُوا خِدْمَةَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. بحسب مزمور ٦٨ الله يقبل هدايا (يسبيهم) وهم مَن كانوا أعدائه ولكن المشهد لا يتوقّف هنا لكنه يمتد أيضًا حيث يعطيهم الله لشعبه كي ما يخدمونه بالمواهب التي أعطاهم إيَّاها. فمثلما أخذ الرب اللاويين بصفتهم عطية (سبى سبيًا)، وأعطاهم ثانية للشعب، أيضًا المسيح الذي صعد وجلس في يمين العظمة في الأعالي بصفته الملك المنتصر يقسم الآن غنيمته ويعطي الناس عطايا. في صعود المسيح يهب شعبه مواهب الروح القدس. وهي المواهب التي لم ينلْها الشعب بعمل ما أو باستحقاق ما ولكنها غنائم انتصار المسيح. 

صعد وأعطى!

الابن الذي صار إنسانًا، مَن نزل إلى أقسام الأرض السفلى، ها هو يحقِّق ما جاء ليفعله، إذ حمل خطايانا في جسده على الخشبة ليصالحنا مع الآب. وإذ صعد بعد قيامته، ها هو يرسل الروح القدس ليبني كنيسته ويكملها بصفته الرأس والملك. وهذا الملك يهتم بجسده، يقوته ويربيه. وإذ قد انتصر من خلال موته وقيامته، يقوم بهذه العملية من البناء والتكميل من خلال روحه القدوس الذي أرسله للشعب ليمكِّنهم ويهبهم مواهب لخدمة بعضهم البعض. هذا الجسد هو جسد واحد لأن له رأس واحد أي المسيح ويجمعه روح واحد دون تفرقة في امتيازات الانتماء لهذا الجسد. جميعهم مختارون من الله ومعيَّنون ليكونوا بلا لوم قدامه، وقد خُتِموا جميعًا بروح واحد وتم دعوتهم دعوة واحدة. جميعهم يمكن أن يطلق عليهم سبايا المسيح الذين قد انضموا لجسده بعدما كانوا أمواتًا بالذنوب والخطايا وبالطبيعة أبناء الغضب. هؤلاء هم مَن يمكن أن يُطلَق عليهم "أهل بيت الله"، وهم مَن يرنمون "بالنعمة نحن مخلصون"!