ضرورة الإيمان بالإنجيل لاقتناء الخلاص!

بعدما تحدَّثنا في الجزئيْن السابقيْن عن الحصرية والتعدُّدية، نأتي الآن إلى النموذج الثالث، نموذج الضِمنية (أو الشمولية١) (Inclusivism).

يتَّفق أتباعُ هذا النموذج مع المبدأ الأوَّل والثاني لأتباع نموذج الحصرية، لكنَّهم يعترضون على المبدأ الثالث. وبهذا يؤمِن الضِمنيّون(الشموليِّون):

(١) أنّه يُمكن أن يستفيد مِن عمل المسيح البعضُ ممَّن لم يسمعوا الإنجيلَ أو مَن رفضوا بعضَ المُعتقَدات المسيحية الرئيسية (النقطة الأولى والثانية) دون معرفةٍ واعية (أي دون توبةٍ وإيمان) بالمسيح وبعملِه الكفاري.٢

(٢) عمل المسيح على الصليب ضروريّ للخلاص بشكل وجودي، ولكنَّه ليس ضروريًّا للخلاص بشكل معرفي. بطريقةٍ أخرى، بحسب هذا النموذج، أنت لا تحتاج إلى أن تعرف الربَّ يسوع المسيح ورسالة الإنجيل معرفةً شخصية لكي تستَفِيدَ من الفداء الذي حقَّقه لأجلك.

(٣) يشير كثيرٌ من الشموليِّين إلى كون الإعلان العام كافيًا للخلاص، خصوصًا لمَن لم يسمعوا برسالة الإنجيل. باختصارٍ، يقول الشموليُّون إنّه بما أنّ كثيرًا من الناس في العالم ليس لديهم منفذٌ أو طريقة للوصول إلى الرسالة المسيحية، فالاستفادة من عمل المسيح صارت مُتاحة بواسطة الإعلان العام، وأعمال الله في العناية الإلهية عبر التاريخ، بل ويضيف البعض، من خلال باقي الديانات. البعض منهم يُشير إلى أنّه ليس الإعلان العام هو الذي قد يُخلِّص هؤلاء بل تعامُل الله الشخصي، السِرِّيّ، والمعجزي في قلوب البعض، والذي لا يشترط وجود رسالة الإنجيل بالضرورة، هو الذي يمكن أن يقود إلى الخلاص. على أيَّة حالٍ يؤكِّد أتباعُ هذا الفِكر على كون التجاوب مع الأخبار السارَّة ليس ضروريًّا للخلاص في بعض الحالات.

لعلَّ أشهر الأمثلة لنموذج الشمولية هو وثيقة الفاتيكان الثانية لدستور الكنيسة، ففيها نقرأ: ”يمكن الحصول على الخلاص الأبديّ لهؤلاءِ الذين، لا بسبب خطإٍ ارتكبوه هم بأنفسِهم، لم يعرفوا إنجيلَ المسيح ولا كنيستَه، ولكنَّهم على الرغم من ذلك سعوا لمعرفة الله بإخلاصٍ وتحرَّكوا بنعمتِه، وصارعوا بأعمالهم لفعل إرادته كما قد أُعلِنت لهم بواسطة ما تُمليه عليهم ضمائرُهم.“ 

بالتأكيد يمكن استخدام كلّ الشواهد الكتابية التي قيلت في النقطة الثالثة المذكورة في مناقشة الحصرية لمعارضة فِكر الشمولية هذا. لكن لأنّ هذا التيار بدأ في الانتشار بصورٍ مختلفة (البعض منها أكثر علانيةً من الآخر) في الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة، سيركِّز باقي المقال على سرد عِدَّة حُجَج لهذا الفِكر والردِّ عليها باختصار.

الحجَّة الأولى:

يستشهد بعضُ أتباع النموذج الشمولي بنصوصٍ كتابية تؤكِّد على محبة الله للعالم، ومشيئته أن يخلص الجميعُ. فتسمعهم يقولون، ألَمْ يقول الكتاب، ”أَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ،...“(يوحنا ٣: ١٦)، أو ”...، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ،...“(٢بطرس٣: ٩)، و”...، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ،...“(حزقيال ٣٣: ١١)، وغيرها. فمحبة الله الشاملة العالمية (Universal) واشتياقه أن يُخلِّص جميعَ الناسِ تعني أنّ كلَّ إنسانٍ لا بُدَّ أن يكون له مدخلٌ أو منفذٌ للاستفادة من الخلاص. ”فالعناية العالمية تُحتِّم مدخلًا عالميًّا“.

للردِّ:

عادةً ما يكون أصحابُ هذا النموذج انتقائيِّين بشدَّة في تعامُلهم مع الأدلَّة الكتابية، أي أنّهم كثيرًا ما يأخذون بعض الأعداد الكتابية التي تتّفق مع نظرتهم ويتركون الأخرى التي تتعارض مع وجهة نظرهم، بل وفي بعض الأحيان يقتطعون حتّى الأعداد التي يستخدمونها من سياقها. على سبيل المثال، يستخدمون ٢بطرس ٣: ٩، ”...، وَهُوَ (الله) لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ،...“، ولكنَّهم لا يشيرون إلى باقي العدد: ”...، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ.“ فإرادة الله للخلاص مرتبطة حصريًّا بتوبة الإنسان تجاوبًا مع الإنجيل (١بطرس ١: ٢٥). نفس الأمر نجده في يوحنا ٣: ١٦ حيث لا يُمكن الاستفادة من محبة الله إلّا بالإيمان بالمسيح يسوع (راجع النقطة الثالثة في النموذج الحصري). كما يقتبسون قولَ بولس في رومية ١٠: ١٨ ويفسِّرونه بفِكرٍ شمولي: ”لَكِنَّنِي أَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا؟ بَلَى! «إِلَى جَمِيعِ الأَرْضِ خَرَجَ صَوْتُهُمْ وَإِلَى أَقَاصِي الْمَسْكُونَةِ أَقْوَالُهُمْ»“، ولكنَّهم يخفقون في ملاحظة أنّ بولس في نفس السياق يقول، ”لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ (يهوه/ المسيح)٣ يَخْلُصُ.“ (رومية ١٠: ١٣، راجع أيضًا ع. ١٤).

