الخلاص في عالمٍ به ديانَتان!

كم عدد الديانات في العالم؟

رُبَّما يُجيب البعض عن هذا السؤال بالقول إنّ هناك مئات بل آلاف الديانات. نعم رُبَّما هناك عدد لا بأس به من المُعتقَدات حول الهدف الأسمى للحياة، ولكيفية الوصول إلى الله (وبهذا فإنّ تعريفَ الديانة الذي سنستخدمه هنا هو ”النظام العقائدي الذي يؤدِّي للوصول إلى الإله الحقيقي“ أو ”المعيار الذي أَختَارُه للخلاص وللأخلاق وللمعنى في حياتي“ والذي تكون له بالضرورة تَبِعَاتٌ عملية)١.

لكن عندما نرجع إلى كلمة الله المُقدَّسة نجدها تُخبِرنا، كما قال أحدُ الوعَّاظ، بوجود ديانتَيْنِ فقط في العالم! فَمُنذُ سقوطِ آدم وحواء في الخطية وانفصالهما عن الله، بَدَآ في محاولة اختراع معاييرهما الشخصية لحقيقة وهدف الحياة (فقد بَاتَا يميِّزان الخيرَ والشرَّ بعيدًا عن الله) ولطريقة الوصول إلى الله [هذه هي الديانة الأولى البشرية]. فنرى ذلك في محاولتِهِما لتغطية عُريهما الناتج عن خطيتهما بأوراق الشَّجر لتأهيل أَنْفُسِهِمَا للوقوف أمام الله (تكوين ٣: ٧). وهكذا نجد في جوهر كلِّ ديانات ومعتقدات العالم ”الأعمالَ“ التي يحاول الإنسانُ صنعَها إمَّا ليُعطي معنًى لحياتِه بمعزل عن الله بالكامل، وإمَّا ليغطِّي خطاياه لعلَّه يكون مقبولًا أمام الله.

مُقابل ذلك، نجد الإلهَ القدّوس يتواضع لكي يكشفَ للإنسان الساقط (المُدان دينونةً عادلة قضائيًّا والفاسد أخلاقيًّا فسادًا جِذريًّا) أنّ طريقةَ التخلُّص من عُري الخطية والطريق للوصول إلى الله والهدف الأسمى لوجود الإنسان بَاتُوا أمورًا خارج دائرة قدرات الإنسان الساقط. فهو لا يستطيع حلَّ مشكلته كما لا يستطيع مريضٌ جاهل بالطب حلَّ مشكلة مرضه، بل وكما لا يستطيع مَيْتٌ إقامة نفسه من الموت. وهكذا فالديانة الثانية ليست بشرية لا في مصدرها ولا في حكمتها ونتائجها، بل هي ديانة سماوية آتية من الله.

أعلن اللهُ لآدم أوَّل إنجيلٍ (أي أوَّل خبرٍ سارّ) بعد السقوط عندما وعَدَه بأنّه سيتدخَّل من خلال نسل المرأة، الوسيط يسوع المسيح (كما فهِمنا فيما بعد في تاريخ الخلاص)، لكي يَحُلَّ مشكلةَ الإنسان ويصالحه مع الله (تكوين ٣: ١٥). استقبل آدم كلمة وعد من الله مفاداه أنّ اللهَ هو الذي سيعمل ما يحتاج إليه الإنسانُ للخلاص، وأنّه سيعمل ذلك بواسطة وسيط. كما أوضح اللهُ في الوعد نفسه، وبعدها بواسطة الغطاء الذي صنعه الله من جلدِ حيوان مذبوح لتغطية عُري آدم وحواء، أنّ هذا الوسيط سيكون من نسل امرأة وأنّه سيُغطِّي عُريهم بذبيحةٍ صانِعها الله (تكوين ٣: ٢١). هكذا فالحكمة التي يحتاج إليها الإنسانُ للمُصالحة مع الله ولفَهم معنى الحياة ليست بشريَّةً بل إلهيَّةً في مصدرها.

قصة باقي الكتاب المقدس هي قصة هاتَيْن الديانتَيْن، ديانة بشرية يُمكن تلخيص عقيدتها في تساؤل أتباعها ”ماذا أعمل لأصل إلى الله؟“ أو إجابتهم بالقول: ”الأعمال والحكمة البشرية!“؛ وديانة سماوية يُمكن تلخيص جوهرها في سؤال مختلف علَّمه اللهُ لشعبِه: ”ماذا عمل اللهُ ليُخلِّص الإنسانَ؟“ وإجابته ”للربِّ الخلاص“ أو ”نعمة الخلاص“. 

لكن الإيمان بهذه الحقيقة التي يُعلِّمها الكتابُ المقدَّس تضعنا أمام سؤال آخر: ما الذي يُعلِّمه الكتاب المقدَّس عن علاقة الديانة السماوية بأتباع باقي الديانات الأخرى (أو الديانة الواحدة الأخرى)؟ وماذا عن الذين لم يسمعوا برسالة الإنجيل؟ لقد بدأنا نسمع أصداء هذه الأسئلة كثيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنْ كانت ليست غريبة على مسامع المؤمنين عبر العصور. لتلخيص الآراء المختلفة يُمكننا أن نلتفت إلى كتاب بعنوان ”المسيحيون والتعدُّدية الدينية“ (١٩٨٢م)، والذي ناقش كاتبُه ”آلن ريس Alan Race“ ثلاثةَ نماذج لاهوتية تخصّ علاقة المسيحية بباقي الديانات، وهُم: حصرية الخلاص (exclusivism)، ضمنيَّة أو شموليَّة الخلاص (inclusivism)، العالمية (خلاص الجميع) (universalism). وقد تبنَّى عددٌ كبير من اللاهوتيّين هذا التقسيم لتلك النماذج٢، لذلك ففي الأجزاء الثلاثة القادمة نودّ التعرُّف على تلك النماذج (إذ نتناول نموذجًا في كلِّ جزء) وتقييمها في ضوء كلمة الله.

هذا المقال هو ((الأول)) من بين أربعة مقالات عن موضوع حصرية وشمولية الخلاص. يمكنك قراءة الأجزاء الأخرى بالضغط على أي من الروابط:-

المقال الثاني - المقال الثالث - المقال الرابع


١  فرُبَّما تكون ديانة شخص ما هي ”لا إلهَ‌، وأنا المعيار النهائي للأخلاق وللهدف من الحياة“ – وهذا في حدِّ ذاته مذهبٌ (ديانة!).

٢ على الرَّغم من أنّ بعضَهم فضَّل إجراء بعض التغييرات في أسماء هذه النماذج، والبعض من أتباع كلِّ نموذج عدَّل بعض التفاصيل داخل إطار كلِّ نموذج، لكن لضيق المساحة سنكتفي بذلك التقسيم التقليدي.