البارّ من أجل الأثَمَة!

يصف الرسول بطرس فداء المسيح لنا في رسالته الأولى 3: 21 قائلًا عن المسيح: "الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ"! ونقرأ في سفر الأمثال ١٧: ١٥ "مُبَرِّئُ ٱلْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ ٱلْبَرِيءَ كِلَاهُمَا مَكْرَهَةُ ٱلرَّبِّ". فكيف نفهم كفارة المسيح في علاقتها بالمبدأ الكتابي المدوَّن في الأمثال؟

*شرح المقطع من الأمثال!

يجب أن نفهم عدة أمور حول هذه الآية.

أولًا، يتحدث كاتب الأمثال ١٧: ١٥ عن محاكمة فيها الأدلة واضحة ضد شخص ما ولكن بسبب الظلم والمحاباة تُعلَن براءته دون استيفاء لمطالب العدل؛ أو العكس، توجد أدلة واضحة أن شخصًا ما بريءٌ وغيرُ مخطئ بشأن تهمة ما، ولكن يُحكَم عليه ظُلمًا ويُدان، مرة أخري، دون أي اعتبار لمطالب العدالة.

ثانيًا، يُمثِّل هذا المبدأ أحد أهم أسس العدالة بشكل عام، الأمر الذي نجد جذوره في التوراه في سفر التثنية ٢٥: ١، "إِذَا كَانَتْ خُصُومَةٌ بَيْنَ أُنَاسٍ وَتَقَدَّمُوا إِلَى ٱلْقَضَاءِ لِيَقْضِيَ ٱلْقُضَاةُ بَيْنَهُمْ، فَلْيُبَرِّرُوا ٱلْبَارَّ وَيَحْكُمُوا عَلَى ٱلْمُذْنِبِ."

ثالثًا، نتعلم من هاتين الفقرتين (أم ١٧: ١٥ وتث ٢٥: ١) أن التعبير "يبرِّئ أو يبرِّر" هو تعبير قضائي يحمل معنى إعلان براءة شخص ما من حُكمْ معين. لذلك، نجد نفس الكلمة مستخدمة في الكتاب المقدس للإشارة لتبرير الخاطئ أمام الله، أي إعلانه بارًّا ومقبولًا (رو ٣: ٢٥، ٢٨، غل ٢: ١٦).

وأخيرًا، يُمكن تطبيق هذا العدد على قبح ما فعله اليهود بالاشتراك مع بيلاطس حين طالبوا بإطلاق المذنب باراباس بريئًا، والحكم على يسوع المسيح البار بأنه مذنب (لو ٢٣: ١٣- ٢٥).

*بُعد لاهوتيّ

لكن يبقى السؤال كيف يبرِّئ الله فاجرًا مثلي ويضع العقوبة على المسيح البار، وهو الوحيد المشهود له عبر تاريخ البشرية أنه بلا خطية (١ يو ٣: ٥، ١ بط ٢: ٢٢، ٢ كو ٥: ٢١، عب ٤: ١٥، ٩: ٢٨)؟

هناك ثلاث نقاط على الأقل للإجابة على هذا السؤال:

أولًا، حسبان البرَّ

كلمة حسبان هي كلمة تُستخدم في المعاملات البنكية. استخدم بولس هذه الكلمة للحديث عن حسبان الله الخطية، أو حسبان الله لأعمال البرِّ (الأعمال الصالحة التي تُمجد الله)، في رصيد الإنسان (رو ٤: ١-٨).

عندما يُشير الرسول بولس لتبرير الله للفاجر هو في الحقيقة يُشير لإعلان براءته، لكن بالإضافة لذلك، يُشير لحسبان الله للفاجر برِّ المسيح فعليًا (رو ٥: ١٧). فعندما ينظر الله للفاجر، الذي قَبِل هذا البرَّ بالإيمان، يراه من خلال برِّ المسيح شخصًا بارًّا بالكامل. من ناحية أخري، في الصليب، وضع الله على المسيح آثام شعبه (إش ٥٣: ٦)، أي أن الله حسب في رصيد المسيح خطاياهم، لدرجة أن المسيح البار صار على الصليب أمام الآب حاملاً للخطية (٢ كو ٥: ٢١). وكأن المسيح قد ذهب للآب قائلاً "إن كان (هذا الفاجر) قد ظلمك بشيء، أو لك عليه دينٌ، فاحسب ذلك عليَّ." (فليمون ١٨). لم يُبرِّئ الله المذنب دون أي وجود للبرَّ في رصيده، بل برَّأ المذنب لأن هناك برَّا حقيقيَّا قد وُضع في رصيده. وكذلك، لم يسكب الله الدينونة على المسيح دون أي اعتبارات للخطية، بل قد حسب الله خطايا شعبه في حساب المسيح. وهذا يقودنا للنقطة التالية، الاتحاد بالمسيح. 

ثانيًا، الاتحاد بالمسيح

لم يحدث هذا الحسبان المتبادَل (برّ المسيح لنا وخطايانا على المسيح) وطَرَفَا المبادلة بعيدان بعضهما عن بعض، وكأن أحدهما في قارة أفريقيا والآخر في آسيا مثلًا وقد تبادلا بعض الأرصدة في حسابات بنكيهما. بل اتحد المسيح البار بشعبه اتحادًا حقيقيًا سِرِّيًا بالروح القدس، حتى صار المسيح ممِّثلًا ونائبًا شرعيًا لشعبه.