الحجَّة الثانية:

لقد خلَص شعبُ الله في العهد القديم بالمسيح دون معرفةٍ شخصية بالمسيح، لذلك فمِن الممكن أن يخلُصَ البعضُ اليومَ بالمسيح دون معرفةٍ بالمسيح. 

للردِّ:

لقد خلَص قدِّيسو العهدِ القديم على أساس ذبيحة المسيح، بالنعمة المجانية التي قَبِلوها بالإيمان والتوبة، تمامًا مثلما يخلُص قدِّيسو العهدِ الجديد. فكما تحدَّثنا في المقدِّمة، وضع الله أساسًا واحدًا للخلاص منذ السقوط: عمَل المسيح المعروف سابقًا قبل تأسيس العالم!٤ الطريق الوحيد للخلاص لآدم وكلِّ نسلِه هو الإيمان بوعد الله أن يُرسِل مُخلِّصًا ليستر الخُطاة (تكوين ٣: ١٥، ٢١). وإنْ كان آدم قد خلَص فهو قد خلَص بالنعمة بواسطة الإيمان بهذا الوعد.٥ وهكذا أكَّد بولس الرسول أنّ إبراهيم سَمِع البشارةَ السارَّة وأنّه تبرَّر بالإيمانِ بالمسيح الآتي (”النسل“، كما نقرأ في رومية ٤؛ غلاطية ٣: ٨)، وأنّ المسيحَ (قبل تجسُّدِه) تَبِع شعبَ الله في العهد القديم (١كورنثوس ١٠: ٤)، وبهذا فنفس مسيحنا كان ”موضوع إيمانهم“. 

لم يخلُصْ شعبُ الله في العهد القديم بالإيمان ”بأي إله“، ولا صنع اللهُ فيهم معجزةَ الخلاص بعمل معجزي للروح دون أن يهبهم وعدَ الخلاص الآتي في المسيح. لهذا نجد بطرس الرسول يؤكِّد أنّ شخصَ المسيح وعمله الفدائي كالوسيط هو موضوع رسالة كلِّ أنبياء العهد القديم (١بطرس ١: ١٠-١٢؛ أعمال ١٠: ٤٢، ٤٣). باختصار، جوهر ”موضوع الإيمان“٦ واحدٌ في العهدين، وقد خلَص شعبُ الله في العهد القديم بالإيمان بالوعد بالمُخلِّص الآتي، ونخلُص نحن الآن بالإيمان بالمُخلِّص الذي آتى بالفعل. 

الحجَّة الثالثة:

هناك أمثلة في العهد القديم لأناسٍ خلَصوا دون الوجود ضمن شعب الله، ودون الإيمان بعمل المسيح إيمانًا مُباشِرًا: مثل مَلكِي صَادِق (تكوين ١٤)، أيُّوب، راحاب (يشوع ٢)، نينوى (يونان ٣).٧

للردِّ:

أوَّلًا، أين نجد في هذه الأمثلة الكتابية أنّ أحدَ الأشخاص قد خلَص بسبب أعماله أو بسبب التجاوب مع الإعلان العام؟ الإجابة باختصار، لا يُوجَد. ثانيًا، علينا أن نسأل ماذا كان موضوع إيمان هؤلاءِ الأشخاص؟ هل آمنوا بمجرَّد ”قوة إلهية عُليا“، أم آمنوا بيهوه الإله الحقيقي الذي يُخلِّص شعبَه بالنعمة كما وعَدَ آدم وإبراهيم؟ لنفكِّر سريعًا في كلٍّ من تلك الأمثلة لنرى ”موضوعَ إيمانِهم“ (اُنظُر حاشية رقم ٩):

١- مَلكِي صَادِق: نتعرَّف على مَلكِي صَادِق في ثلاثَةِ مواضِعَ في كلمةِ الله (تكوين ١٤: ١٨-٢٠؛ مزمور ١١٠؛ رسالة العبرانيِّين خاصة إصحاح ٧). نقرأ في سفر التكوين أنّه بعد النُّصرَةِ التي وهبها اللهُ لإبراهيم في معركةٍ ضِدَّ عدَّة ملوكٍ، استقبلَه مَلكِي صَادِق، ”مَلِكُ“ منطقة شاليم الذي كان ”كاهِنًا“ أيضًا. كان موضوعُ إيمانِ مَلكِي صَادِق هو ”اللهُ العَلِيُّ“، الخالِق ”مَالِك السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ“، الذي يُخلِّص شعبَه ”الَّذِي أَسْلَمَ أَعْدَاءَكَ فِي يَدِكَ“. كان لدى مَلكِي صَادِق إعلانٌ من نفسِ الإله الحقيقي الذي عَبَدَهُ إبراهيمُ كالله الخالِق والمُنقِذ. يؤيِّد هذا الاستنتاجَ عِدَّةُ أمورٍ: (١) إعطاء إبراهيم العشور له، مِمَّا يؤكِّد وعي وتقدير إبراهيم للإله الذي يعبُدُه مَلكِي صَادِق، هذا يُشير إلى كون مَلكِي صَادِق يعبُدُ نفسَ إله إبراهيم؛ (٢) تأكيد داود في مزمور ١١٠ أنّ المسيا سيكون ”مَلِكًا“ و”كاهِنًا“ مثل مَلكِي صَادِق، فداود رأى أنّ مَلكِي صَادِق مِثالٌ (type) للمسيح الآتي؛٨ (٣) الأمر نفسه نجده في عبرانيِّين ٧ حيث يقدِّم كاتِبُ العبرانيِّين مَلكِي صَادِق ككاهنٍ يُلقي الضوءَ على المسيح. كلُّ هذه الأمور تمنعنا من استنتاج أنّ مَلكِي صَادِق قد خلَص دون إعلانٍ خاص عن يهوه والوسيط الآتي الذي كان يُمثِّله.٩

