لماذا ندرس سِفر التَّكوين؟

شجرة العائلة المَنسيَّة

عندما بلغت سن الرشد، ألقى والدي على المنضدة كتابًا كبيرًا بحجم دليل أرقام الهواتف كانت صفحاته قديمة مُصفِرَّة. قائلًا: "يا أولاد، هذه شجرة عائلتنا".

بخط رقعة كوري جميل، يقتفي هذا الكتاب أثر سُلالة عائلتنا التي تعود إلى مئات السِّنين. أنا وأخوتي كُنَّا نتمعَّن في شجرة عائلتنا، ونسترجع القِصَّص القديمة عن أسطورة العائلة، وملوكها، وحروبها القديمة الَّتي امتدَّت إلى سنواتٍ في الماضي.

لكن تكمن المشكلة في أنه،

لم يكن لديَّ إطار مرجعي يرشدني لفَهْم هذا الكتاب. فمُنذُ هاجرت عائلتنا إلى الولايات المتحدة، كانت اللُغة الكوريَّة والتاريخ الكوري أجنبيان عليَّ. لذا بعدما تصفَّحت صفحاته الضخمة لبضع لحظات، عُدت إلى محاولاتي للتغلُّب على الوحش في المستوى التالي للعبة "سوبر ماريو". في حين أن هذا الأمر كان يجب أن يكون مُهمًا للغاية، شعرت أنَّه ليس ذي أي صلة بي على الإطلاق، بسبب عدم وجود خلفيَّة أو أساس لديَّ لفَهم هذا الكتاب.

سِفر التَّكْوِينِ وسلاسل الأنساب

يشعر الكثير مِنَّا بنفس الشُّعور عندما تتعثَّر أقدامُنا في سِفر التَّكْوِينِ وفي سلاسل أنسابه. نسمع فقط عن هذه السَّلاسل في كلِمة الله الموحى بها والمعصومة من الخطأ، كتعليماتِ السَّلامة التي تُلقيها مُضيفة الطيران قبل الإقلاع... مِمَّا يعني أنَّنا نادرًا ما نسمع عنهم.

ومع ذلك، فإن هذه الأنساب تُشكِّل العمود الفِقريَّ لسِفر التَّكْوِينِ. بلغَ الخلق ذروته بوصيَّة الله لآدم: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (تَكْوِين ١: ٢٨). يوضِّح باقي السِفر إتمام وتحقيق هذه الوصيَّة في سلاسل أنسابه (تَكْوِين ٤: ١٧-٢٤؛ ٥: ١-٣٢؛ ١٠: ١-٣٢؛ ١١: ١٠-٣٢؛ ٢٥: ١-١٨؛ إلخ) والأقسام المحوريَّة للسِفر يُشار إليها بـ "هذِهِ مَوَالِيدُ، هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ (هذه أجيال) ..." (مثلاً، تَكْوِين ٢: ٤؛ ٥: ١؛ ٦: ٩؛ ١٠: ١؛ ١١: ١٠، ٢٧؛ إلخ)[1].

لماذا؟ يقتفي سِفر التَّكْوِينِ أثر سُلالتين: سُلالة نسل الحيَّة المُتمرِّد وسلالة نسل المرأة المُبارَك (تَكْوِين ٣: ١٥). في تَكْوِين ٤، بلغت السُّلالة المُتمرِّدة لقايين ذروتها في الجيل السابع مع القاتل "لاَمَك" (تَكْوِين ٤: ٢٣، ٢٤). في تَكْوِين ٥، بلغت السُّلالة المُباركة لشيث ذروتها في الجيل السابع مع "أخنوخ"، الذي "سَارَ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ" (تَكْوِين ٥: ٢٤)، وفي الجيل العاشر مع نوح (تَكْوِين ٥: ٢٩).

من القائمة الكبير للأُمَم المذكورة في تَكْوِين ١٠، تُركِّز القصة على سلالة سام المُبارَكة (تَكْوِين ١١: ١٠-٢٦) من ثم على تارَح، والد إبراهيم (تَكْوِين ١١: ٢٧-٣٠). تدور قصة إبراهيم والآباء في تَكْوِين ١٢-٥٠ حول الصِّراع من أجل ولادة النَّسل المُبارَك (مثلًا، إسحاق ويعقوب) بالمقارنة مع النَّسل المُتمرِّد (مثل، إسماعيل وعيسو). تُحدِّد سلالة النَّسل المُبارَك "مسارًا" من سِفر التَّكْوِينِ حتَّى نهاية العهد القديم، وتبلغ ذروتها في نهاية المطاف في سلسلة نسب يسوع، "بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ اللهِ" (لوقا ٣: ٣٨).

هل تعرف شجرة عائلتك؟

إنَّ سُلالات أنساب سِفر التَّكْوِينِ هي شجرة عائلتنا، حيثُ نقتفي أثر نسلِنا "رجوعًا للوراء" وصولًا لإبراهيم، أبُ إيماننا (رومِية ٤: ١١، ١٢؛ غلاطيَّة ٣: ٢٩). نتذكَّرُ أيضًا أن "نتطلَّع إلى الأمام"، حيثُ يستمرُ الإنجيل في أن يأتي بثمرٍ جاعلًا عدد التلاميذ يتكاثر (مثلًا، أعمال الرُّسُل ٦: ٧؛ ١٢: ٢٤؛ ١٩: ٢٠؛ كولوسي ١: ٦، ١٠).

يشبهُ الأطفال آبائهم؛ فكُلَّما تَشَبَّهَ الآباء بالمسيح، كلما تَشَبَّهَ أطفالُهُم المسيح. حيث عَكَسَ وأظهرَ شيث صورة آدم، الَّذي عَكَسَ وأظهرَ صورة الله (تَكْوِين ٥: ١-٣)؛ هذا النَّصُّ يشيرُ إلى أنَّ شيث عَكَسَ صورة الله بقدر ما عَكَسَ آدم صورة الله. وبالمثل، صورة الله فينا تنعكسُ وتظهرُ في أبنائنا الجسديِّين والرُّوحيِّين.

لعلَّنا ننمو ونتغيَّر لنعكس الصُّورة أكثر فأكثر من خلال العبادة (٢كورنثوس ٣: ١٨) حتَّى نُقيم أبناء روحيَّين يعكسوا صورة المسيح جيِّدًا.


ميتشيل كيم Mitchell M. Kim دكتوراه من كلية (Wheaton) يشغل منصب الراعي الأصيل لكنيسة (Living Water Alliance Church) في ويتون، إلينوي. وقد عمل سابقًا أستاذًا في كلية ويتون. وفي عام ٢٠١٠، شارك في مؤتمر لوزان Lausanne العالمي للتبشير. يعيش مع زوجته "إونسيل Eunsil" وأطفالهما الثلاثة في نابرفيل، إلينوي.


تُرجِم هذا المقال ونُشِر بالاتفاق مع موقع Crossway.org، هذه المقالة جُزء مِن سلسلة "لماذا ندرس الأسفار المُقدَّسة؟"

ويمكنك قراءة المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من الرابط التالي: Why Study the Book of Genesis?