"ينبغي أن يُصلَب"

"فَقَالَ لَهُمْ بِيلَاطُسُ: «٣١ خُذُوهُ أَنْتُمْ وَٱحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ». فَقَالَ لَهُ ٱلْيَهُودُ: «لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا». ٣٢ لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ ٱلَّذِي قَالَهُ مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ." (يوحنا ١٨: ٣١، ٣٢)

في زمن حياة المسيح على الأرض كانت كل منطقة اليهودية وفلسطين مُستعمرة رومانية. لذلك، عندما تآمر اليهود ورؤساء كهنتهم لقتل المسيح يسوع كان لابد لهم أن يأخذوه أمام الوالي الروماني بيلاطس طالبين منه أن يُصدِر الحُكم بالموت.

قدَّم اليهود المسيح لبيلاطس مُشتكين عليه أنه "فاعل شرَّ" (يوحنا ١٨: ٢٨-٣١)، بالرغم من أنه كان قد تحدّاهم قائلًا: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟" (يوحنا ٨: ٤٦). قدَّموه أمام بيلاطس متوقعين أنه إن كان الجنود الرومان قد ساعدوهم في القبض على المسيح (يوحنا ١٨: ٣، ١٢)، فسوف يساعدهم بيلاطس الوالي في تنفيذ حكم الموت عليه. 

لكن ماذا كان رد اليهود على بيلاطس عندما طالبهم بالحكم على المسيح بأنفسهم؟

"فَقَالَ لَهُ ٱلْيَهُودُ: «لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا»."

يحكي المؤرخ اليهودي يوسيفوس أنه بحلول عام ٦ ميلادية كانت الأراضي اليهودية بالفعل قد وقعت تحت الحُكم الروماني، وكان أي حُكم بالإعدام من الأمور التي تتطلب تصديق الحكومة الرومانية. لذلك نرى، في الرواية لاحقًا، أنه كان على اليهود إقناع بيلاطس بأمر أكثر من كون المسيح "ابن الله"، إذ أن هذه التهمة (التي اعتبرها اليهود تجديفًا، انظر يوحنا ٥: ١٧-١٨؛ ١٩: ٧) بالنسبة لبيلاطس لا تُشكِّل تُهمَة بالمرّة (إذ أن الرومان يؤمنون بأبناء الآلهة!)، بل بالحري تجعله يرتعب من المسيح ويهابه (يوحنا ١٩: ٧-٨).

لذا نجد التُهمَة التي حاول اليهود إلصاقها بالمسيح أمام بيلاطس (يوحنا ١٩: ١٢، ١٥) وكانت موضوع سؤال بيلاطس للمسيح هي «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» (يوحنا ١٨: ٣٣). فادعاء مثل هذا بالملوكية يُشكِّل تمردًا سياسيًا على قيصر "الملك الوحيد" بالنسبة للرومان.

في كل الأحوال سعى اليهود للحصول على تصديق بحكم الموت على المسيح من يد بيلاطس الوالي الروماني. ويعطينا يوحنا تعليقًا هامًا في روايته: "لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ ٱلَّذِي قَالَهُ مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ" (يوحنا ١٨: ٣٢).
لكن ما الذي كان يقصده يوحنا بهذا التعليق؟

لو لم يكن اليهود تحت الحُكم الروماني، أو لو كانوا هُم من سينفِّذون حُكم الموت على المسيح بحسب شريعتهم، لكانت عقوبة المسيح قد تمت رجمًا بحسب الشريعة (لاويين ٢٤: ١٦). لكن صدور قرار العقوبة من محكمة رومانية يعني أن المسيح سوف يُعلَّق على خشبة مصلوبًا.

نعم، كان ردُّ اليهود بعجزهم عن تطبيق الحكم بحسب شريعتهم حقيقة واقعة، وكان وضع اليهود السياسي وعجزهم عن إصدار حُكم الموت حقيقة تاريخية، وكان رد فعل بيلاطس مشحونًا بحُبِّ السلطة، لكن كانت كلها أمورًا تحت سيادة الله وتعمل معًا "لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ ٱلَّذِي قَالَهُ مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ"، أي ليتم موت المسيح "مصلوبًا" كما قال المسيح نفسه.
لكن يبقى السؤال، أين قال المسيح أنه سيموت مصلوبًا؟ 

نجد عدَّة أماكن في الأناجيل حيث يتنبّأ المسيح عن حقيقة موته (على سبيل المثال لا الحصر، مرقس ٨: ٣١؛ ٩: ٣١؛ 10: 33-34)، ويذكر لنا إنجيل يوحنا، على الأقل مرتين بوضوح، حديث المسيح عن طريقة موته.

المرة الأولى نجدها في يوحنا ٣: ١٤ "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى ٱلْحَيَّةَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ".

كانت تلك الكلمات جزءًا من حديث المسيح مع نيقوديموس المعلِّم اليهودي. فبعدما شرح المسيح لنيقوديموس دور الروح القدس في الخلاص عن طريق تغير قلب الإنسان واختبار الولادة الجديدة بكونها عطية مجانية، بدأ المسيح الحديث بإقرار دوره الشخصي في الخلاص. نجد الصورة التي يُشير إليها المسيح هنا في سفر العدد ٢١: ٤-٩.

