مُقدِّمة للأناجيل وسِفر أعمال الرُّسُل

يبدأ العهدُ الجديد بالأناجيل الأربعة وسِفر أعمال الرُّسُل. تَتَتَبَّع هذه الأسفارُ معًا تاريخَ خدمةِ المسيح مُنذُ ولادتِه وحتّى بعد صعودِه إلى السماء حيثُ يحكم كنيستَه ويسود على العالمِ.

تُدعَى الأسفارُ الأربعة الأولى الأناجيلَ. يَجيء تعبيرُ ”الإنجيل“ (مَرقس ١: ١، ١٤؛ اُنظُر رومية ١: ١٦) ترجمةً للكلمة العبرية المذكورة في إشعياء ٤٠: ٩ و٥٢: ٧، والتي تعني حرفيًّا ”أنباءً مُبهِجة“ أو ”أخبارًا سارَّة“. لا شكَّ أنّ الأناجيلَ الأربعة تقدِّم الأخبارَ السارَّة عن حياةِ المسيح وتعليمِه وموتِه وقيامتِه. مِن ثَمَّ يمكننا أن نعرِّف الإنجيلَ بحسب استخدامنا للتعبير، بوصفه روايةً مُنظَّمة لحياة المسيح وموتِه وقيامتِه. إنّ الأناجيلَ الأربعة التي لدينا، فضلًا عن كونِها مُوحًى بها من الروحِ، وأنّها رواياتٌ حقيقيَّة تاريخيًّا، فإنّ شهودَ عِيانٍ هم مَن كَتبوها أو تحقَّقوا من صحَّتِها (اُنظُر ١يوحنَّا ١: ١- ٤). بالإضافة إلى الأناجيل الأربعة القانونية التي لدينا، تسمع أحيانًا عن إنجيل توما، وهو ضِمن الكِتابات المنحولة الأپوكريفيَّة١ والأسفار المجهولة هُويَّةُ كُتَّابها، التي لا تقرُّ بصحَّتِها كنيسةُ المسيح إذ تعتبرها كِتاباتٍ غير موثوقٍ بها.

أُنشِئَتْ نظرياتٌ كثيرة لتشرح وتبرِّر بعضَ أوجه التشابُه والاختلاف بين الأناجيل. بصفةٍ خاصَّة لاحظَ العلماءُ أوجهَ التشابُه بين متَّى ومَرقس ولوقا، حتّى إنّها سُمِّيَت الأناجيل الإزائية أو المُتشابِهة Synoptic Gospels (sun-opsis: كلمة يونانية من شِقّين تعني حرفيًّا، ”أن نرى معًا“). لقد بنَى العلماءُ نظرياتٍ مُعقَّدة تشرح اعتمادَ الأناجيل المُتبادَل بعضُها على بعضٍ. ما أكثرَ المؤلَّفاتِ التي كُتِبَت لتُصحِّح النظرياتِ وتُعدِّلها حتّى تُوافِق الأدلَّةَ. إلى درجةٍ معيَّنة، فإنّه لا شكَّ أنّ الرُّسُلَ وغيرَهم من خُدَّام الكلمة الأوائل تشاوروا بعضُهم مع بعضٍ (اُنظُر لوقا ١: ٢). ومع ذلك، فإنّ أوجهَ التشابُه بين الأناجيل ترجِع إلى حقيقةِ أنّها كانت رواياتٍ لشهود عِيانٍ أو مَبنيَّة على شهادةِ شهود العِيان، وأنّ الروحَ أوحى إلى الكُتَّابِ ليكتبوا ويدوِّنوا كما فعلوا. تتعلَّق الاختلافات في الصياغة أو الترتيب بين الأناجيل بحقيقةِ أنّ الكُتَّابَ كانوا مَسوقين أن يعالجوا المواضيع معالجةً تختلف وَفقًا لأهدافهم وبحسَب كيف وصلَتْ إليهم شهادةُ شهود العِيان. ومع ذلك، من كلِّ جهةٍ، يجب ألّا نشكَّ في موثوقية الأناجيل. فإنّه ليس اختلافٌ من الاختلافات المُفترَضة يجب أن يُرى أنّه تناقضٌ. لقد اقتُرِحَتْ محاولاتٌ مُقنِعة لحلِّ كلَّ صعوبةٍ ظاهريَّة.

