الحياة المسيحِيِّة: اتّحاد بالمسيح

حسنًا، تسألني عن الأهمية الحيويّة لمسألة الاتّحاد بالمسيح بالنسبة للحياة المسيحِيِّة؟

حقيقةً، الاتّحاد بالمسيح هو الحياة المسيحِيِّة. إنَّه لَيِسَ مُجرَّد بَرَكَة صغيرة محددة كإحدى البَرَكَات الرئيسيَّة لرسالة الإنجيل، بل الاتّحاد بالمسيح هو الحياة المسيحِيِّة.

أرى أنَّ هُناك عِدة صُوَر لاتّحادنا بالمسيح. دَعونا نُحاول فهم الاتّحاد بالمسيح من خلال صُورتان رئيسيَّتان يُقدِّمهُما الكتاب الُمقدَّس لنا. 

1. البَاكُورَة والبِزْرَة

الصورة الأولى نراها في رومية ٥ وفي ١ كورنثوس ١٥. لنلقِ نظرة على ما نراه في ١ كورنثوس ١٥. يَكتُب بولس، "لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ. وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: الْمَسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ."(1كو 22:15-23).

إنَّ ما يَدور في ذِهن بولس هو أن الجميع إمَّا في آدم أو في المسيح.

لا أَحَد حُرّ نفسه بمعزلٍ عن آدم أو المسيح، لا يوجد شيء من هذا القبيل. فأنت تَجد هُوِيَّتك فقط في آدم، أو في المسيح.

والصُورة الَّتي يستخدمها بولس هُنا، ليشرح -معنى هذا "في آدم"، وذاك "في المسيح"- هي صُورة البَاكُورَة، أي الثَمَرة الأولى. فهو يَرَى آدم والمسيح بَاكُورَتين لنوعين مُختلفين مِنْ البشر: الإنسانية القديمة والإنسانية الجديدة.  

أعتقد أنَّ اللُغة المُختارة في هذا النص هي لُغة سفر التكوين. ففي اليوم الثالث مِنْ الخَلق، كانت كُلّ بَاكُورَة بداخلها بِزْرتها [أو بِزَارِهَا] الخاصة (اُنظُر تكوين 11:1-13). وهكذا، مثلما تُوجَد البِزْرة داخل الثَمَرة، وحَيثُما أَخَذْتَ الثَمَرة ومهما فَعَلتَ بها هكذا يَحدُث للبِزْرة -تذهب البِزْرة أينما تذهب الثَمَرة. هكذا الحال مع آدم والمسيح. 

إِذا كُنتَ في المسيح، فأنت تَجد هُوِيَّتك ومَكَانتك فيه. أنت مِثل البِزْرة في الثَمَرة، يجب أن تكون قد أُخرِجْتَ من آدم وطُعِّمْتَ في المسيح -أي وُلِدتَ مِنْ جديد.

لقد شهدت حياتي ثورة وانقلبت رأسًا على عقب حين فَهمتُ الاتحاد بالمسيح. إذ رَأَيتُ أنني لا أقف عاريًا أمام إلهٍ قُدُّوسٍ، بِنَاءً عَلَى أدائي البائس، بل أقف أمامه لاَبِسًا المسيح، مُتسربلاً به. هذه هي اللُغة الَّتي اُستخدمت للتعبير عِدة مَرَّات في الكتاب الُمقدَّس.

2. كُلّ ما لدَيَّ، أُشَارِكَهُ مَعَكِ.

هُناك صُورة أُخرى بَالغَة الأهميَّة لاتّحادنا بالمسيح، وهي الزَّواج، صورة يَتَمحْوَر حولها الإصحاح الخامس مِنْ رسالة أَفَسُسَ.

يَكتُب بولس، "مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا"، ويتابع بولس قَائلًا، "هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ" (تك 24:2؛ أف 31:5-32). يَقول بولس إن عِلاَقَة الكنيسة بالمسيح هي عِلاَقَة "اتّحادٌ زوجي".