٢- أيُّوب: كان أيُّوب علَى أغلبِ الظنِّ من نسلِ سامٍ الذي باركَه نوحٌ (راجع، ”أرض عوص“ أيُّوب ١: ١، تكوين ١٠: ٢٣)١٠، نفس النسل الذي أَتَى منه إبراهيم (تكوين ١١: ١٠-٣٢). آمَنَ أيُّوبُ أنّه في احتياجٍ لذبيحةٍ للتكفير عن خطاياه وخطايا أبنائِهِ (أيُّوب ١: ٥). لم تكُن ثقتُه في مجرَّد إعلان الله العام عن عظمتِه ولا في أعماله الشخصية. كما لم يعملِ الله في قلبِه بعملٍ سرِّي دون وجودِ إعلانٍ خاص، جوهره نفس جوهر الإنجيل الذي بُشِّرَ بِه آدمُ١١ وإبراهيم وتلاميذ المسيح. كانت ثقةُ أيُّوب في الوسيط الفادي القادِر أن يخلِّصَه ويصالحه مع الله، بل وآمَنَ أيُّوب أنّه من خلال هذا الوسيط سيختبرُ القيامةَ منَ الموت ورؤية الله (أيُّوب ١٩: ٢٣-٢٧؛ اُنظُر أيضًا الحديثَ عنِ الوسيط في أيُّوب ٣٣: ١٤-٣٣). خلَصَ أيُّوبُ لأنّ روحَ الله عَمِلَ فيه (٣٣: ٤) والله تكلَّم معه: فآمَنَ بالإلهِ الحقيقي الذي أعلن له عن ذاتِه ساجِدًا وصارِخًا ”...، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي.“ (٤٢: ٥)!

٣- راحاب: لم تكُن ”آلِهَةُ كَنعانَ“ موضوعَ إيمانِ راحاب الزانية الذي قادها إلى الخلاص. لم تخلُصْ لأنّها تجاوبَتْ بإخلاصٍ مع النور الذي وصل لها من الضمير أو من الطبيعة. خلَصَتْ راحاب لأنّها عرَفَتْ يهوه، الإله الخالِق، والرَّبَّ الذي أنقذ شعبَهُ من أرض مِصر (صورة للفداء الآتي في المسيح)، وآمنَتْ أنّه قادِرٌ أن يخلِّصها هي وأهلَ بيتِها منَ الموت (يشوع ٢: ٩-١٣). إنّ محاولةَ اتِّخاذ راحاب كمثالٍ لهؤلاءِ الذين يُمكن أن يخلِّصَهم يهوه دون السماعِ عنه تتعارض تمامًا مع النصِّ الكِتابي الذي يؤكِّد أنّها سمِعَتْ مثلها مثل أهل أريحا ولكنَّها تجاوبَتْ بإيمانٍ وتغيَّرَ انتماؤها من عبادةِ آلِهَة كنعانَ لعبادة إله إسرائيلَ. [نفس الكلام ينطبق على نُعمان السرياني الذي سَمِعَ عن إله إسرائيلَ وعلى الرَّغم من تردُّده فإنّه آمنَ بِهِ وبرسالتِهِ من شَفتي رجُل الله أليشع، ٢ ملوك ٥). 

٤- أهل نِينَوى: على الرَّغم من أنّ سِفرَ يونان يدوِّن لنا عظةَ يونان القصيرة للغاية التي كانت سببًا في توبةِ أهل نِينَوى ورجوعهم إلى الله: ”... بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى“ (يونان ٣: ٤)، فإنّ إرسالَ يونان حامِلًا ”كلمةَ الله“ لأهل نِينَوى في حدِّ ذاتِه يتعارض مع استنتاج نموذج الشمولية. فإنْ سألْتَ يونان لماذا رجع الله عن دينونة أهل نِينَوى الفُجَّار؟ سيُجيبك، ”لأنّهم آمنوا وتابوا“ بعدما سَمِعوا الرسالةَ (إعلان خاص) الآتية من فم يهوه (٣: ٥ ”آمنوا“، ٣: ٥-١٠ ”تابوا“). إنّ واحدةً من نقاط ضعفِ نموذج الشمولية هي أنّه يؤكِّد أنّ الكرازةَ ”برسالة الخلاص“ ليست ضروريَّةً لكي يخلُصَ الأشرارُ، لكنَّها (الكرازة) مُفضَّلَةٌ إذ تمكِّنُهُم (أي مَن يخلُصون دون الكرازة بحسب هذا الفِكر) من أن يعيشوا حياةً هنا على الأرض أفضل من الحياة التي تخلو من رسالة الخلاص. فهل علينا رؤية أنّ إرساليةَ يونان كانت مجرَّد إرسالية ”لجعل حياتهم أفضل“ بدلًا من كونها إرسالية لخلاصهم من دينونة الله، تلاها خلاصٌ من حياة العبودية للخطية؟ 

٥- ماذا عن كرنيليوس؟ (اُنظُر مقال ش. شريف عاطف "كرنيليوس خائفُ الرب")

الحجَّة الرابعة:

