كرنيليوس خائفُ الرب

مقدمة

هل يمكن أن يخلصَ شخصٌ ما وهو لم يسمع عن المسيح؟

يتسبب هذا السؤال في الكثير من الجدل بين مؤيدٍ ومعارض. وهذا المقال القصير ليس بصددِ التعامل مع كل النقاط الخاصة بهذا النقاش، وإنما مع أحد قصص الكتاب المقدس التي دائما ما تُذكَر كلما تطرق الحديث لهذه القضية،وهي قصة كرنيليوس قائد المئة الأممي المذكور في سفر الأعمال، إصحاحي  ١٠-١١. هل تمتع كرنيليوس بالخلاص قبل مقابلته مع بطرس في أعمال ١٠ أم لا؟وإن كان قد خلص فما الذي حدث معه خلال المقابلة مع بطرس؟

مؤشرات لحدثٍ خلاصيّ

لم يكن دخول الأمم للإيمان حدثًا عاديًّا، ولعل ردَّ فعل المؤمنين في أورشليم أبلغُ دليل على ذلك. يقول سفر الأعمال إن أهل الختان قد خاصموا بطرس عندما سمعوا أن الأمم قد قبلوا كلمة الله بيد بطرس (أعمال ١١: ١-٢).فقام بطرس بشرح ما حدث في روايته مع كرنيليوس، وكيف حل عليه ومن معه الروح القدس كما حدث مع التلاميذ أنفسهم يوم الخمسين (أعمال ١١: ١٥). لذلك يفسِّر الكثيرون هذه الرواية على أنها حدث تجديد كرنيليوس، وخاصة في ضوء رواية بطرس لكلام كرنيليوس نفسه عن الملاك الذي ظهر له، وقال: "... أَرْسِلْ إِلَى يَافَا رِجَالاً، وَاسْتَدْعِ سِمْعَانَ الْمُلَقَّبَ بُطْرُسَ، وَهُوَ يُكَلِّمُكَ كَلاَمًا بِهِ تَخْلُصُ أَنْتَ وَكُلُّ بَيْتِكَ" (أعمال ١١: ١٣-١٤). ويبدو من هذا الكلام أن كرنيليوس لم يكن قد خلص قبل أن يزوره بطرس، ولذلك كان يحتاج أن يسمع عن المسيح ليؤمن ويخلص. 

كرنيليوس المؤمن

لكن هل يصح، بناء على ما سبق، القول إن كرنيليوس كان غير مؤمن ولم تكن له علاقة بالله قبل مقابلته مع بطرس؟ كيف يستقيم هذا مع وصفه في أعمال ١٠: ٢ بأنه "... تقيٌّ وخائفُ اللهِ مع جميعِ بَيتِهِ،..." ؟كيف يمكن أن يقال على كرنيليوس هذا الوصف وهو لا يتمتع بعلاقة خلاصية مع الله؟دعت مثل هذه الأسئلة الكثيرين يعتقدون بأنه يمكن أن يكون هناك خلاص وعلاقة شخصية خلاصية مع الله بدون الدراية عن المسيح. فهناك الكثيرون مثل كرنيليوس يخلصون بناء على الإعلان العام في الطبيعة والضمير.لكن هل هذا هو الاستنتاج السليم والضروري مما نراه في هذه القصة؟

سياق أعمال ١٠-١١

بالنظر للهدف من هذين الإصحاحين بشكل عام (أعمال ١٠-١١) نجد أن الهدف الرئيس منهما هو شرح كيفية بدء انتشار رسالة الإنجيل للأمم وانضمامهم للكنيسة، وذلك تحقيقًا لوعد المسيح في بداية سفر الأعمال "...، تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أعمال ١: ٨). فمن خلال هذه المقابلة مع كرنيليوس، صار بطرس مقتنعًا تمامًا بمقاصد الله للوصول لكل الشعوب، وهو ما ظهر لاحقًا في دفاعه عن الإرسالية للأمم في مجمع أورشليم في أعمال ١٥.لقد كان السؤال الدائر في هذا السياق هو: هل يجب على الأمم أن يصيروا يهودًا أولاً قبل أن ينضموا إلى الكنيسة؟ هل يجب أن يختتنوا ويلتزموا بشريعة الأطعمة الموجودة في سفر اللاويين؟كانت خبرة بطرس مع كرنيليوس هي الرد على مثل هذه الأسئلة في مجمع أورشليم. إن فهم سياق الأحداث في غاية الأهمية هنا.فالهدف من القصة المذكورة في أعمال ١٠-١١ ليس توضيح إمكانية خلاص الذين يعيشون حياة تقية حتى وإن لم يسمعوا رسالة الإنجيل.في الحقيقة حتى هذا الادعاء بأن كرنيليوس كان مجرد شخص أمميّ يحاول أن يتبع ضميره ويحيا حياة مستقيمة فاستجاب له الله هو ادعاء بعيد تمامًا عن الصحة، وذلك للأسباب التالية: 

