
تحدَّثنا في الجزء السابق عن نموذج الحصرية (Exclusivism)، ورأينا كيف أنّ القراءة الأمينة للكتاب المقدَّس تقودنا بالضرورة إلى الإيمان بالنقاط الثلاث غير القابلة للتفاوض التي تم طرحها.
في هذا الجزء الثالث نريد أن نُناقش النموذج الثاني هو تعدديّة الطُرق التي تؤدي للخلاص (pluralism).١
يرفض أتباعُ هذا النموذج النقاط الثلاث غير القابلين للتفاوض المذكورين آنفًا في نموذج الحصرية. وبهذا يؤمِن أتباع هذا الفكر٢ أنّ كلَّ ديانات العالم تُتيح الطريق إلى الله وللخلاص. فالادِّعاءات المتضاربة للحقِّ بحسب الديانات المختلفة هي في الحقيقة مُتصالِحة، ويمكننا اكتشاف هذا بنقل هذه الادِّعاءات من مستوى الموضوعية (أي العقائد التي تؤكِّدها هذه الديانات)، وقبول الحق على أساس الاختبار الشخصي (أي كيف يشعر ورُبَّما كيف يسلُك أتباع هذه الديانات). بطريقة أخرى، ديانات العالم كلُّها تُمثِّل ما يُسمّى بـ”المساحات الخلاصية“ أو ”الطُّرُق المختلفة التي من خلالها يجد الرِّجالُ والنساء الخلاص والتحرير والإشباع أو التحقيق النهائي لهدف الحياة“.
وعلى هذا الأساس تصير المسيحيةُ في نظرِ أتباع هذا النموذج مجرّد طريقٍ من بين هذه الطُّرق، بل وليست بالضرورة أفضلهم. بعض أتباع هذا النموذج يتَّهِمون النموذجَ الحصري بأنّه يقود إلى الوثنية، والكبرياء، ويجعل من المستحيل أخذ باقي المعتقدات بجِدِّية. كما يطالبون المسيحيِّين بترك ”مركزية المسيح“ وتبديلها ”بمركزية الله“. يرفض التعدُّديون أخذ أيّ شواهد في الكتاب المقدس في الاعتبار لأنّ هذا سيعني جَعل الكتاب المقدَّس والمسيحية السُّلطة الحاكمة على باقي المُعتقَدات والديانات، الأمر الذي يرفضونه. وبهذا فالمعيار العالمي الوحيد لدى التعدُّديين هو ”الاختبار الشخصي“ وليس ”النَّصَّ المقدَّس“. وبهذا فالاختبار الشخصي هنا لا يقاس بحسب معايير موضوعية.
نقاط ضعف هذا النموذج:
- لا يأخذ أصحابُ هذا النموذج مأخَذ الجِدّ الادِّعاءاتِ والممارسات الفعلية لأصحاب المُعتقَدات التي يتحدَّثون عنها. فكلُّ شخصٍ ينتمي بإخلاص للمسيحية، أو غيرها من الديانات، ينزعج بشدَّة من التخفيف والنسبية التي يُضفيها عليهم أصحاب تلك المدرسة. فوجود حقيقة أسمى من كلِّ الديانات، والتي يتطلَّع لها الكلُّ بحسب أتباع التعدُّدية، هي مجرّد فكرة بشرية نِتاج فلسفة إيمانويل كانت (Immanuel Kant) وعصر التنوير.
- الإله الذي يتحدَّث عنه التعدُّديون هو إله مُبهَم لا يُمكن أن يُعرَف، وذو طبيعة غامضة.
- طلب ترك ”مركزية المسيح“ (Christocentric) وتبنِّي نظرة ”مركزية الله“ (Theocentric) في حدِّ ذاته يشوبه الغموض إذ إنّه يستخدم كلمة ”الله“ في وصف الحقيقة أو الواقع المطلَق دون الاعتناء بشرح هُويَّة وصِفات هذا الإله. كما أن استخدام ”الله“ في حدِّ ذاته يُعثِّر أتباع الديانات التي لا تُشير لوجود لله في مركزها مثل البوذية (Buddhism) والطاوية (Taoism).