يمكن تشبيه ذلك برجل غني أتى ليتزوج امرأة فقيرة ومديونة، وفي الاتحاد الذي يحدث في الزواج صار كل غنى الزوج محسوبًا في رصيد الزوجة وكل ديون الزوجة محسوبة على الزوج. نعم، لقد اتحد المسيح بالخطاة اتحادًا كاملًا منذ التجسد، مرورًا بالصليب والقيامة، والصعود والجلوس بل أن هذا الاتحاد سيدوم إلى الأبد.

نتيجة لهذا الاتحاد صارت خطاياهم خطاياه على الصليب، وكل أعمال برِّه صارت بِرًّا لهم (إش ٥٣: ١١؛ رو ٥: ١٧، ١٩). يقول اللاهوتي هيوه مارتين (Hugh Martin)، أن المسيح صلَّى كل المزامير المسيانية التي يوجد فيها اعتراف بالخطية (على سبيل المثال مز ٤٠: ١٢) وهو يعترف بخطايا شعبه للآب وكأنها خطاياه. اتحاد المسيح بالخطاة أتاح له أخذ عقوبتهم، بتمثيلهم في ساحة القضاء، ومنحهم برَّه لخلاصهم.

ثالثًا، استرضاء العدالة

أخيرًا، لم يُبرئ الله المذنب دون أن يتم استيفاء مطالب العدالة الإلهية لكسر المُذنب وصايا الله (رومية ٣: ٢٣). فقد استرضى المسيح على الصليب كل مطالب العدالة الإلهية التي تطالب المذنب بالعقوبة. الأمر الذي أظهر أن الله بارٌ وعادلٌ ولم ولن يعبر على أي خطية دون دينونتها (رومية ٣: ٢٥-٢٦). بطريقة أخرى، لقد أراد الله الآب أن يظهر لنا أن العدالة الإلهية المقدسة ينبغي أن يتم استيفاء مطالبها قبل أن تُغدق الرحمة والمحبة الإلهية على المذنبين. 

لفهم أهمية الاسترضاء يُمكن أن نُفكَّر في داود الملك الذي زني مع بثشبع، وتسبب في قتل أوريا زوجها، وخان عهده مع الشعب عندما فشل في أن يرعاهم بأمانة واستقامة (٢ صموئيل ١١). بعدما انكشفت خطيته، صلَّي داود صلاة التوبة الشهيرة في مزمور ٥١ طالبًا وراجيًا رحمة الله. وكان غفران الله لداود (رغم تأديب الله له) حقيقي ولكن في نفس الوقت غفرانًا يجعل عدالة الله التي تُطالب بمعاقبة المذنب موضع تساؤل. فعندما يغفر الله لداود، يُمكن أن يُتهم الله، "أنت غير عادل! كيف تغفر لقاتل زاني خائن مثل داود دون أي مُحاسبة؟ أين العدل؟" لذلك، لكي تلتقي الرحمة مع العدالة، في حالة داود كما في حالة كل خاطئ، كان يجب أن يُسدد ثمن الخطية ويتم استرضاء مطالب العدل الإلهي. ولأن ثمن الخطية هو هلاك أبدي (رومية ٣: ٢٣)، آتى المسيح الأبدي ذو القيمة اللانهائية لدفع هذا الثمن في موت الصليب، لا لكي يُغفر لداود فقط، بل لكي يظهر الله نفسه عادلاً وغير مساومًا مع أيَّة خطية.

لهذا قدَّم الآب الابن (كما قدَّم الابن نفسه) ذبيحة إثم، كفارة لخطايا شعبه (راجع إشعياء 53). وفي فجر القيامة، أُعِلنَ للعالم جهارًا أن الله الآب قَبِلَ ذبيحة المسيح. فقد ختم الله الآب على تقدمة الصليب معلنًا أنها كافية لاستيفاء مطالب العدالة المقدسة على الأشرار الذين سيتحدون بالمسيح وسيصير هو ممثلاً لهم ونائبًا عنهم. نعم، الله، الذي هو معيار كل العدل، دبرَّ ذبيحة المسيح لتكون استرضاء واستعلان كافي لهذا العدل!

*عودة إلى أمثال 17: 15

يُمكننا لذلك أن نفهم أمثال ١٧: ١٥ كونها تؤكد على أن ما يكرهه الله هو تبرئة شخص مذنب ليس له برَّا في حسابه، ولم يتم استرضاء العدالة في التعامل مع خطاياه؛ أو إدانة شخص بارَّ بظلم ومحاباة، وليس شخصًا بارًّا جاء ليضع نفسه عن شعبه بإرادته، ولا زوجًا بارًّا قرَّر أن يأخذ ديون عروسته التي اتَّحدَ بها! في المقابل نعرف أن الله حكم على خطايا شعبه بالفعل في المسيح الذي استرضى العدالة الإلهية، وحُسِبَت خطاياهم في رصيده، وبرَّهُ في رصيدهم، بل واتَّحدَ بهم ليكون من الآن وإلى الأبد؛ كل ما لهم هو له، وكل ما له هو لهم.

هذه هي الأخبار السارة، أن الله في المسيح "يبرَّرُ الفاجر" بعدل ورحمة. هذه هي حكمة الله، وهذه هي قصة الحب الإلهي العجيب! فهل قبلتها؟!