وفي الواقِع، استخدم مَارتِن لُوثَر (Martin Luther) هذه الصُورة، كأول طريقة يصيغ بها اكتشافه الذي أثمر حركة الإصلاح في عام 1520. حيث استخدم الزواج لشرح رسالة الإنجيل للعالم للمرَّة الأولى بشكل صحيح. يُمكنك الاطلاع على ذلك في إحدى كتاباته القصيرة تحت عنوان "حُرِّيَّة المسيحي"، "The Freedom of the Christian".

قال لُوثَر إنَّ ما يحدُث هو بالأحْرَى مثل قِصّة زَواج مَلِك عظيم بامرأة عاهرة. وهذه العاهرة لا تَسْتَطِيع أنْ تجعل نفسها زوجَة لهذا الملِك العظيم بأي شَيء تفعله أو بأدائها وأعمالها، ولكن فقط بِقَسَم [عهود] الزفاف، تُصبِح له. حيثُ يقول لها: "كُلّ كِياني، أعطيكِ. كُلّ ما لدَيَّ، أُشَارِكَهُ مَعَكِ."

وعن طريق هذا القَسَم هو يُعطيها المكَانة الْمَلَكِيَّة وكُلّ ما يَمتَلكُه. وحِينَئِذٍ تلتفت هي وتقول: "كُلّ كِياني، أعطيكَ. كُلّ ما لدَيَّ، أُشَارِكَهُ مَعَكَ." وبذلك فإن هذه الخاطئة المسكينة تُشارِك الملِك يسوع كُلّ خطاياها، وكُلّ مَوتِها، وكُلّ دَينُونتها. حينها قال "لُوثَر":

"لذلك يُمكن للخاطئة أن تنظُر بثِقَة في وجه الموت والجحيم بالرغم مِن خطاياها، وتقول: «إِذا كُنتُُ قد أَخْطَأْتُ، فإن مَسيحي، الَّذي هو لي، لم يُخطئْ. وكُلّ ما يَمتلكُه أصبح مِلكي، وكُلّ ما أمتلكه أنا -خطاياي، وموتي، ولعنتي- أصبح مِلكه»".

خُلِّصْتَ لتعرف المسيح

يَمْنَح الاتّحاد بالمسيح هذا التأكيد المُبهِر المغيِّر الحياة، وهو أنني أستطيع أن أعرف "الآب" كأَبَي الشخصي، صارخًا له «يَا أَبَا الآبُ» كابنٍ يُنادي أباه. ليس هذا فحسب، بل أيضًا يُغيِّر طبيعة الحياة المسيحِيَّة ذاتها. فأنا لم أحصُلْ على حزمة البركات هذه الَّتي تُسَمَّى "السماء". لقد دعيتُ لأعرف المسيح. وهذا يعطي معنى حقيقيًا للحياة المسيحية والقداسة. لم أُمنح حزمة "السماء" التي تنتظرني في المستقبل، بل دُعيتُ لأعرف المسيح، مما يعني أنه عندما يخطئ أخ أو أخت أستطيع أن أقول، "لماذا تبتعد عن الخلاص الَّذي دُعيتَ إليه؟ إنَّ معرِفة يسوع هي الحياة الوحيدة والُحُرِّيَّة الوحيدة الَّتي لأجلهِا خُلِّصنا دون أن ندفع الثمن". 

إذًا، ماذا يحدُث عِندما يأتي المؤمِن المسيحيّ حقًا ليفهم الاتّحاد بالمسيح لأَوَّل مَرَّة؟ 

سأشاركك اختباري الخاص: الاتّحاد بالمسيح كان معناه بالنسبة لي التَحرُر من اليأس الحقيقي، لأنني كنت يائسًا بحق. لم أعلم يقينًا كيف يراني الله، حتَّى تعلَّمتُ عن الاتّحاد بالمسيح. وصراحةً قراءة كتاب لُوثَر "حُرِّيَّة المسيحي" كان ما أقنعني بذلك، ورأيتُ للمَرَّة الأولى أنني أستطيع الوقوف واثقًا أمام الله في المسيح. وقد أتاح لي هذا الفهم حُرِّيَّةً لأكون قادرًا على مخاطبة الله مناديًا إياه "أَبَا"، كما أنه حررني من اليأس الذي كاد يدفعني للانتحار.