يقول بولس في رومية ١٠: ١٠ ”لِأَنَّ ٱلْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَٱلْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلَاصِ“. لكن بحسب بعض أتباع النموذج الشمولي، لم يقصِد بولس التأكيدَ على الاعتراف بالفم. بحسب هذا الرأي يؤكِّد بولس بشكل عام على الإيمان وحده كشرط الخلاص في أكثر من موضعٍ في رومية ١٠: ٤، ١١، وبهذا فالإيمان وحده لا الاعتراف ضروريٌّ للخلاص. على سبيل المثال، يقول أحدُ المؤمنين بهذا النموذج: إنّ الاعترافَ بالفم، ”من وجهة نظر فلسفية يُسمَّى ”أسبابًا كافية sufficient conditions“ لكن ليس بالضرورة ”أسبابًا ضرورية necessary conditions“، فأن تعترفَ بفمِك وتؤمن بقلبك [معًا] هي أسباب كافية للخلاص، لكِنَّها ليست أسبابًا ضرورية للخلاص...“ الضروري هو الإيمان بالقلب فقط.١٢ كما يضيف أنّ بولس باقتباسه لمزمور ١٩ (الذي يتحدَّث في نصفِه الأوَّل عن الإعلان العام من خلال الطبيعة) في رومية ١٠: ١٨ يؤكِّد أنّ الإنسانَ يُمكن أن يعرف اللهَ دون كلماتٍ منطوقة (دون رسالة الإنجيل مسموعةً). فيمكن تلخيص هذا الرأي بفم قائله: ”رغم أنّ التركيز في رومية في هذا المقطع على أنّ الرسالة وصلَتْ من خلال الكارزين، لكن نرى أنّ (١) الاعتراف بالفم ليس بالضرورة أمرًا لازمًا، لأنّه في مواضع أخرى يركِّز على الإيمانِ بالقلب. (٢) الأسئلة التي يجيب عنها بولس (كيف يؤمنوا؟ كيف يسمعوا؟...) يجيب عنها بولس باقتباس القول إنّ اللهَ يعلم كيف يوصل رسائل حتَّى وإن كانت رسائل غير منطوقة“١٣ وبهذا تكون الكرازة والوعظ بالإنجيل ليست ضرورية لكي يُولَد الإنسانُ من فوق (رُبَّما ضرورية لكي يعيش الإنسانُ حياةً أفضل وشركة أعمق مع الله لكن ليست ضرورية لكي يخلُص الإنسانُ في المقام الأول من حالة العداوة مع الله لحالة المُصالحة).

الردُّ:

هناك العديد من الأمور للردِّ على هذه الادِّعاءاتِ.

أوَّلًا، من أين أتينا ”بوجهة النظر الفلسفية“ التي جعلت حديث بولس عن ”الاعتراف بالفم“ أمرًا غير ضروريٍّ؟ هل يُمكننا أن نذهب لأيِّ جزءٍ كتابي ونضع هذا المعيار الفلسفي لنجعل أمورًا ”كافية ولكن ليست ضروريَّةً“١٤. بالإضافة إلى ذلك، ألَم يقُلِ المسيحُ نفسُه، ”فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ ٱلنَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، وَلَكِنْ مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ ٱلنَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ“ (متَّى ١٠: ٣٢، ٣٣)؟ هل يمكننا أن نُعلِّمَ البعضَ أن يؤمنوا بالمسيح في قلوبِهم دون الحاجة إلى الاعتراف به بالفمِ (ولا سِيَّما في ظروف اضطهادٍ مثل تلك التي مرَّ بها تلاميذُ المسيح!)؟ نعم، فنحن في بعض الأحيان نكذِب، ونقول أمورًا لا نعنيها، ويمكننا أن نقول إنّ المسيحَ ربٌّ ونحن لا نخضع له (متَّى ٧: ٢١-٢٣)، لكن كلمة الله تؤكِّد أيضًا أنّ هناك ارتباطًا وثيقًا بين القلب واللِّسان (لوقا ٦: ٤٥)، ولهذا فإنّ عدم اعترافنا بالمسيح بالفم يعبِّر دائما إمَّا عن جهلٍ تامٍّ به (وبالتالي بالخلاص الذي يقدِّمه)، وإمَّا عن إنكارٍ عمديٍّ شرِّير له (كما فعل بطرس).١٥

ثانيًا، يُسِيء هذا الرأي استخدام كلمة ”إيمان“. فيقول إنّ ”السببَ الضروريَّ“ للخلاص هو ”الإيمان“، ويركِّز على ”اختبار الإيمان“ (experience)، ويتغافل عن ”موضوع الإيمان“ (object of faith) (اُنظُر حاشية رقم ٩)١٦. فهذا تغاضٍ عن حقيقةِ كون ”موضوع الإيمان“ هو القادر أن يُنقذ. لاحظ أنّ بولس يتحدَّث عن ”موضوع الإيمان“ في رومية ١٠: ٩ ”لِأَنَّكَ إِنِ ٱعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ (بماذا؟ بموضوع الإيمان -) بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ (بماذا؟ بموضوع الإيمان -) أَنَّ ٱللهَ أَقَامَهُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ.“ ما الذي نؤمن به للخلاص هنا؟ حدث قيامة المسيح من الموت وبالإله (ليس أيّ إله!) الذي قام بهذا الحدث. هذا هو الإيمان الذي يُخلِّص، إيمان له محتوى عقيدي، والمحتوى العقيدي مرتبط برسالة الإنجيل. نفس هذا الأمر نجده في الأمثلة المختلفة عن ”ضرورة الإيمان“ التي يشير إليها أتباعُ هذه الحجَّة، فمعظم الأعداد التي تتحدَّث عن الإيمان (١٠: ٤، ١١) تُركِّز على الإيمان ”بالمسيح“ وليس الإيمان غير الواعي ولا الإيمان في المُطلَق ولا إيمان بالإعلان العام ولا إيمان بأيّ رسالةٍ أُخرى.

