مفتاح الاستقرار الروحي في الحياة المسيحية

"مِنْ أَجْلِ ذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا، مُنْذُ يَوْمَ سَمِعْنَا، لَمْ نَزَلْ مُصَلِّينَ وَطَالِبِينَ لأَجْلِكُمْ أَنْ تَمْتَلِئُوا مِنْ مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ، فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ رُوحِيٍّ لِتَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضًى، مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ، وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ." (كولوسي ١: ٩، ١٠)

السلوك التقي يأتي نتيجة التفكير التقي

صلّى بولس لأجلنا نحن المؤمنين حتى يتم عنا المكتوب: "لِتَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضًى، مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ، وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ، مُتَقَوِّينَ بِكُلِّ قُوَّةٍ... لِكُلِّ صَبْرٍ وَطُولِ أَنَاةٍ بِفَرَحٍ، شَاكِرِينَ الآبَ". (كولوسي ١: ١٠- ١٢)

هذه صفات مسيحية رائعة، ولكن كيف تتحقق فينا؟ تعطينا الآية ٩ الإجابة: "أَنْ تَمْتَلِئُوا مِنْ مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ، فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ رُوحِيٍّ". الكلمة اليونانية المترجمة إلى "تَمْتَلِئُوا" تتحدث عن التأثير أو السيطرة. وهي الكلمة نفسها التي يستخدمها بولس في أفسس ٥: ١٨ "امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ [انقادوا أو اتركوا القيادة للروح]".

عندما تمتلئ بالروح، فإنه يقود اختياراتك.

وبالمثل، عندما تمتلئ من معرفة مشيئة الله، فإن اختياراتك تعكس حِكْمَةً وَفَهْمًا روحيًا.

تشير عبارة "حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ رُوحِيٍّ" إلى ما هو أكثر من مجرد معرفة كلمة الله. فهي تتحدث عن تطبيقها في حياتك تحت قوة الروح القدس وتوجيههُ.

وبينما تُشبع ذهنك بكلمة الله مُصليًا، تبدأ الكلمة بالسيطرة على تفكيرك وسلوكك أكثر فأكثر. ويستخدم الروح القدس الكلمة لتجديد ذهنك وحمايتك من مشابهة مواقف هذا العالم وتصرفاته (رومية ١٢: ٢).

التمتع بحصاد وفير

لا يتمتع أي فلاح بحصاد وفير إلا بعد جهد دؤوب من جانبه. فيجب عليه أن يحرث التربة فيزرع البذرة ثم يرعاها حتى تنضج. وكل خطوة من هذه الخطوات هي خطوة مدروسة بعناية وتعكس انضباطًا ونظامًا دقيقًا.

وبالمثل فإن الإثمار الروحي ليس عملًا عشوائِيًا أو غير مدروس. بل يتطلب منا أن نجتهد ساعين وراء معرفة مشيئة الله المُعلنة في كلمته. وتلك هي صلاة بولس في كولوسي ١: ٩، والتي يكررها في الآية ١٠.

يمكن ترجمة عبارة "نَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ" (الآية ١٠) إلى "نامين بفضل معرفة الله". وكلتا الترجمتين مقبولتين. فالأولى تؤكد على الحاجة إلى النمو، والثانية تؤكد على الدور الذي تلعبه المعرفة في نموك الروحي.

كلما ازدادت معرفتنا بكلمة الله، يجدد الروح القدس ذهننا ويغير تفكيرنا. وبينما نتأمل في مجد الرب كما هو مُعلن في الكتاب المقدس، فإننا "نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ" (٢كورنثوس ٣: ١٨). وقد "لَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ" (كولوسي ٣: ١٠).

يأمرنا الكتاب المقدس قائلًا: "انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (٢ بطرس ٣: ١٨). هل تميز هذه السمة حياتك؟ هل تتطلع إلى حصاد روحي وفير؟ إن الله يمنحك دائمًا القوة لتفعل ما يأمرك به.

تحقيق الاستقرار الروحي

يبدو أن عددًا كبيرًا من المؤمنين يفتقرون إلى الاستقرار الروحي. نرى الكثيرين "مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ" (أفسس ٤: ١٤). بينما يفتقر آخرون إلى الطهارة الأخلاقية، بل وينساق الكثيرون وراء مشاعرهم بدلًا من التفكير السليم. وفي حين أننا لا نزال نكرز بإله سيد وكلي القدرة، فإن سلوكنا غالبًا ما يُكذِّب عقيدتنا.

على الرغم من تناقضاتنا، فإن قوة الاستقرار الروحي هي مِلك لنا في المسيح عندما نسمح لمعرفة مشيئته بأن تقود حياتنا.

يصف بولس عمل تلك القوة في كولوسي ١: ١١ إذ يكتب بولس: "مُتَقَوِّينَ بِكُلِّ قُوَّةٍ بِحَسَبِ قُدْرَةِ مَجْدِهِ، لِكُلِّ صَبْرٍ وَطُولِ أَنَاةٍ بِفَرَحٍ، ..." في تلك الآية تتحدث الكلمتان اليونانيتان المترجمتان إلى "مُتَقَوِّينَ" و"قُوَّةٍ" عن القوة الكامنة التي تمنح المرء القدرة على فِعْل شيء ما.

أما كلمة "بِحَسَبِ" فتشير إلى أن القوة من أجل الاستقرار الروحي تتناسب مع إمداد الله الوفير -وهو إمداد لا ينضب أَبَدًا! يقول النص اليوناني الأصلي إنكم "تُمنحون كل قوة بحسب قدرة مجده". وهذه الفكرة مشابهة لما جاء في فيلبي ٢: ١٢-١٣، حيث يقول بولس إن القوة لتتميم خلاصكم تأتي من الله، "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ".

في كولوسي ١: ١١، تتجسد نتيجة تمكين الله لنا في تحقُّق "كُلِّ صَبْرٍ وَطُولِ أَنَاةٍ" في حياتنا. "الصبر" هنا يعني المثابرة تجاه الأشخاص، بينما يعني "طول الأناة" المثابرة تجاه الأشياء أو الظروف. عندما تحتمل وتصبر، تكون مستقرًا روحيًا، وتكون ردود أفعالك كتابية ومدروسة ومحسوبة -وليست عالمية أو عاطفية أو غير منضبطة. عندها تحتمل التجارب لأنك تفهم مقاصد الله وتثق في وعوده.

قال بولس: "تَقَوَّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ" (أفسس ٦: ١٠). هذا مُمكِن عندما تثق بالله وتعتمد على القوة اللانهائية التي تمتلكها في المسيح.


هذه المقالة للدكتور جون ماكارثر مُقتبسة من (ESV MacArthur Drawing Near Devotional Bible).


الراحل جون ماك آرثر John MacArthur (١٩٣٩-٢٠٢٥) هو الراعي والمُعلِّم لكنيسة (Grace Community Church) في صن فالي، كاليفورنيا، حيث خدم منذ عام ١٩٦٩. وهو معروف عالميًا بوعظه التفسيري آية بآية وخدمته المنبرية من خلال برنامجه الإذاعي (Grace to You). وقد كتب أو حرّر ما يقرب من أربعمائة كتاب ودليل دراسي. كما عمل ماكارثر أَيْضًا كمستشار فخري في كلية اللاهوت Master’s Seminary وجامعة Master’s University.


تُرجِم هذا المقال عن الأصل الإنجليزي The Key to Spiritual Stability in the Christian Life بعد الحصول على إذن من Crossway