  1. يقدم لنا لوقا كرنيليوس بوصفه تقيّ وخائف الله، وهي المصطلحات التي لا تنطبق على أيِّ شخصٍ أمميّ بشكلٍ عام، وإنما تطلق على من يعبدون أو يتقون إله إسرائيل بالتحديد، إله العهد القديم.ما يؤكد هذا الزعم هو أن لوقا يذكر لنا ممارستين يقوم بهما كرنيليوس من ثلاثة ممارسات مرتبطة بالتقوى اليهودية، وهم: الإحسان بالعطايا، والصلاة، والصوم.يؤكد لوقا أن كرنيليوس كان "...، يَصْنَعُ حَسَنَاتٍ كَثِيرَةً لِلشَّعْبِ، وَيُصَلِّي إِلَى اللهِ فِي كُلِّ حِينٍ." (أعمال ١٠: ٢)
  2.  إن المناسبة التي ظهر فيها الملاك لكرنيليوس هي وقت صلاته لأحد الصلوات الثلاثة اليومية اليهودية في الثالثة مساءً. بل إن كرنيليوس كان "... مَشهودًا لهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةِ اليَهودِ،..." (أعمال ١٠: ٢٢)
  3. تدل لغة الحوار بين كرنيليوس والملاك على علاقة بينه وبين الله. ففي مخافة وهيبة يقول كرنيليوس: "ماذا يا سيِّدُ؟"، وكان رد الملاك: "... صَلَوَاتُكَ وَصَدَقَاتُكَ صَعِدَتْ تَذْكَارًا أَمَامَ اللهِ." (أعمال ١٠: ٤).إن مصطلح "... صَعِدَتْ تَذْكَارًا... " هو مصطلح ذبائحيّ مرتبط بالعهد القديم، وهو ما يعني أن صدقات كرنيليوس وصلواته صعدت كرائحة سرور لدى الرب.
  4. من الأهم الأمور التي أكدت عليها القصة هي تقوى وبر كرنيليوس، فيصفه رجاله بأنه "...، رَجُلاً بارًّا وخائفَ اللهِ..." (أعمال ١٠: ٢٢)، وفي عدد ٣٥ يصفه بطرس بأنه يتقي الله ويصنع البر.يطلق الكتاب المقدس نفس الصفات على أيوب الذي كان رجلاً كاملًا مستقيمًا يتقي الله ويحيد عن الشر (أيوب ١: ١). بل إن أدب الحكمة في العهد القديم يؤكد على أن مخافة الرب هي الحكمة (أيوب ٢٨: ٢٨، أمثال ٣: ٧)،وهو ما نراه في كرنيليوس الذي تنطبق عليه مواصفات الشخص الحكيم بحسب العهد القديم.
  5. لا يجب أن نفهم هنا أن إرسال بطرس لكرنيليوس كان نوع من المكافأة الإلهية على بر كرنيليوس، فكرنيليوس عرفَ إله إسرائيل وآمنَ به واتّقاه، ولم يكن مجرد رجلاً أمميًّا يتبع ضميره بدون أي إدراك عن إله إسرائيل.يلاحظ أيضًا أن التقوى والبر هي نفس الصفات التي يصف بها بطرس أشخاص مثل نوح ولوط في ٢ بطرس ٢: ٥-٩. كان كرنيليوس مثله مثل لوط ونوح وغيرهم من رجال الله الذين آمنوا بالله وتمتعوا بخلاصه مع أنهم لم يكونوا من نسل إبراهيم. لكن هذا لا يعني أن خلاصهم لم يكن بالنعمة وبالإيمان في وعود الله.
  6. نعرف من خطاب بطرس في بيت كرنيليوس أنهم كانوا يعلمون عن يسوع وخدمته، ولكن ربما لم يكونوا قد سمعوا عن قيامته بعد. فبطرس يبدأ كلامه قائلاً: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الأَمْرَ الَّذِي صَارَ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئًا مِنَ الْجَلِيلِ،..." (أعمال ١٠: ٣٧)،وفي نهاية كلامه يشير بطرس إلى شهادة جميع الأنبياء عن الإيمان بالمسيح هو الطريق لغفران الخطايا (أعمال ١٠: ٤٥).يلاحظ هنا أنه بالرغم من أن عظة بطرس كانت مقدمة لأمم وليس ليهود، إلا أنها تختلف كثيرًا عن عظات بولس للأمم في سفر الأعمال (أعمال ١٤: ١٥-١٨؛ ١٧: ٢٢-٣١).