في الواقع، إنّ صِحَّةَ الكتابِ المُقدَّس أكثرُ وضوحًا بسبب وجودِ أربع شهاداتٍ مكتوبة عن حياةِ المسيح وتعليمِه وموتِه وقيامتِه. حاشا  أن ينتقص تنوُّعُ الشهادات لحقِّ المسيح من موثوقيَّة الرِوايات، بل كان له تأثيرٌ إيجابيّ في كُلِّ أنحاء العالم. ليس لدينا شاهِدٌ واحد، ولكن أكثر من ثلاثة شُهُودٍ. إذا كان لا بُدَّ، لتُمتحَن حقيقةُ شيءٍ ما، من وجود شهادة شاهِدَيْن أو ثلاثة شُهودٍ (تثنية ١٧: ٦، ١٩: ١٥)، ليفحصْ الناسُ ادِّعاءاتِ هؤلاءِ الشهود الأربعة. فقط أولئك المُصمِّمون على إثارة اعتراضاتٍ لا تستحِقُّ الذِّكْر سيجدون مشكلةً، أمَّا المؤمنون فسيجدون دليلًا.

يأتي إنجيلُ متَّى في صدارة الأناجيل الأربعة وهو مكانه المناسب، وتمتلِئُ صفحاتُه بإشاراتٍ وروابِطَ كثيرةٍ مع كُتُب العهد القديم المُقدَّسة. فحتّى سلسلة النسب التي يُستهلُّ بها الإنجيلُ (متَّى ١: ١- ١٨) تربط مَجيءَ المسيحِ بتاريخِ العهد القديم ووعوده. يركِّز الإنجيلُ الانتباهَ على خدمة المسيح الخلاصية بوصفه معلِّمًا ومُخلِّصًا تتميمًا لنبوّات أنبياء العهد القديم. بعد أن دعا المسيحُ تلاميذَه وعلَّمهم، ومات وقام من أجل كنيستِه، أوصى شعبَه أن يقيموا تلاميذ من جميع الأمم (متَّى ٢٨: ١٨- ٢٠) ليتمِّم العهدَ الذي عاهد به إبراهيم (تكوين ١٢: ١- ٣). لقد وعدَ أن يكون معهم إلى انقضاءِ الدَّهرِ (متَّى ٢٨: ٢٠).

يركِّز إنجيلُ مَرقس الانتباهَ على مجد المسيح باعتباره المَلكَ الجالِس على كُرسِيِّ المملكة. إنّ مجدَه عظيمٌ حتّى إنّ الشياطينَ يرتعدون، يتآمر المُقاوِمون ويدبِّرون مكيدةً، ومع ذلك فإنّ تلاميذَ المسيح كانوا غالبًا بِطاء [جمع "بَطيء"] في فَهمِ هُويَّته وهدفه. تدريجيًّا، بواسطة تعليم المسيح ومعجزاته، اعترفَ التلاميذ بالمسيح أنّه ابن الله. أخذَتْه مَهمَّتُه إذ كان عبدَ الربِّ إلى الموت على الصليب باعتباره فديةً عن الخطية (مَرقس ١٠: ٤٥) ، ورأسَ الزَّاوية في بِناء الله (مَرقس ١٢: ١٠). بمجدٍ عظيم قام في اليومِ الثالث وصعِد إلى مكان العظمة عن يمين الله (مَرقس ١٦: ١٩).

يبدأ إنجيلُ يوحنَّا في الأبديَّة ويُركِّز على سموِّ شخصية المسيح أنّه الكلمةُ المتأنِّس الذي أتى وعاش بين البشر الخُطاة، لكن لم يقبله كثيرٌ منهم بصفته الطريقَ والحقَّ والحياةَ، أمَّا بعضُهم فقد قَبِلوه، ممَّا يدُلُّ على أنَّهم وُلِدوا مِن فَوق (يوحنَّا ١: ١٣، ١٣). يظهر مجدُ المسيح في المعجزات أو الآيات السبع التي قرَّر يوحنَّا أن يدوِّنها، وكذلك الأحاديث السماوية التي سجَّلها يوحنَّا. مات يسوع مُعلَّقًا على الصليب ليُرضِي أباه ويجذب إلى نفسِه كثيرين (يوحنَّا ١٢: ٢٣- ٣٤). غرض يوحنا المُعلَن هو ”لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.“ (يوحنَّا ٢٠: ٣١).