ثالثًا، لماذا إذن استخدم بولس مزمور ١٩: ٤ الذي يُشير إلى الإعلان العام في رومية ١٠: ١٨ وهو يتحدَّث عن الإيمان الذي يُخلِّص؟ عند النظر إلى السياق نجد بولس يتحدَّث عن عدم طاعة أغلبية اليهود لرسالة الإنجيل: ”١٦ لَكِنْ لَيْسَ ٱلْجَمِيعُ قَدْ أَطَاعُوا ٱلْإِنْجِيلَ، لِأَنَّ إِشَعْيَاءَ يَقُولُ: «يَارَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟». ١٧ إِذًا ٱلْإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَٱلْخَبَرُ بِكَلِمَةِ ٱللهِ (لاحظ عدم وجود إيمان يُخلِّص دون كلمة الله). ١٨ لَكِنَّنِي أَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ (التركيز في السياق على اليهود بشكل خاص) لَمْ يَسْمَعُوا (إشارة ”لكلمة الله: رسالة المسيح“ في العدد السابق)؟ بَلَى! «إِلَى جَمِيعِ ٱلْأَرْضِ خَرَجَ صَوْتُهُمْ، وَإِلَى أَقَاصِي ٱلْمَسْكُونَةِ أَقْوَالُهُمْ»." وعلى الرَّغم من أنّ الجزءَ المُقتبَس من المزمور يتحدَّث عن الإعلان العام، فإنّ بولس يوظِّفه للحديث عن وصول رسالة الإنجيل (كلمة الله) ”إلى جميع الأرض، إلى أقصى المسكونة“. لا يقتبس بولس مزمور ١٩: ٤ (لاحظ عدم استخدامه لصياغة الاقتباس التي استخدمها ع. ١٦، ١٩، ٢٠، ٢١ لكِنَّه يُطبِّق المزمور، أو بالأحرى يقوم بعمل توازٍ: فكما أعلنَ اللهُ ”الإعلان العام لكلِّ الأرض، هكذا كلمة الله في الإعلان الخاص، في رسالة الإنجيل، قد انتشرت في كلِّ الأرض.“ فيستنتج دوجلاس موو، ”لا يهدف [بولس] إلى أن يُفسِّر عدد [٤] من المزمور، لكنَّه يستخدم لغته... للتأكيد على الوعظ بالإنجيل الذي انتشر في العالم.“١٧ أمَّا المقصود ”بجميع الأرض“ فهو الإشارة إلى وصول الإنجيل إلى المناطق الرئيسية في الإمبراطورية الرومانية وقت بولس (كولوسي ١: ٢٣)، وبخاصَّةٍ وصول الإنجيل إلى التجمُّعات اليهودية (ليس بالضرورة إلى كلِّ فردٍ).

الحجَّة الخامسة:

كما يستخدمون قولَ بولس في عظته في مدينة لسترة أنّ اللهَ ”... لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ،...“ (أعمال ١٤: ١٧)، وإشارته في رسالة رومية إلى كون الأمم لهم عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم (رومية ٢: ١٤، ١٥)، ثمَّ يقولون إنّ هذا يشير إلى كون الذين لم يسمعوا برسالة الإنجيل يمكن أن يخلصوا بالتفاعل الإيجابي مع شهادة الله عن نفسِه في الإعلان العام ولا سِيَّما الناموس المكتوب في القلوب. 

الردُّ:

يصعب علينا لضيق المساحة شرح هذه النصوص شرحًا وافيًا لنفي هذه الاستنتاجات من تلك النصوص، لكن سنكتفي ببعض الملاحظات الهامة. في حديث بولس في لسترة: أكَّد بولس أنّ ”مَعَ أَنَّهُ (الله) لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ،...“ (أعمال ١٤: ١٧) وهذا يتّفق مع عقيدة الإعلان العام المذكورة في رومية ١: ١٨-٢٢؛ لكنَّه لم يشِرْ في هذا النقطة إلى أيِّ شخصٍ تفاعَل بشكل إيجابي مع هذا الإعلان العام، على العكس أكَّد أنّ مُستمِعيه يحتاجون إلى البشارة السارَّة لكي ”... ترْجِعُوا مِنْ هذِهِ الأَبَاطِيلِ إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ“ (أعمال ١٤: ١٥)، وأنّهم كانوا متروكين قبلًا ”... يَسْلُكُونَ فِي طُرُقِهِمْ...“(ع.١٦) الباطلة، على الرَّغم من شهادة الله في الإعلان العام.

أمَّا بالنسبة لرومية ٢: ١٤، ١٥، فللأسف هذا أحد أكثر الأجزاء الكتابية اقتباسًا خارج السياق. فعكس مَنْ يحاولون القول بأنّ بولس يعلِّم هنا بأن مَنْ ليس لهم ناموسٌ يُمكن أن يخلصوا بحسب نور الإعلان العام الذي وصل لهم، يؤكِّد بولس الرسول في مقدِّمة هذه الفقرة: ”لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ بِدُونِ ٱلنَّامُوسِ فَبِدُونِ ٱلنَّامُوسِ يَهْلِكُ. وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ فِي ٱلنَّامُوسِ فَبِالنَّامُوسِ يُدَانُ“ (٢: ١٢). لاحظ استخدام بولس لكلمتين تشيران إلى الهلاك والدينونة في وصف كلتا الفِرقتين: مَنْ هم بلا ناموسٍ (أو بلا إعلانٍ خاص، لديهم الناموس الداخلي/الضمير فقط) ومَنْ لديهم ناموس (لديهم كلمة الله، الإعلان الخاص أيضًا). فعلى الرَّغم من أنّهما سيُحاكَمان كلاهما بحسب نوعية الإعلان الذي وصل إلى كلٍّ منهما، فإنّ كليهما مُدانٌ لأنّ كليهما (مَيْتٌ بالذنوب والخطايا) لم يتفاعل مع الإعلان الذي وصل له من الله بطاعةٍ كاملةٍ. إنّ نقطة بولس الرئيسية في رومية ١: ١٨-٣: ٢٠ هي أنّ كُلَّ العالمِ مُدانٌ، تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ (٣: ١٩)، وأعمال الناموس، سواء الناموس المكتوب على القلب أو الناموس الذي أعطاه الله لشعبه في العهد القديم، غير قادرٍ أن يجعلَ الإنسانَ الخاطئ مقبولًا لدى الله (٣: ٢٠)، لأنّ الجميعَ فشِلوا في الطاعة الكاملة التي يطالب بها الناموسُ (٣: ٢٣).

الحجَّة السادسة:

يعمل الله بطُرُقٍ كثيرة جدًّا، ويجب ألّا نحدَّ اللهَ في طريقةٍ واحدةٍ كالوعظ والكرازة بالإنجيل، فالله غير محدودٍ ويستطيع أن يُخلِّص الكثيرين بواسطة عمل المسيح بطُرُقٍ مختلفة مجهولة وسِرِّية، وليس بالضرورة بواسطة الوعظ بالإنجيل أو بواسطة خدمة الكنيسة المسيحية. 

