ترنيمة الإخلاء (١)

تجسّد ابن الله ليس عقيدة تملأ الأذهان مهابة لله فقط، بل حقيقة تُبهج وتغير القلوب، وتُشكل الحياة بأكملها.

نعم، التجسّد عقيدة عملية لأبعد الحدود! فقد رأي بولس «سِرَّ حياة التَّقْوى» مُرتبطًا بمعرفة وقبول حقيقة ظهور الله في الجسد، والثبات فيها (١ تيموثاوس ٣: ١٦). كما رأى أن ما تحتاجه كنيسة فيلبي، التي غابت بين أعضائها المحبة، وسادت بينهم الانشقاقات، واستحوذ عليهم الكبرياء والأنانية (فيلبي ٢: ٢- ٤)، هو الاستماع والتأمل مرة أخرى في الحقيقة المجيدة لتجسّد الله الابن، يسوع المسيح (فيلبي ٢: ٥- ١١).

احتفلت الكنيسة على مرَّ العصور بتجسد المسيح مُصليةً، واعظةً، ومرنمةً لهذا المقطع المجيد في فيلبي ٢، لذا ففي هذا المقال نود الإجابة على بعض الأسئلة التي تواجهنا أثناء دراسته.

في البداية، يُمكن تقسيم المقطع بالنظر للأفعال الرئيسية: في الأعداد ٦- ٧، هناك فعلين يتحدثان عن اتضاع المسيح في أخذه الطبيعة البشرية، ليتواجد في حالة الاتضاع (وهذا الجزء هو موضوع دراستنا)؛ وفي الأعداد ٩- ١١، هناك فعلين يشرحان تمجيد الآب ليسوع بسبب عمله الانتصاري كإنسان، ليتواجد في حالة المجد.[1] إذًا، فبولس هنا يأخذنا في رحلة لرؤية ثلاث مراحل تصف وجود الابن:

  • الابن قبل التجسد في حالة المساواة للآب.
  • إلى التجسد والألم وحمل الدينونة.
  • إلى تمجيد الله الآب ليسوع بالمجد الذي كان قبل التجسّد.

يعلق جوردون فيَّ Gordon Fee: لدينا على الأقل أربع أسئلة نريد الإجابة عليها في هذا المقال:

  1. لماذا يقول بولس أن المسيح «كَانَ فِي صُورَةِ ٱللهِ» بدلاً من أن يقول «كان هو الله»؟
  2. ما المقصود بعبارة «لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلهِ»؟ [سنجيب عليهما في الجزء الأول من المقال]
  3. ما المقصود بأن الابن «أَخْلَى نَفْسَهُ»؟
  4. لماذا قال بولس أن المسيح صار في «صَائِرًا فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ» بدلاً من أن يقول أنه صار «إنسانًا»؟[2] [سنجيب عليهما في الجزء الثاني من المقال].

السؤال الأول: لماذا يقول بولس أن المسيح «كَانَ فِي صُورَةِ ٱللهِ» بدلاً من أن يقول "«كان هو الله»؟

أولاً، المعنى البسيط لكلمةِ صُورَةٍ μορφή (form) هو: المظهر الخارجي أو شكل الشيء. لكن هذا المعنى ليس كافيًا لعدةِ أسبابٍ، منها أن الله ليس له مظهرًا أو شكلًا خارجيًا. كذلك، هذا الاستنتاج يتأكد عندما نضع في الاعتبار أن نفس التعبير يُستخدم في الحديث عن اتخاذ المسيح «صُورَة μορφή عبد» (ع. ٧). فنحن نعلم أن المسيح أخذ طبيعة بشرية حقيقة، وليس مجرد «مظهر خارجي» لإنسان/عبد. إذًا، فكلمة صُورَةٍ μορφή ربما تُشير للمظهر الخارجي، لكن هذا المعنى وحده غير كافٍ. ثانيًا، لا تعني «صُورَةِ μορφή الله» ما تعنيه كلمة الله عند الإشارة لآدم المخلوق على «صورة الله» (تكوين ١: ٢٦، ٢٧). يؤكد جوردون فيَّ، «لا يوجد ربط لغوي بين كلمة μορφή ورواية التكوين».

كما يوضح جويل بيكي Joel Beeke وسمولي Paul Smally أن العهد الجديد والسبعينية لم يستخدما μορφή للإشارة لآدم أو لكونه مخلوق على «صورة الله».[3]

ثالثًا، جذر الكلمة μορφή اُستخدم في العهد الجديد أكثر من مرة للإشارة للطبيعة الداخلية. على سبيل المثال: في غلاطية ٤: ١٩، يقول بولس أنه يخدم أهل غلاطية بكل جهد «... إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ μορφόω...» فيهم المسيح يسوع. فهو لا يريد فقط أن يظهر أهل غلاطية صورة المسيح «خارجيًا»، لكنه يتحدث عن تغيير داخلي فيهم وفي شخصياتهم. بالطبع هذا التغيير سيظهر خارجيًا، لكن جذر وموطن التغير داخلي (أنظر أيضًا، رومية ١٢: ٢ «...تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ...»؛ ٢ كور ٣: ١٨، «...، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا،...»). كما استخدم الفلاسفة نفس الكلمة للتعبير عن «الأمر الذي يُميز شيئًا أو فكرةً». لذا يقول بي بي وارفيلد B. B. Warfield أن وجود المسيح في «صورة الله» يعني أنه: «يملك كل كمال الصفات التي تجعل الله الله».[4] ويُضيف سيتفن ويلام Stephen J. Wellum، «إن استخدام صورة الله في عدد ٦ له نفس تأثير يوحنا ١٧: ٥، وعبرانيين ١: ٣ في تأسيس ألوهية المسيح. ففي يوحنا، يقول يسوع أنه شارك في مجد الآب قبل تأسيس العالم؛ وفي العبرانيين، التركيز على مشاركة الابن لبهاء مجد الله وكونه التمثيل المُماثل لجوهره».[5] لذلك، فأن يقول بولس أن المسيح: «كَانَ فِي صُورَةِ μορφή ٱللهِ» هو أن يقول أنه: «مساوٍ لله»؛ والذي يعزز ذلك الاستنتاج هو تأكيد بولس في باقي العدد أن المسيح: «مُعَادِلًا لِلهِ».

