عقيدة القيامة المُهمَلة

كثيراً ما تأخذ عقيدة قيامة المسيح في كنائسنا أهمية ثانوية. فتُهمَل وتُنسَى حتى يحلّ موعد عيد القيامة سنويًا. ونفس تجاهل القيامة هذا يُرى في مشاركتنا للإنجيل. إذ يميل المؤمنون لمشاركة الأخبار السارة كأن موت يسوع على الصليب هو نهاية القصة فنبني ما يشبه الطريق السريع منطلقين من الصليب رأسًا إلى "توبوا وآمنوا"، مخالفين بذلك المثال الذي أرساه بطرس لنا في أعمال ٢: ٢٢- ٢٤ و ٤: ٢٦. الصليب محوري لخلاصنا، لكن ما تمَّمه الله هناك لا يكتمل إلا بفراغ القبر صباح الأحد. لذلك، فقيامة يسوع جوهرية "لنا ولخلاصنا" (استشهادًا بقانون الإيمان النيقاوي). فماذا إذًا الذي ضمنته القيامة؟

*تجديدنا متأصل في قيامة المسيح!

هل قرأت أبداً قصة القيامة وأتبعتها بـ: "مجدًا للرب! بفضل قيامة المسيح، أنا مولود ثانيةً!" أنا عن نفسي أعرف أنني لم أقل هذا. لكن إذا فهمنا حقًا نتائج قيامة المسيح في خلاصنا، فالميلاد الجديد هو أول ثمارها. الكتاب المقدس يعلِّمنا أن ميلادنا الجديد –  الذي هو عمل الرب وحده (monergistic)، وهو عمله المعجزي الذي به يجعلنا الروح القدس خليقة جديدة في المسيح، مغيِّرًا قلوبنا الحجرية بقلوب لحمية – هذا الميلاد الجديد متاح فقط بسبب قيامة يسوع.

لنتأمل مقطعين، بحسب بطرس، "وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ" (١بطرس ١: ٣). نفس الإله الذي أقام المسيح من القبر هو الذي يُقيمُنا من الموت الروحي إلى الحياة الروحية.  والرسول بولس يقول أننا كنا أمواتًا بالذنوب والخطايا، لكن الله، الذي هو غني في الرحمة، "أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ" و "أَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (أفسسس ٢: ٥، ٦؛ كولوسي ٣: ١).

لأن الله أقام المسيح من الأموات، يستطيع أن يُحينا مع المسيح بقوة الروح القدس. حياة القيامة التي يحياها المسيح هي أساس ميلادنا الثاني ووسيلته.

*تبريرنا متأصل في قيامة المسيح!

أولئك المؤمنون بالرب الذي أقام المسيح من الأموات يُحسبون أبرارًا. كما يقرر بولس في رومية ٤: ٢٣- ٢٥، مثل إبراهيم نُحسب أبرارًا لأننا نؤمن "بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ. الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا." بقيامة يسوع من الموت، أقرَّ الله قبول عملهِ على الصليب لأجل خطايانا. نعم، أعلن الله كمال عمل ابنه! دُفع عقاب خطيتنا ورُفِعَ الذنب. يقول وين جرودم (Wayne Grudem):

"حين قال الله الآب للمسيح: "دُفِعَت أجرة جميع الخطايا، وأنا لا أراك أمامي مُذنبًا بل بارًا"، بهذا كان (الآب) يقرّر أن هذا الإعلان ينطبق أيضًا علينا لحظة إيماننا بالمسيح للخلاص. وهكذا تعطينا قيامة المسيح أيضًا الدليل النهائي على أنه قد أقتنى تبريرنا."

يصيغ جوناثان إدواردز (Jonathan Edwards) الأمر بأكثر دقّة:

"لأنه إن لم يكن المسيح قد أُقيم، فهذا دليل أن الله لم يستوفِ حق خطايانا بعد. ولكن بالقيامة، أقرَّ الله قبوله ورضاه (بذبيحة المسيح)؛ مُعلِنًا كفاية عمله، وأنّه (أي المسيح) قد أنهى مهمته، وبما إنه وسيطنا، قد تبرَّر**."

(Miscellanies، المجلد ١٣، ٢٢٧).

[**المقصود هنا أنه قد تم إعلان أن المسيح لم يكن مُذنبًا عندما صُلب، بل أنه كان بارًا، وقد صُلب لأجل خطايا شعبه.]