في الواقع، تتشابه عظة بطرس في بيت كرنيليوس مع باقي عظاته في سفر الأعمال مع بعض الاستثناءات البسيطة، مثل التأكيد على أن الله لا يقبل الوجوه وأنه رب الكل، يهود وأمم.وهذا ما يتناسب مع هذين الإصحاحين (أعمال ١٠-١١)، ومع رؤيا بطرس للطعام الذي أباحه الله له ليأكله تأكيدًا على إزالة أي فوارق بين اليهود والأمم فيما يتعلق بالإيمان بالمسيح والانضمام للكنيسة. 
  7.  كانت خبرة بيت كرنيليوس مثل خبرة يوم الخمسين، لكنها للأمم في هذا المشهد (لم يكن كرنيليوس وحده ولا حتى هو وبيته، وإنما كان هناك آخرون أيضًا من الأمم الذين يخافون الرب أيضًا ومشتاقين أن يسمعوا رسالة بطرس)"... وَأَمَّا كَرْنِيلِيُوسُ فَكَانَ يَنْتَظِرُهُمْ، وَقَدْ دَعَا أَنْسِبَاءَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ الأَقْرَبِينَ" (أعمال ١٠: ٢٤). كما أن بطرس لم يكن وحده، ولكن كان معه ستة أشخاص من اليهود المسيحيين ليكونوا شهودًا عما حدث (أعمال ١٠: ٢٣، ١١: ١٢).كانت كل هذه التفاصيل ضرورية، وخاصةً في ظل رفض اليهود لفكرة اختلاط بطرس مع الأمم (أعمال ١١: ١-٣)، أو حتى الأكل معهم، ناهيك عن الانضمام للكنيسة.كان رد بطرس على اعتراضهم هو إعادة رواية القصة مرة أخرى والتي كان تعقيبه عليها هو أنها بمثابة تكرار لما حدث يوم الخمسين مع التلاميذ أنفسهم، "فَلَمَّا ابْتَدَأْتُ أَتَكَلَّمُ، حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ كَمَا عَلَيْنَا أَيْضًا فِي الْبُدَاءَةِ" (أعمال ١١: ١٥). ونحن نعلم أن خبرة يوم الخمسين للتلاميذ لم تكن انتقال من عدم الإيمان إلى الإيمان، وإنما كانت بمثابة انتقال مؤمنين من العهد القديم ليكونوا مؤمنين في العهد الجديد.كذلك الحال مع كرنيليوس الذي كان يعد من مؤمني العهد القديم، ومن خلال مقابلة بطرس انتقل هو ومن معه لينضم إلى مؤمني العهد الجديد.
  8. لم تنتهِ عظة بطرس في بيت كرنيليوس مثل انتهاء عظته يوم الخمسين حيث سأله المستمعون: "... مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟" وكان رد بطرس: "... تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أعمال ٢: ٣٧-٣٨). ولكن ما حدث مع كرنيليوس كان أكثر تشابهًا لما حدث مع التلاميذ ومن معهم يوم الخمسين حيث حل عليهم الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة (أعمال ١٠: ٤٤).لم يدعو بطرس كرنيليوس للتوبة في هذا المشهد، وإنما حل على جميع الموجودين من الأمم الروح القدس بينما كانوا يسمعون الكلمة. ما حدث مع كرنيليوس كان بمثابة فتح الباب للذهاب إلى الأمم،ولذلك نرى قصة الكنيسة في أنطاكية تأتي مباشرة بعد قصة كرنيليوس في أعمال ١١. يحكي لنا لوقا البشير عن إيمان أناس يونانيين برسالة الإنجيل، ولكن نرى في وصف خبرتهم اختلاف عما حدث مع كرنيليوس. فعندما سمعوا رسالة الإنجيل، يقول لوقا إنهم رجعوا إلى الرب، وهو المصطلح الذي يفيد التوبة والذي لم نقرأه في قصة كرنيليوس.