كان شعب إسرائيل قد تمرد على الله وعلى موسى، "٦ فَأَرْسَلَ ٱلرَّبُّ عَلَى ٱلشَّعْبِ ٱلْحَيَّاتِ ٱلْمُحْرِقَةَ، فَلَدَغَتِ ٱلشَّعْبَ، فَمَاتَ قَوْمٌ كَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ." وعندما ندم الشعب وصلى موسى مُتشفعًا لأجلهم، دبَّر الرب في نعمته الخلاص بطريقة لا تخطر على بال إنسان. لقد أمر الرب موسى بصنع حيَّة من نُحاس، ورفعها في وسط الشعب "عَلَى رَايَةٍ"، و"مَتَى لَدَغَتْ حَيَّةٌ إِنْسَانًا وَنَظَرَ إِلَى حَيَّةِ ٱلنُّحَاسِ يَحْيَا" (ع. ٩).

فقد اختار الله في حكمته أن تكون علامة الدينونة "الحيَّة" هي نفسها علامة الخلاص لشعب إسرائيل المتمرد! استخدم المسيح هذه الصورة مع نيقوديموس مُعلِّم إسرائيل مُشيرًا لحتمية "أن يُرْفَعَ"، وقد رُفِعَ لا على راية بل على الصليب، "لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ." كان الصليب علامة دينونة ولعنة لكل يهودي (غلاطية ٣: ١٣؛ تثنية ٢١: ٢٣)، ولكن المسيح كان يُعلِّم نيقوديموس أن ارتفاعه على الصليب سيكون أيضًا علامة الخلاص!

المرة الثانية التي يذكر فيها المسيح طريقة موته نجدها في يوحنا ١٢، "وَأَنَا إِنِ ٱرْتَفَعْتُ عَنِ ٱلْأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ ٱلْجَمِيعَ." (ع. ٣٢). في هذا السياق أيضًا لم يتركنا يوحنا البشير في شكٍّ من جهة المقصود بمعنى" ٱرْتَفَعْتُ"، إذ يُضيف تعليقًا على كلام المسيح قائلًا: "قَالَ (المسيح) هَذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ" (ع. ٣٣). نعم يُشير ارتفاع المسيح عن الأرض إلى قيامته وصعوده للسماء وتمجيده عن يمين الآب، لكننا نعرف أن هذا الارتفاع والتمجيد بدأ على الصليب. هذا ما كررَّه يوحنا في حادثة محاكمة المسيح أمام بيلاطس. فكما ذكرنا عندما رفض اليهود محاكمته وطالبوا بمحاكمة رومانية للمسيح، علقَّ يوحنا بنفس تعليق إصحاح ١٢ مرة أخرى: "لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ ٱلَّذِي قَالَهُ مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ" (يوحنا ١٨: ٣٢).
عُني يوحنا بالتأكيد أن المسيح لم يكن يُعلَّم فقط بحقيقة موته (يوحنا ٢: ١٨-٢٢)، لكنه أشار أيضًا للأداة التي ستُوَظَّف لقتله. 

بالإضافة إلى تلك الإشارات في إنجيل يوحنا، يؤكد لنا البشير متى أن المسيح تحدث عن حكم الموت الذي أصدره اليهود، وبعدها أسلموه للأمم (لبيلاطس الروماني) لكي يُنفَّذ هذا الحكم بالطريقة الرومانية بالصلب. فنقرأ قول المسيح: "١٨ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِٱلْمَوْتِ، ١٩ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى ٱلْأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ، وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ يَقُومُ»." (متى ٢٠: ١٨-١٩).

مات المسيح بأبشع أدوات الموت في التاريخ، صليب العار، لكي يجذب الكثيرين إليه هو شخصيًا ("أَجْذِبُ إِلَيَّ ٱلْجَمِيعَ"). ومنذ أن بدأ تلاميذ المسيح بالتبشير برسالة المسيح مصلوبًا (ومُقامًا من الأموات) لكي يجذب الأموات من الهلاك للحياة، وإلى الآن، ظلَّت رسالة الصليب مُحيرة للكثيرين.

فلماذا يُصمِّم المسيح على هذه الأداة لموته؟ ولماذا يختار الله أن يُخلِّص شعبه بهذه الطريقة التي تبدو جهالة للبعض وعثرة للبعض الآخر؟

ربما نجد جانبًا من الإجابة في كلمات بولس الرسول في غلاطية ٣: ١٣، إذ يشرح أن المسيح حمل "لعنة" كسر شعبه الوصايا، عن طريق حمله "اللعنة" التي تلصقها الشريعة بكل من يُعلَّق على خشبة (تثنية ٢١: ٢٣). وسيبقى جانب آخر من الإجابة مُرتبطًا بحقيقة أن طرق الله دائمًا مُختلفة جذريًا عن طُرق الإنسان.

فقد أراد الله خلاص شعبه بطريقة لا تنتمي لحكمة هذا العالم، بطريقة لم تراها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر على بال إنسان (١ كورنثوس ٢: ٦-٩). لذلك أكَّد بولس الرسول: "فَإِنَّ كَلِمَةَ ٱلصَّلِيبِ عِنْدَ ٱلْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ ٱلْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ ٱللهِ، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ ٱلْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ ٱلْفُهَمَاءِ»." (١ كورنثوس ١: ١٨-١٩).

فهل تقبل حكمة الله؟ هل تقبل طريق المسيح للخلاص، طريق الصليب؟