- يعتمد الموقف التعدُّدي على ”الذاتية“ وعلى ”الخِبرة البشرية“، ليس على أيِّ ادِّعاءات موضوعية للحقِّ. كما يهدم نفسه بنفسه يدَّعي ملكية الحق في إقراره ”كلّ الديانات توصل إلى الله“، بينما ينفي على أتباع الديانات المختلفة ادِّعاءاتهم للحقِّ.
أخيرًا، يمكن إدراج ما يُسمى بعالمية الخلاص (أو شمولية الخلاص٣) (universalism) والتي نادى بها البعضُ عبر تاريخ الكنيسة، على رأسهم أوريجانوس، تحت حديثنا عن التعددية (pluralism). يعلم القائلين بعالمية الخلاص، ”بأن الجميع سيخلصون في النهاية“ مُدَّعين أنّ هذا ما يعلِّمه الكتابُ المقدَّس عندما يُشير إلى كون الله محبَّة وقد أحبَّ العالمَ وصالَح الجميعَ بموتِ المسيح. يؤكد القائلين بعالمية الخلاص أن سبب خلاص الكثيرين من ديانات آخري متعددة هو ما فعله المسيح (يقبل النقطة الثانية في المقال الأول) إلا أنهم لا يتفقون عند عدم أهمية سماع رسالة الخلاص ضرورية الإيمان والتوبة (يرفض النقطة الثالثة)، لكن ما يميزهم عن الفكر الضمني (المدرسة التي سنقدمها في المقال الآخير) هو التأكيد أن الجميع في النهاية سوف ينالوا الخلاص بغض النظر عن شكل حياتهم هنا على الأرض.
ربما تنفي التعددية مركزية المسيح (النقطة الثانية) بينما يؤكدها الكثير العالميين. ولكن إن كانت التعددية (pluralism) تؤكد أن كل الطرق تؤدي إلى الله، فإن العالمية (universalism) تؤكد أن كل الناس سوف تصل في النهاية إلى الله وتنال الخلاص. بالإضافة لذلك، الكثير من التعدديين (pluralists) يميلون بشدة للتأكيد على أن الجميع سوف يخلص في النهاية (universalism).
للردّ: يتغاضى القائِلون بأنّ ”الجميع سيخلصون في النهاية“ عن عدَّة حقائق كتابية واضحة
(١) عدالة الله في دينونة الشرِّ (يوحنا٣: ٣٦؛ رومية ٢: ١-٦؛ ١تسالونيكي ١: ٦-١٢؛ عبرانيين ١٠: ٣١)؛ فمحبة الله لا يُمكن فهمها بطريقة كتابية بعيدًا عن عدالته وقداسته التي بها يدين الشرَّ (رومية ١١: ٢٢).
(٢) الأجزاء الكتابية الكثيرة التي تُشير إلى أبديَّة الجحيم للبشر الذين استمرّوا في حياة الخطية وعدم الإيمان (٢بطرس ٣: ١-٧؛ رؤيا ٢٠: ١٥؛ ٢١: ٧-٨؛ دانيال ١٢: ٢) وعلى رأسها الأجزاء التي قالها المسيح يسوع نفسه (يوحنا ٥: ٢٩-٣٠؛ متَّى ٢٥: ٣٢، ٣٣، ٤٦؛ مرقس ٣: ٢٩).
(٣) عدم وجود فرصة لنوال الخلاص الأبدي بعد الموت (عبرانيين ٩: ٢٧).
هذا المقال هو ((الثالث)) من بين أربعة مقالات عن موضوع حصرية وشمولية الخلاص. يمكنك قراءة الأجزاء الأخرى بالضغط على أي من الروابط:-
المقال الأول - المقال الثاني - المقال الرابع
١ هذا الجزء الخاص بنموذج التعدُّدية هو إعادة صياغة وتلخيص, 202-3 ,”Tennent, “Christian Encounter with other Religion
٢ من الأسماء الشهيرة لتابعي هذا الفكر Paul Knitter, William Cantwell, W.E Hocking, and John Hick
٣ راجع الحاشية الأولى في المقال الرابع.