أمَّا بخصوص استخدام «كَانَ» في القول: «ٱلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ μορφή ٱللهِ،» فقد جاءت في زمن المضارع (present participle) للتأكيد على أن هذا ما كان، ومازال، وسيكون صحيحًا بخصوص المسيح. يقول دوج كيلي: «هذه هي طبيعة التأنس المُذهلة! هذا الذي هو الله الأزلي بكل ما تعنيه الكلمة، صار إنسانًا حقيقيًا دون التوقف عن أن يكون ما يكونه دائما.»

وبهذا يلخّص جوردون ف يَّ الإجابة على السؤال الأول: لماذا لم يقُل بولس «الذي إذ كان هو الله؟» بالقول:«في الانتقال من حقيقة أن المسيح «يكون هو الله» لحقيقة «أن يصبح إنسانًا»، يُعبِّر بولس عن طريق استخدام اللغة المجازية (metaphor) عن الهيئة الأساسية لتلك البشرية: اتخذ المسيح شكل أو صورة العبد. وقد أبدع بولس في استخدامه للفظ morphē، نظرًا، لأن morphē يمكن أن تشير إلى صورة أو شكل من حيث كل من السمات الخارجية التي يتم من خلالها التعرف على شيء ما، وكذلك تُشير للخصائص والصفات الأساسية له، فقد كانت الكلمة الصحيحة تحديدًا لوصف كل من الواقع (كونه الله) والاستعارة (توليه دور العبد).»[6]

بطريقة أخرى، استخدام بولس هذا التعبير (١) لعمل التوازي بين «صورة الله» و«صورة الإنسان»، (٢) وليؤكد في هذا التوازي أن المسيح هو نفسه الله، لأنه له كل صفات الله الداخلية، ولكونه صار إنسانًا بهيئة بشرية خارجية، وبطبيعة بشرية حقيقية ظهرت أمام الجميع.

السؤال الثاني: ما المقصود بعبارة «...، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً (harpagmos) أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلهِ.»؟

لاحظ أولاً، أننا هنا أمام تأكيد مُباشر أن الابن الذي هو «في صورة/هيئة الله» هو نفسه «معادلاً لله» (تأكيدًا لما فهمناه من النصف الأول لعدد ٦). ثانيًا، يُضيف بولس أن المسيح لم يحسب مساواته بالله (الآب) كشيء «يختلسَهُ». الكلمة المترجمة «خُلْسَةً» harpagmos هي صيغة الاسم من فعل يعني «أن يسرق، يخطف، يستولى على.»[7] لذلك، يمكننا استنتاج أنَّ: «خُلْسَةً» harpagmos هو تعبير اصطلاحي (idiomatic expression) يُشير لشيء يملكه الشخص، لكنه يختار ألا يستغله (ألا يستخدمه بكل إمكانياته).[8] هذا ما صاغة أحد اللاهوتيين بالقول: إن المسيح اعتبر أن ألوهيته تحتوي على العطاء لا على الأخذ. الأمر الذي يُشبه قول يوحنا أن «...، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ»، وهذه المحبة تم التعبير عنها بشكل خاص في عطية الابن نفسه لنا (١ يوحنا ٤: ٨-٩). في هذا، أظهر المسيح أنه لا يصنع أي أمر «... بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ» (ع. ٣).

وهكذا، وقبل الإجابة على السؤالين الآخرين في الجزء القادم، علينا أن نتذكر احتياجنا لقبول هذه العطية: عطية الابن الذي وُهِبَ لنا! وكذلك، وبالرغم من اختلاف درجة ونوعية تضحياتنا، علينا أن نرى كل إمكانية لدينا لا كشيء نستغله لتعظيم ذواتنا، لكن كأداة لخدمة الآخرين، فهذا هو جوهر مشابهتنا للمسيح.

___________________________________________________________________________________________________

[1] Stephen J. Wellum, God the Son Incarnate (Kindle Locations 4365-4368).

[2] G. D. Fee, Philippians, 93. (أنا مدين في هذا المقال لجوردون فييَّ)

[3] Beeke & Smalley, Reformed Systematics Vol. 3, 729.

[4] Beeke & Smalley, Reformed Systematics Vol. 3, 729-739; Benjamin B. Warfield, “The Person of Christ according to the New Testament,” in The Person and Work of Christ, ed. Samuel G. Craig (Philadelphia: Presbyterian and Reformed, 1950), 39.

[5] Stephen J. Wellum, God the Son Incarnate (Kindle Locations 4909-4911),

.يختلف وليام في تعريف كلمة "morphe" لكنه لا ينكر في استنتاجه المساواة التي يُشير لها بولس بين الابن والآب.

[6] G. D. Fee, Philippians, 93.

[7] G. D. Fee, Philippians, 94.

[8] Roy W. Hoover, “The Harpagmos Enigma: A Philological Solution,” Harvard Theological Review 64 (1971): 95–119.