الردُّ:

أوَّلًا، إنْ كان الشموليّون يؤمنون بأنّ المسيحَ ضروريٌّ للخلاص الكوني، ألا يحُدُّ ذلك الاعتقادُ اللهَ في طريقٍ واحدٍ للخلاص؟ فلماذا يؤمنون بأنّ اللهَ لا يحُدُّه شيءٌ في تعاملاته، ويمكن أن يُخلِّص البعضَ دون وجودٍ لرسالة الإنجيل (مُقترِنة بعمل الروح)، بينما يؤمنون بأنّه حدَّد طريق الخلاص الكوني الوحيد في المسيح؟ 

ثانيًا والأهمّ، إنْ كان اللهُ أعلن أنّه لا يمكن الاستفادة من عمل المسيح إلّا بالتجاوب بتوبةٍ وإيمانٍ مع رسالة الأخبار السارَّة، فهل من حقِّنا نحن فلسفة الأمر واستنتاج أنّ فَهمَ الأخبار السارَّة [العقيدة!] ليس ضروريًّا؟ أو أنّه رُبَّما يرفض أحدٌ كلمةَ/رسالةَ الصليب (١كورنثوس ١: ١٨)، لأنّه تربَّى على استحالةِ تجسُّد وصلب ربِّ المجد مثلًا، ويكون له بابٌ سِرِّيٌّ آخرُ للاستفادة من رسالةِ الصليب التي رفضها! 

ثالثًا، كيف نفهم قولَ بولس في ١كورنثوس ١: ٢١، ”لِأَنَّهُ إِذْ كَانَ ٱلْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ ٱللهِ لَمْ يَعْرِفِ ٱللهَ بِالْحِكْمَةِ، ٱسْتَحْسَنَ ٱللهُ أَنْ يُخَلِّصَ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ ٱلْكِرَازَةِ.“ يؤكِّد الوحي أنّ اللهَ لا يستخدم كلَّ الطُّرُقِ التي يعتبرها العالمُ حكمةً، لكنَّه يستخدم ”الكرازة“ التي يعتبرها العالم جهالةً، كالأداة الرئيسية والوحيدة التي يعمل الروح من خلالها. إنّ اللهَ لا يخلِّص بطُرُقٍ سِرِّيةٍ لم يعلن عنها. نعم، كما أكَّد المسيح أنّ عملَ الروحِ القدس هو عملٌ سِرِّي إلهي عجيب (يوحنا ٣: ٧، ٨)، ورُبَّما يأخذ الروحُ أوقاتِ إعدادٍ كثيرة في قلبِ الإنسان قبل تغييره برسالة المسيح، لكن هذا العمل الذي يعمله الروح يحدث فقط بواسطة رسالة المسيح المُعلَنة (يوحنا ٣: ١٤)، أي بجهالةِ الكرازة!

رابعًا، يُشير اعتماد أتباع هذا الفِكر على عمل الله السِرِّيّ (كما هو موضَّح هنا وفي الحجَّة الرابعة) إلى فصلٍ غير كتابيٍّ بين عمل ”الروح القدس والكلمة المُقدَّسة“. فمِن بداية سِفر التكوين نرى اللهَ يخلق بالكلمة المنطوقة والروح القدس (تكوين ١: ١-٣)، وفي وادي العِظام اليابسة قال الله لحزقيال أن يتكلَّمَ بكلمةِ الله (تَنبَّأ)، ثمَّ أرسلَ اللهُ الروحَ لكي يُحيِيَ العِظامَ اليابسة (حزقيال ٣٧: ١٠)، ونقرأ كثيرًا عند وعظ أحد الرُّسلِ برسالة الإنجيل أنّ الربَّ (الروح القدس) فتحَ القلبَ أو ملأ المُستمِعين بالروح. باختصارٍ، يعمل الروحُ القدس عملَه السِرِّيّ (سواء في الخليقة أو الخليقة الجديدة) بواسطة الكلمةِ المنطوقة التي أوحى بها. أمَّا المدرسة الشمولية فتريد إقناعنا أنّ الروحَ لا يجب أن يحدَّ نفسَه في الطُّرُق التي اختار العملَ بها!

أخيرًا، إنْ كان هذا مُمكِنًا لماذا لا نجِد ولا مثالًا واحدًا في سفر الأعمال عن هذا الاستثناء؟ لماذا لا نجِد أيَّ حديثٍ عن البشر الذين سيخلِّصُهم اللهُ دون أن تصل إليهم ”كلمةُ حقِّ الإنجيل“؟ وإنْ كان اللهُ يعمل معجزةً بالروح لخلاص البعض دون الكلمة، فلماذا نقول إنّه قادرٌ على صُنع المعجزة في هؤلاء دون صنعه معجزة إيصال رسالة الإنجيل كما نرى باستمرارٍ في سفر الأعمال؟ 

نقاط ضعف أُخرى في المدرسة الشمولية:

  • عندما تسأل بعضَ الشموليِّين، لماذا إذن الكرازة؟ يجيبون: لأنّ الخلاصَ ليس فقط من الجحيم، لكن لكي يعيشَ الإنسانُ حياةَ الشركةِ مع الله ويختبر مجدََ حياةِ التبنِّي [وهذا صحيح بالتأكيد]. ثمَّ يستكملون حديثهم بأنّه يُمكن أن يخلُصَ أحدٌ دون سماع الإنجيل موعوظًا له، لكنَّه لن يختبرَ حياةَ المِلءِ المتاحة له، لذلك يجب أن نعرِّفَهم بأمجاد رسالة المُصالحة. المشكلة الرئيسية في هذا الرأي هو عدم وجود مرجعية كِتابية له. فالكتاب المقدَّس يؤكِّد أنّ المؤمِنَ خلَص في الماضي (التبرير والتجديد)، ويخلُص في الحاضر (التقديس)، وسيخلُص في المستقبل (التمجيد)، لكن كُلّ هذا يحدث بواسطة رسالة الإنجيل نفسها. لهذا يؤكِّد الرسلُ مِرارًا وتَكرارًا أنّ المؤمنين ”خلَصوا بالإنجيل ويقيمون فيه لاستمرارية خلاصهم“ (١كورنثوس ١٥: ١-٤). كما يقول الرسول بولس، ”لِأَجْلِ ذَلِكَ أَنَا أَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لِأَجْلِ ٱلْمُخْتَارِينَ، لِكَيْ يَحْصُلُوا هُمْ أَيْضًا عَلَى ٱلْخَلَاصِ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، مَعَ مَجْدٍ أَبَدِيٍّ." (٢تيموثاوس ٢: ١٠). نعم كان بولس يسعى لكي يحصلَ المُختارون على ”مجدٍ أبديٍّ“، لكنَّ كرازتَه لم تكُن تهدف إلى شيءٍ أقل من ”الحصول على الخلاص“ من الغضب والدينونة الآتية (رومية ١: ١٨؛ ٣: ٢٥؛ ٥: ١٠؛ ١تسالونيكي ١: ١٠؛ ٥: ١٠)، الخلاص بجانبيه القضائي والتجديدي (٢كورنثوس ٥: ١٧).
  • لا يهدِّد هذا النموذج الكرازةَ فقط، بل يفصل بين عِلم الخلاص soteriology وعِلم الكنيسة ecclesiology. فتفتقر إلى كون أحد معاني الخلاص هو الانضمام إلى جسدِ المسيح. 
  • يجعل هذا النموذج تحوُّلَ بعض الأشخاص الأمناء من عبادة ”بوذا“ إلى عبادة ”المسيح“، لا تحوُّلًا من الظلمة إلى النور، بل تحوُّلًا من طريقٍ أقلِّ مجدٍ للوصول للمسيح إلى طريقٍ أكثر مجدٍ للوصول إليه. 

في نهاية هذه المقالة أبتغي أن أقدِّم تشجيعًا وتحذيرًا لنفسي ولكُلِّ مَن يرى مركزيةَ الإنجيلِ وإعلانه لخلاص الهالكين. فالتمسُّك بالحصرية ليس تمسُّكًا أجوفَ بعقيدةٍ أصيلة بهدف تصوير نفوسنا كالمدافعين عن الحقِّ فحسب. لكنَّه من جهةٍ تحذيرٌ لنا لكيلا نهمل دورَنا في الكرازة بالإنجيل (حزقيال ٣٣: ١-١١؛ ١كورنثوس ٩: ١٦). وتشجيع لنا لكي نُكرم إعلانَ الله في كلمتِه المقدَّسة، ولكي نصلَ بفرحٍ برسالةِ الإنجيل لأقربائِنا وأصدقائِنا وجيراننا بإنجيل المسيح الذي ليس بغيره الخلاص. ففكرة أنّ جَاري سيقضي الأبديةَ في الجحيم دون رسالةِ الخلاص يجب أن تجعلني أستمرُّ في الصلاة مع رسول الأمم: ”...، ليَفْتَحَ ٱلرَّبُّ لَنَا بَابًا لِلْكَلَامِ، لِنَتَكَلَّمَ بِسِرِّ ٱلْمَسِيحِ،... “ و”...، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلَامٌ عِنْدَ ٱفْتِتَاحِ فَمِي، لِأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ ٱلْإِنْجِيلِ“ (كولوسي ٤: ٣؛ أفسس ٦: ١٩).

هذا المقال هو ((الرابع والأخير)) من بين أربعة مقالات عن موضوع حصرية وشمولية الخلاص. يمكنك قراءة الأجزاء الأخرى بالضغط على أي من الروابط:-

المقال الأول - المقال الثاني - المقال الثالث


١ سوف أستخدم كلمةَ الشمولية والضِمنية بالتبادل. علمًا بأنّ كثيرًا من الكتابات تستخدم كلمة الشمولية لوصف الادِّعاء الأوريجاني (سيخلص الجميع في النهاية)، فالكلمة يُمكن استخدامها أيضًا للإشارة إلى الضِمنية، فالأهمّ هو ما المقصود عند استخدامها.

٢ التأكيد ليس على الأطفال غير الواعِين ولا على المُعاقين ذهنيًّا، لكن على أُناسٍ طبيعيِّين واعِين. وهذا يختلف تمامًا عن إقرار إيمان ويستمنستر ١٠. ٣، الذي فيه يُعطى الاستثناء للأطفال الذين يُتَوَفَّونَ في سنِّ الطفولة والمُعاقين ذهنيًّا، مع التأكيد على أنّ المُعيَّنين بمقتضى نعمة الله سوف يخلصون. نقرأ: ”إنّ الأطفالَ المُختارين، الذين يُتَوَفَّونَ في سنِّ الطفولة، يُجدَّدون، ويخلصون بالمسيح، بواسطة الروح القدس، الذي يعمل متى، وأين، وكيف يشاء: كذلك أيضًا جميع الأشخاص المُختارين الآخرين الذين هم عاجِزون عن أن يُدعَوا خارجيًّا بواسطة خدمة الكلمة (وهم يقصد المُعاقين ذهنيًّا)“.

٣ هنا بولس يقتبس يوئيل ٢: ٣٢ والذي فيه الكلمة المُترجَمة ”الرَّبّ“ هي ”يهوه“ بالعربية. فالخلاص ليس لكلِّ مَن يدعو باسم أيّ ربٍّ، بل باسم إله العهد، يهوه. يرى بولسُ الرسول أنّ يسوع المسيح هو هذا الرَّبُّ (أحد الأمثلة الواضحة التي تُشير إلى أنّ التلاميذ عَلِموا أنّ يسوعَ المسيح هو نفسه يهوه نجدها في مقارنة فيلبِّي ٢: ٩-١١ مع إشعياء ٤٥: ٢٢-٢٥).

٤ راجِع، ١بطرس ١: ١٩-٢٠؛ ٢ تيموثاوس ١: ٩؛ رؤيا ١٣: ٨.

٥ أُومِن أنّ آدم آمنَ بالإنجيل البدائي الذي قدَّمه له اللهُ، الأمر الذي يتَّضح في تسميته لحواء ”أُمُّ كُلِّ حَيٍّ“ وليس ”أُمُّ كُلِّ مَيْتٍ“. فهذه التسمية (بعد السقوط – تكوين ٣: ٢٠) إشارةٌ لإيمانِه بوعدِ الله بالحياة لمَن لا يستحقُّ إلا الموتَ.