الخلاص حدث ٌحاضر ومستقبليّ

لكن إن كان كرنيليوس قد تمتع بعلاقة خلاصية مع الله من قبل زيارة بطرس، فلماذا طلب الملاك من كرنيليوس أن يرسل لطلب بطرس كيما يكلمه كلامًا به يخلص هو وكل بيته (أعمال ١٠: ١٤)؟وهنا يجب أن نتأكد من معنى كلمة "يخلص" في هذا السياق. هل المقصود هو أن كرنيليوس لم يكن قد خلص قبل أن يأتيه بطرس؟ وإن كان الأمر هكذا فكيف يمكن أن يطلق عليه أنه تقيّ وخائف الرب ويصنع البر؟ ألا يؤكد الكتاب المقدس أنه ليس بار ولا واحد (رومية ٣: ١٠) وأن الإنسان الطبيعي لا يستطيع أن يرضي الله (رومية ٨: ٨)؟ كيف يمكن أن يصف لوقا كرنيليوس بنفس صفات مؤمني العهد القديم؟ وهنا يجب أن نفهم معنى كلمة خلاص في سفر الأعمال. 

إن دعوة الملاك لكرنيليوس كيما يسمع كلام بطرس الذي "به يخلص هو وكل بيته" قد تشير إلى حدث حاضر، ولكنها قد تعني أيضًا حدث مستقبلي. على سبيل المثال، يقول لوقا عن المؤمنين الجدد: "... كَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ" أعمال ٢: ٤٧. من ناحية أخرى، لقد اقتبس بطرس نفسه من نبوة يوئيل في أعمال ٢، وفي نهاية هذا الاقتباس تأتي الكلمات الآتية: "وَيَكُونُ كُلُّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ" (أعمال ٢: ٢١)،والخلاص المشار إليه هنا هو حدثٌ مستقبليّ في اليوم الأخير، يوم الدينونة ويوم الخلاص. ويكرر بطرس نفس الاستخدام للإشارة إلى الخلاص المستقبليّ في مجمع أورشليم في أعمال ١٥: ١١. نفس الفكرة نراها في عبرانيين ٩: ٢٨ حيث يؤكد أن هناك خلاص نهائيّ سيتمتع به المؤمنون الحاليون مع مجيء المسيح الثاني، وهو الخلاص من هذا العالم الشرير ومن دينونة اليوم الأخير.لذلك بناءً على كل ما سبق، يبدو أن كلمات الملاك تشير إلى الخلاص النهائيّ، وأن كرنيليوس كان بالفعل يتمتع بعلاقة خلاصية مع الله قبل مجيء بطرس. 

الخلاصة

في ظل كل ما سبق، لا يمكن القول إن كرنيليوس كان مجرد شخصًا أمميًّا لا يعرف شيء عن الله، ولكن بسبب حياته المستقيمة وصلاته لإله السماء الذي لا يعرفه، أرسل له الله بطرس برسالة الإنجيل.بل كانت رسالة الإنجيل التي يحملها بطرس هي بمثابة رسالة تؤكد تحقيق الوعود التي طالما انتظرها كرنيليوس مثله مثل كل أتقياء ومؤمني العهد القديم.إن النقلة التي حدثت في حياة كرنيليوس ليست من عدم الإيمان إلى الإيمان، ولا من الإيمان بناء على الإعلان العام إلى الإيمان بناء على الإعلان الخاص، وإنما من الإيمان في وعود الخلاص كما شهد لها الأنبياء إلى الإيمان في أن هذه الوعود قد تحققت في المسيح.