بكلمات أخرى، لو لم يُقِم الله المسيحَ من بين الأموات، فكأنما يقول: "أنا غير راضٍ عن عملك الكفاري نيابة عن الخطاة." وإن كان الوضع هكذا، لبقينا أمواتًا في خطايانا كما يقول بولس في 1 كو 15: 17. وإن بقينا أمواتًا في خطايانا، لوقفنا أمام الله القدوس مذنبين، غير مبرَّرين، ومدانين. ونجد في كلمات مارتن لويد-جونز (Martyn Lloyd-Jones) شرحًا وافيًا:

"إن تكن قيامة المسيح من القبر غير حقيقية، تبقَ أنت مذنبًا أمام الله. فعقابك لم يحمله أحد، وخطاياك لم يتولَّ أحد دفع أجرتها، وأنت باقٍ في خطاياك. الأمر بهذه الأهمية: دون القيامة، لا سبيل لك للوقوف أمام الله البتّه."

(كتاب، ضمان خلاصنا، ٤٩٢، The Assurance of Our Salvation).

*تقديسنا متأصل في قيامة المسيح!

في رومية ٦، يشرح بولس أن بإمكاننا السلوك "فِي جِدَّةِ ٱلْحَيَاةِ" (أي الحياة الجديدة) لأن المسيح أُقيم من الموت. لا يجب أن نستمر في خطايانا. نسمع هذا في تساؤل بولس، "نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَنِ الْخَطِيَّةِ كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟" فنحن قد اعتمدنا لموت المسيح "حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضاً فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ." (رومية ٦: ٣، ٤). لكن بولس لا ينهي كلامه هنا. بل لديه المزيد ليقوله حول القيامة وتقديسنا:

٥ لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ نَصِيرُ أَيْضاً بِقِيَامَتِهِ. ٦ عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضاً لِلْخَطِيَّةِ. ٧ لأَنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيَّةِ. ٨ فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضاً مَعَهُ. ٩ عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضاً. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ. ١٠ لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا لِلَّهِ. ١١ كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضاً احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتاً عَنِ الْخَطِيَّةِ وَلَكِنْ أَحْيَاءً لِلَّهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. (رومية ٦: ٥- ١١)

آخر عبارتين يقرهما بولس غاية في القوة. لأننا مسيحيون مؤمنون، نحن مُتّحدون بالمسيح. المسيح مات للخطية وهكذا أيضًا علينا نحن أن نحسب أنفسنا أمواتًا للخطية. لكن المسيح أيضًا قام من الموت وهو حي الآن والحياة التي يحياها الآن فيحياها لله. لذلك لأننا في المسيح، نحن أحياء لله ولا نعود نسلك حسب الجسد بل حسب الروح. ذاتنا القديمة غير المؤمنة الخطّاءة المُدانة صُلبت مع المسيح والآن نحن خليقة جديدة، والخطية لا تسود علينا بعد، لكن بقوة الروح نستطيع السلوك في الحياة الجديدة.

يستحيل كل ما سبق إذا كان المسيح باقيًا في القبر.

فقيامته هي نصرتنا فوق سيادة الخطية. وفقط بسببها لنا الضمان، والثقة؛ ولنا قوة السلوك في التقوى. وفي ضوء هذا، تتضح أهمية نصيحة بولس لنا أكثر فأكثر:

١ فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ. ٢ اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ، ٣ لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. ٤ مَتَى اظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ انْتُمْ ايْضاً مَعَهُ فِي الْمَجْدِ. (كولوسي ٣: ١- ٤)

*ذروة التاريخ الفدائي!

كتب ريتشارد جافين (Richard Gaffin) ذات مرة أن: "قيامة المسيح" ليست العامل المحوري في تعليم بولس عن الخلاص فحسب، وليست "ذروة التاريخ الفدائي للمسيح" فقط، لكن "قيامة المسيح" هي أيضًا "المكان الذي يستقي منه كل فرد مؤمن اختباره في كل تفاصيله وفي كل ما يُميّز اختبار الفداء. حقًا أن قيامة المسيح هي ملء الفداء الذي لا يمكن استقصاؤه" (القيامة والفداء، ١٣٥، Resurrection and Redemption).

وأتفق تمام الاتفاق. فإذا ضاعت منّا أهمية قيامة المسيح، إذاً، كما يبيِّن سينكلير فيرجسون (Sinclair Fergusonفقد أسأنا فهم الإنجيل، وقطعنا الروابط بين خلاصنا وبين ربوبيّة المسيح (التي أُعلنت بالتمام في قيامته) (Resurrection and Redemption، 6). فكيف يقتنع أي مؤمن بهذا الانفصال إذا كان، كما يشرح كالفن (Calvin)، "كُلَّ خلاصنا وكل مقوماته لا نمتلكها إلا في المسيح" (Institutes II.16.19).


تمت الترجمة بإذن من خدمات ائتلاف الإنجيل. يمكنكم الرجوع إلى المقال الأصلي بالضغط على الرابط التالي: The Neglected Resurrection