٦ المقصود بتعبير ”موضوع الإيمان“ (object of faith) هو ”الشخص أو الشيء أو الأمر الذي أضع فيه إيماني وثقتي واتِّكالي“. فمثلًا، عندما أريد إصلاح سيارتي أنا أضع ثقتي في ”المكانيكي“ (موضوع ثقتي) لأنّي أعرف أنّه قادِرٌ أن يُصلِحَ سيارتي. موضوع إيمان المَسيحيِّ الحقيقيِّ في الخلاص (وكلّ الحياة) ليس ”أعماله، ولا إيمانه الشخصي، ولا أيّ قوة أو حكمة بشرية“ لكن ”شخص المسيح يسوع وعمله.“

٧ إنّ مقارنةَ الشموليِّين هذه الشخصيات في العهد القديم بحالِ مَن لم يسمعوا بالإنجيل في حدِّ ذاته هو محاولة لإقناعنا أنّ الكنيسةَ يُمكنها التعامل مع العالم وكأنَّ المسيحَ لم يأتِ إلى عالمنا. هذا الافتراض في حدِّ ذاتِه خاطئ، إذ يُطالِبنا بالتفكير في إحدى العقائد بعقلية ”المسيح لم يأتِ ولم يمُتْ ولم يقُمْ“، الأمر الذي يتنافى مع استِئسار كلِّ فِكرٍ إلى طاعةِ المسيحِ وإلى مشورة الله الكاملة (٢كورنثوس ١٠: ٥؛ أعمال ٢٠: ٢٧).

٨ يرى بعضُ اللاهوتيِّينَ أنّ استخدامَ مَلكِي صَادِق ”الخبز والخمر“ رمزٌ أو إشارةٌ للإفخارستيا.

٩ الحُجَّة التي تقول ”لا نجِد أيَّةَ إشارةٍ للمسيح“ هي حُجَّة من الصمت، وعبء الإثبات يقع على مَنْ يُشير إلى خلاص مَلكِي صَادِق أو أيٍّ من الشخصيات المذكورة في كلمة الله دون الإيمانِ بالإنجيل الذي رأيناه في تكوين ٣: ١٥ ممتدًّا في كلِّ صفحات الكتاب.

١٠ راجع أيضًا تكوين ١٠: ٣٠ وأيُّوب ١: ٣ والإشارة ”لبَني المَشرِق“.

١١ واضح أنّ أيُّوب كان على علمٍ بقصة آدم، فقد وصل إليه الإعلانُ الخاص عن الخطية ولعنتها والخلاص حتّى وإن لم يكُن مكتوبًا (قارن أيُّوب ٥: ٦-٧ و١٠: ٩ مع تكوين ٣: ١٧؛ أيُّوب ٣١: ٣٣ (ترجمة أدقّ لكلمة ”كالناس“ = ”كآدمَ“) بتكوين ٣: ٨-١٢). فهذا هو المبدأ الخاص بعبرانيِّين ١: ١-٣ أنّ اللهَ تكلَّم للأنبياء بأنواعٍ وطُرُقٍ كثيرةٍ (صوت مسموع، أحلام، رؤى وغيرها) إلى أنْ كلَّمنا في المسيح يسوع وفي كلمتِه المقدَّسة اليوم. 

١٢ يُمكن سماع هذا الرأي في فيديو لأندرو أشرف، محاضرة بعنوان ”الحصرية: لماذا يسوع هو الطريق الوحيد؟“، من هذا اللينك: https://www.youtube.com/watch?v=MfnRBPv-22c (تابع من الدقيقة ١٢).

١٣ هذا اقتباس مباشِر مع تعديل بسيط للضمائر وتحويل الكلام إلى الفُصحى لما قيل في الفيديو السابق الدقيقة ١٩.

١٤ من اللافِت للنظر أنّ كثيرين من أتباع الشمولية يهتمُّون ”بالعقل والفلسفة“ ولكِنَّهم في نفس الوقت يؤكِّدون أنّ محتوى ”العقيدة العقلية“ أمرٌ عقليٌّ وغير ضروريٍّ للخلاص!

١٥ رُبَّما يستخدم أتباع هذه التقسيم مَرقس ١٦: ١٦ للقول بأنّ المعموديةَ سببٌ كافٍ (مُهِمّ) لكن ليس ضروريًّا للخلاص، وأنّ الإيمانَ وحده بحسب هذا العدد كافٍ للخلاص. وهكذا يجب أن نفهمَ أنّ الاعترافَ بالفمِ (مثل المعمودية) مُهِمّ لكن ليس ضروريًّا، فالإيمان وحده ضروريٌّ. لكن هذه المُطابقة بين قول بولس في رومية ١٠:١٠ ومرقس ١٦: ١٦ ليست مناسبة. لأنّ مَرقس يؤكِّد ”وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ“ دون القول ”مَنْ لم يعتمد يُدَنْ“، وبهذا فهو قد أكَّد لنا في نفس العدد أنّ المعموديةَ ليست شرطًا للخلاص. لكن بولس في رومية ١٠: ١٠ لم يفعل الأمر ذاته بخصوص الاعتراف بالفمِ، على العكس، نجده بعد تأكيد أهمية الإيمان والاعتراف (ع. ١٠) يؤكِّد على الإيمان (ع. ١١) وكذلك يؤكِّد مرَّةً قبلها (١٠: ٩) ومرَّتيْن بعدها على الاعتراف (١) يَدْعُونَ بِهِ، (٢) يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ: أي يهوه (ع. ١٢-١٣)، وبعدها أيضًا يُشير إلى ضرورة الكرازة لأن لا إيمان ولا اعتراف دون سماعٍ (ع. ١٤-١٥). 

١٦  Timothy Tennent, “Christian Encounter with other Religion,” Encounter Theology of Mission, 304.

١٧ Douglas Moo, Romans, 666-667.