فيما يتعلَّق بالبِنية التاريخية للعهد الجديد، يُعدُّ إنجيلُ لوقا وأعمال الرُّسُل مجموعةً مُهمّةً مُكوَّنة من كتابَين. في الأساس، يمثِّل هذا العمل المُكوَّن من كتابَيْن العمود الفقري [أي الجزء الأهمّ] التاريخي الأساسي. نظَّم لوقا، خاضِعًا لوحي الروح القدس، تاريخَ حياةِ المسيح وعملِه في مرحلتَيْن رئيسيَّتَيْن: الأولى تؤدِّي إلى وتبلغ ذُروتها في صعود المسيح (إنجيل لوقا)؛ أمَّا المرحلة الثانية فتَتَتَبَّع جميع الأحداث التي حدثَتْ بعد صعود المسيح وخرجت منه (أعمال الرُّسُل). يصوِّر لوقا الطبيب في إنجيلِه القدرةَ الخلاصية التي عاش فيها المسيح وخدمَ ثُمَّ مات ليحقِّق الفداءَ (لوقا ١: ٦٨- ٧٥). في أعمال الرُّسُل، يُبيِّن كيف يطبِّق المسيحُ الخلاصَ الذي أتمَّه لكي يخلِّص كثيرين من إسرائيل والأمم، ويجمع لنفسه كنيسةً مُعيَّنةً للحياة الأبديَّة (أعمال ٢: ٤٧).

تغطِّي الأحداثُ المُسجَّلة من إنجيل لوقا حتّى سفر الأعمال سبعين عامًا تقريبًا. بأفضل ما في وُسْعنا أن نخمِّن، وُلِدَ المسيحُ بين سنة ٦ و٤ قبل الميلاد، قبل موت هيرودس الأول سنة ٤ قبل الميلاد. يُختتَم سِفرُ أعمال الرُّسُل وبولس ما زال في السجن، على الأرجح في أوائل الستينيَّات بعد الميلاد. لسنا نعرف إلَّا قليلًا عن تاريخ اليهودية آنذاك، أغلب معرفتنا تأتي من يوسيفوس المؤرِّخ اليهودي. مثل معظم عصور التاريخ السياسي، كان وقتًا تسوده المكائد، وصراعات السلطة، والقتل، والمؤامرات، والطموح، الأمور التي سريعًا ما تنكسر وتزول.

كان قِيامُ هيرودس وعائلته تمهيدًا مِثاليًّا لمَجيء المسيح.

كان هيرودس من أدوم أو أدومِيًّا، من نسلِ عيسو. كان الشأن والمقام الذي رأَتْ روما أنّه من اللائِق أن تمنحه لهيرودس يمثِّل كلَّ ما يقدِّمه العالم. بعد موتِه سنة ٤ قبل الميلاد، استمرَّت عائلة هيرودس مُتسلِّطةً على المقاطعات اليهودية. حكمَ ثلاثةٌ من أبناء هيرودس أقاليم تحت ولاية روما. كان أرخيلاوس يملِك على اليهوديَّةِ (متَّى ٢: ٢٢)؛ وكان هيرودس أنتيباس واليًا على الجليل وبيريَّة، وفيلُبُّس كان يحكم المناطق في عبرِ الأُردن (لوقا ٣: ١). يظهر في سِفر أعمال الرُّسُل أشخاصٌ آخرون يحملون نفس اسم هيرودس، بما في ذلك هيرودس أغريباس الأوَّل (أعمال ١٢) وهيرودس أغريباس الثاني (أعمال ٢٦). يبدو أنّ الأسماءَ تغيَّرت، أمَّا الصراعات فلم تنتهِ. هكذا لخَّصَ المسيحُ الأمرَ: ”أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ.“ (مَرقس ١٠: ٤٢).

لا تكون الأمور هكذا في ملكوت المسيح! فمِن حَقَوَي يعقوب، وليس من عيسو  جاءَ المسيحُ كالله في الجسد. لم يطلبْ إرادته، ولكن إرادة أبيه. لقد كانت مملكته مملكة مجيدة على الرغم من أنّ بداياتِها كانت مُتواضِعة. لقد كان وديعًا وأراح كثيرين (متَّى ١١: ٢٨- ٣٠). أدَّى ما عمِله إلى انتصارٍ نهائيّ، ليس على الأعداء السياسيين والقوى الطبيعية، بل على القوى الخارقة للطبيعة والأعداء من الشياطين. لكن الطريق إلى هذا الانتصار هو بالموت، موت الوسيط الذي عيَّنه اللهُ، المسيح يسوع الرَّبَّ. الأناجيل هي بالحقيقة تاريخ. ومع ذلك، فهي أكثر من تاريخ. شكرًا لله، تقدِّم لنا الأناجيلُ قيام الله بالفداء بواسطة يسوع المسيح.


١ من الكلمة اليونانية Apocryphos، والتي تعني: الأمور المخفيّة المكتومة، هي كتاباتٌ لم تعترفْ الكنيسةُ لا بأصالتها ولا بقانونيَّتها. (المُترجِم)


تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع REFORMATION HERITAGE BOOKS ،

مُقدمات أسفار الكتاب المقدس الدراسي THE REFORMATION HERITAGE STUDY BIBLE